الاتحاد

عربي ودولي

أحداث لبنان وإعادة صياغة المنطقة

حسين هرهره:
تدافع الأحداث في الساحة اللبنانية وسرعة إيقاعها، وكذلك التضامن الغربي مع الولايات المتحدة في الضغط على سوريا يدلان من طرف بعيد على هوية الفاعل الحقيقي في قضية مقتل رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري·
حسب وزير التربية والتعليم اللبناني في تصريحه لإحدى القنوات الفضائية، إن الخبراء الألمان قالوا إن التكنولوجيا المستخدمة في عملية الاغتيال من النوع المتطور جدا ولا يوجد في منطقة الشرق الأوسط مثلها، وأضاف: إن موقع الاغتيال وقربه من مجلس النواب يتطلب متابعة متقدمة لا تتم إلا عبر الأقمار الاصطناعية مما يشير إلى تورط دولة تمتلك إمكانات غير عادية وهذا لا يتأتى إلا للدولة اليهودية التي اعتقدت في يوم من الأيام أن دخولها إلى لبنان سوف يكون نزهة لجنودها ولتجعل من لبنان حزاما امنيا لمستوطناتها الشمالية، ولكنها كانت رحلة الجحيم لجيشها الذي ذاق طعم الهزيمة تحت ضربات المقاومة وانسحب بدون قيد ولاشرط على خلاف ما تعودناه من الإسرائيليين من التلاعب في الألفاظ ونقض العهود والاتفاقيات·
ويرى مراقبــــــون أن إسرائيل حولــــت لبنـــان من دولة يتهــــــم شعــــبهــــا بأنه لا يجيـــد غير التــــوافــــه من الأمور إلى شعب جبار استطاع أن يرسخ قاعدة مهمة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي مفادها إن إسرائيل لاتعرف إلا لغة القوة فقط، ومنذ انسحابها من لبنان سعت إسرائيل بكل ما تمتلكه من إمكانات إلى الانتقام من اللبنانيين بسبب فضيحة انسحابها المخزي من الجنوب اللبناني، ولكنها وجدت نفسها أمام حجر عثرة اسمها المقاومة اللبنانية·
الضغط الأجنبي على سورية
إن البحث عن مسببات القوة لحزب الله وما يحصل عليه من دعم لوجستي قد أوصل الإسرائيليين وحلفاءهم أن إيران وسوريا هما وراء ذلك ، أما الطريقة فهي عبر سوريا وجيشها في لبنان ، لذلك فقد انصبت المخططات على إخراج الجيش السوري من لبنان لقطع هذا الخط على المقاومة والانفراد بها، وكان لابد من إيجاد الذريعة القوية لهذا الخروج بسبب عدم تنفيذ القرار 1559 الذي يلزم سوريا وحدها بالخروج من لبنان ولا يلزم إسرائيل باعتبارها دولة محتلة لمزارع شبعا كما هي العادة دائما في كل القرارات التي تصدر ضد إسرائيل ولا تنفذ تحت حماية اميركية في مجلس الأمن الذي لا تنفذ قراراته إلا على الدول العربية فقط·
لماذا قتل الحريري؟
لقد كان مقتل الحريري هو المصيدة التي وقعت بها المعارضة اللبنانية دون أن تنتبه إلى ما يحاك للبنان، كما أن كراهية المعارضة اللبنانية لوجود الجيش السوري أعمتها عن حقيقة مهمة أن رأس المقاومة اللبنانية هو الهدف من مقتل الحريري، لتصبح لبنان هي الحلقة الأضعف في المنطقة ليتم إعادة صياغة الأوضاع من جديد بما يتفق مع مصلحة إسرائيل وحدها ، وعندها سوف يتم تحقيق جملة من الأهداف أولها انكشاف لبنان عسكريا أمام الهيمنة الإسرائيلية بعد سحب سلاح المقاومة اللبنانية، ثم تخفيف الضغط على الجيش الاميركي في العراق الذي يواجه كارثة محققة لا يدري كيف يخرج منها بسبب المقاومة، وبالضغط على سوريا سوف يتم إضعاف هذه المقاومة التي لم يثبت حتى الآن أنها مدعومة من السوريين، أما الهدف الأخير هو فك الارتباط السوري الإيراني الذي يعارض الوجود الاميركي في العراق، وسقوط الورقة السورية سوف يضعف إيران التي تواجه تصعيدا اميركيا قد يتحول إلى مواجهة عسكرية، وإذا حدث ذلك فإن التحالف الإيراني مع سوريا يكون قد تفكك وأصبحت الجبهة الخلفية للجيش الاميركي في العراق محمية ·
المعارضة بدون مشروع وطني·
إن الأوضاع على الساحة الدولية تتطلب من المعارضة اللبنانية قراءة متأنية وعدم التسرع والانفعال، والأفضل في هذه الحالة إعادة صياغة العلاقة مع سوريا بدلا من الاستغناء عنها نهائيا، وإذا كانت سوريا فعلا قد أخطأت ولم تحسن التقدير عندما تدخلت في إعادة تنصيب لحود، فإن ذلك يعطي فرصة جيدة للبنانيين في فرض شروطهم بعدم السماح لها في أي تدخل مستقبلي في نظامهم ، مع إبقاء الباب مفتوحا لطلب المساعدة السورية، ويرى مهتمون بالشأن اللبناني أن مشكلة المعارضة اللبنانية هو عدم قدرتها على بلورة مشروع وطني يجمع عليه اللبنانيون، وأقصى ما يمكن أن تحققه هو ما تحقق باستقالة حكومة عمر كرامي ثم خروج الجيش السوري من لبنان وبعد ذلك لاشي، لأن هذه المعارضة لا تستطيع تكوين حكومة لأسباب كثيرة أولها عدم حصولها على أغلبية برلمانية تمكنها من تنصيب حكومة من المعارضين ، إضافة إلى نظام الكوته الطائفية داخل البرلمان والحكومة التي لا تمكنها من الحركة أو عمل ائتلاف يدعمها في قيام حكومة وطنية، وحسب بعض المحللين أن لبنان لم يكن في أي يوم من الأيام منذ استقلاله قادرا على الاستقرار السياسي بسبب الطائفية التي زرعت فيه منذ تأسيس الدستور، وما يراه المراقبون أن المعارضة تدفع لبنان إلى الهاوية بتحريك الشارع ضد الحكومة·
الاستقالة الكارثة
يعتبر الكثير من المحللين السياسيين أن استقالة عمر كرامي قد وضعت المعارضة اللبنانية في مواجهة أحداث صعبة بسبب التهور والتسرع وعدم تقدير الأمور بطريقة صحيحة، ومن مجمل الأخطاء التي ارتكبتها المعارضة هي توجيه أصابع الاتهام في مقتل الحريري إلى الحكومة وحدها وبدون أن تمتلك أي دليل على ذلك سوى أنها وجدت أمامها فرصة في هذا الاتهام للمطالبة بانسحاب الجيش السوري، وما يظهر من سير الأحداث أن استقالة كرامي سوف تميع عملية البحث عن الجاني الحقيقي في جريمة اغتيال الحريري، وهو ما يبدو انه ما يتمناه الجناة الفعليون وسارت إليه المعارضة برجليها بدون أي وعي، كما أن حكومة عمر كرامي قد مدت يدها إلى المعارضة للوصول إلى حلول وسط رغبة منها في درء الفتنة والانقسام الذي أحدثته إثارة الشارع وانقسامه بين المعارضة والموالاة ، لقد كانت المكاسب أمام المعارضة كبيرة إذا وافقت على هذا الحوار وهي في موقف قوي بحيث تفرض أجندتها وشروطها وتحصل على مكاسب متنوعة منها التشدد في عملية تسريع البحث عن الجناة في اغتيال الحريري، ووضع جدول زمني لانسحاب الجيش السوري من خلال فرض مبدأ الحوار مع السوريين لإقفال هذا الملف بالاتفاق معهم وإبقاء الباب مفتوحا لعلاقات مستقبلية جيدة تحمي لبنان من أي مشكلات مستقبلية على الصعيد الداخلي أو الخارجي، ولكن الاستقالة التي اعتبرتها المعارضة انتصارا في حقيقتها كانت ضربة لمشروع المعارضة في كل الاتجاهات ، فلا تستطيع المعارضة الحوار مع سوريا ولا تستطيع تشكيل حكومة ولا تستطيع تسريع البحث في عملية الاغتيال·
الزيارات التي قام بها بعض المسؤولين الاميركيين وغيرهم إلى لبنان وتوجههم للقاء أقطاب المعارضة اللبنانية اعتبره المراقبون تدخلا في شؤون لبنان وانتهاكا لسيادته الوطنية ، ومع الأسف إن المعارضة اللبنانية قد انزلقت في ذلك دون أن تفطن إلى الأبعاد الحقيقية لما يخطط للمنطقة عبر لبنان، وتعتقد المعارضة اللبنانية أن هذه الزيارات هي دعم لحقوقها وهي لا تدرك أنها لا تمثل الدولة اللبنانية بل أن هناك حكومة وبرلمانا وقانونا يمنع مثل هذا الانتهاك لسيادة لبنان عبر بوابة المعارضة ، وكان على المعارضة أن تنأى بنفسها عن ذلك لعدة أسباب منها أن هناك حكومة مركزية وقانونا يجب أن يحترم مهما كانت الخلافات داخل البيت اللبناني، كما أن بعض هؤلاء المسؤولين الأجانب يمثلون دولا لا يهمها مصلحة الشعب اللبناني بقدر ما يهمها مصلحة إسرائيل مما يجعل المعارضة اللبنانية تدخل في دائرة الاتهام والتشكيك بمصداقيتها لدى المراقبين للأحداث في لبنان، وهذا يضعف التعاطف مع هذه المعارضة التي كان قيامها لأسباب منطقية في البداية ولكنها تجاوزت الخطوط الحمراء لتدخل لبنان في فخ التدويل مما يعرض لبنان الدولة والوطن لمخاطر كبيرة سوف تصحو على حقيقتها المعارضة في الوقت الذي لا ينفع فيه الندم·
أما الواجهة الأخرى للتدخل الدولي فتتمثل في تصريحات القادة الأوربيين والاميركيين في الوقوف مع المعارضة اللبنانية والمطالبة بخروج الجيش السوري إضافة إلى توجيه أصابع الاتهام إلى سوريا في اغتيال رفيق الحريري، وفي نفس الإطار كشف دبلوماسي غربي رفيع المستوى في باريس عن وجود اتصالات ومشاورات اميركية بريطانية فرنسية حول لبنان بغرض التوصل إلى رسم استراتيجية سياسية مشتركة خاصة بالملف اللبناني السوري ولفحص كافة الخيارات المتاحة لفرض تنفيذ القرار الدولي ·1559
ويعد تقرير المبعوث الدولي لارسن تقريرا مهما لهذه الأطراف لفرض عقوبات اقتصادية ومالية على سورية، واعتبر نائب مساعد وزيرة الخارجية الاميركية ديفيد ساتر فيلد أن القرار 1559 الصادر عن مجلس الأمن منسجم مع قرار الطائف وكرر مطالبة الحكومة الاميركية بالانسحاب الكامل للقوات السورية من لبنان بما في ذلك الاستخبارات العسكرية السورية، كما وجه وزير الخارجية البريطانية جاك سترو اتهامات مباشرة إلى الحكومة السورية بأنها كانت وراء عملية اغتيال رفيق الحريري، إن جميع هذه التطورات تصب كلها في وضع سيناريو لضربة عسكرية ضد سورية وهو ماصرح به الرئيس السوري بشار الأسد للصحافة الإيطالية عندما أكد أن سورية تتعرض لضغوط اميركية مثل تلك الضغوط التي تعرضت لها العراق قبل الغزو، وهنا يجب لفت نظر المعارضة اللبنانية إلى أن ما تقوم به من تجاوزات يفتح الباب واسعا للتدخل العسكري الخارجي ضد لبنان وسورية معا، و إذا كان الكثيرون ينظرون إلى مطالب المعارضة اللبنانية بخروج القوات السورية من لبنان بأنه مطلب وطني لبناني فإن ذلك يجب أن يتم في إطاره الصحيح وبالتفاهم بين اللبنانيين والسوريين فقط دون السماح للقوى الدولية التي تحمل أجندة خاصة بها للدخول من بوابة الخلاف اللبناني السوري لتحقيق أهداف لا تصب في مصلحة اللبنانيين بل تكون وبالا عليهم·
بوادر الكارثة في لبنان
وزعت منظمة تطلق على نفسها (لبنانيون من اجل لبنان حر ومستقل) بيانا أعلنت فيه تحطيم تمثال الرئيس حافظ الأسد في قانا وجاء في البيان أن هذا الفعل يرمز إلى الإصرار على تنظيف لبنان من الاحتلال السوري الذي خرب لبنان واستولى على مقدراته وعاث فسادا في أرضه، كما تعهدت هذه المنظمة بمواصلة العمل بكل ما تملك ضد الاحتلال السوري في لبنان، وفي حادث منفصل هاجم مسلحون مكتب الوزير السابق سمير الجسر من حزب المستقبل التابع لرفيق الحريري بشمال لبنان، كما هاجم آخرون منزل النائب احمد فتفت في طرابلس، وذكرت مصادر أمنية لبنانية سقوط قتيل من أنصار عمر كرامي، إن هذه الأحداث هي مقدمة للانفلات الأمني الذي تسعى الدوائر الخارجية إلى دفع اللبنانيين إليه من اجل الاقتتال الداخلي وضرب استقرار لبنان ، وبذلك تكون المعارضة قد أوصلت اللبنانيين إلى هذه النقطة وإذا استمر هذا الانزلاق نحو الحرب الأهلية دون القدرة على السيطرة عليه من قبل قوات الأمن اللبنانية ، فإن القوات الدولية سوف تدخل إلى لبنان بقرار دولي لتحل محل القوات السورية وبذلك تكون الأمور قد انفلتت ولا يمكن للمعارضة أو غيرها أن تصلح ما كسرته بيدها، ولاشك أن الفرصة والمبادرة مازالت بيد المعارضة لإصلاح الأمور والعودة إلى التفاوض وان كان الأمر يبدو انه قد خرج من يدها بسبب استقالة الحكومة غير أن الإمكانية قائمة لإصلاح المسار بطرق عديدة قبل أن تخرج الأمور عن السيطرة واللاعودة·

اقرأ أيضا

«النواب الأردني» يقر مشروع قانون يحظر استيراد الغاز من إسرائيل