الاتحاد

عربي ودولي

لماذا زلّ لسان كوندوليزا وقالت: زوجي الرئيس؟

واشنطن - الاتحاد خاص:
لا ظروف خارقة في حياتها، هي التي قررت أن تكون خارقة· هذه هي كوندوليزا رايس التي حوّلتها أحداث 11 سبتمبر 2001 من نعجة وديعة إلى نمرة شرسة· ولكن قبل ذلك جعلت منها النزهات على الدراجة الهوائية والأحاديث في كرة القدم مستشارة للأمن القومي·
لا،لا، الأمور ليست سهلة أو شاعرية إلى هذا الحد· كوندوليزا التي علّمها والداها كل شيء لتواجه المجتمع الأبيض، كما كانا يحلمان بأن تكون موسيقية بارعة، اختارت الطريق الآخر، السياسة· اقتربت من أسرة بوش كخبيرة في الشؤون السوفييتية، وحين سقط الرئيس جورج بوش الأب أمام بيل كلينتون حافظت على علاقتها بالأسرة، وهذا كان له ثمنه الذهبي·
الشائعات القاسية لاحقتها كعزباء· ذات يوم ذهبت بها زلّة اللسان إلى حد القول: زوجي الرئيس···، استدركت بسرعة· ثمة زواج، ولكن العقل من العقل··
زوجي الرئيس··
خلال حفل عشاء رسمي اقيم في واشنطن في ابريل الماضي، فاجأت وزيرة الخارجية الأميركية الجديدة كوندوليز رايس الحضور بزلّة لسان كادت تكون كارثية، وذلك عندما قالت: ·· وكما سبق وقلت لزوجي الرئيس بوش·· استدركت نفسها بسرعة فائقة وسحبت كلمة زوجي قبل أن تكملها، وكان على البعض أن يتعامل فرويدياً مع زلّة اللسان هذه··
كوندوليزا تجاوزت الخمسين من العمر، ولا تزال عزباء، ولطالما غذّت هذه العزوبية الكثير من الشائعات حول حياتها الشخصية، وهي الشائعات التي ذهبت في كل الاتجاهات، وظهرت دون رحمة، على صفحات الـ واشنطن بوست وفي صحف أخرى· هذه أمور من شأنها هي· أما عن علاقتها بالرئيس فالصحيح ان هناك زواجاً، لكنه زواج العقل من العقل، وإن كانت أحداث 11 سبتمبر 2001 قد زادت في فاعلية ذلك الرباط أمام العنكبوت الآتي من المجهول كما وصفت هي، شخصياً، الإرهاب الايديولوجي·
الصدفة والتخطيط
هو ثري ابن ثري، رئيس ابن رئيس، وهي السوداء المولودة في الاباما ترعرعت في أسرتها على كراهية البيض وعلى محاربتهم بسلاحهم·· هو وصل إلى طريق السياسة من باب الصدفة· فيما هي كانت تخطط لمستقبلها منذ الصغر، ولم يكن في خططها أي مكان للصدفة·
ومع كل ذلك، التقى هذان النقيضان، لتغدو مستشارة الأمن القومي العقل الفعلي للرئيس· نادراً ما يفترقان، يعملان ساعات طويلة معاً، وحتى أوقات الراحة والاسترخاء يمضيانها معاً، سواء في البيت الأبيض أو في كراوفورد أو في منتجع كمب ديفيد الرئاسي·· يشاهدان الأفلام والمباريات الرياضية معا·
مديرة الجامعة
ترقى علاقة بوش - رايس إلى ست سنوات فقط· عندما كانت هي مديرة لجامعة ستانفورد، فيما كان ابن الرئيس السابق يدير شركاته النفطة، وكان يصغي جيداً لنصائحها الثمينة المتعلقة بأعماله في شركة شيفرون·· وكانت تثابر في الوقت نفسه وقبل ذلك على زيارة الرئيس بوش الأب، في البيت الأبيض وفي مزرعة العائلة، وتسدي له النصائح في مسائل السياسة الدولية، وخصوصاً في المسائل السوفييتية·
خلال ذلك، كان بوش الابن، حاكم ولاية تكساس، يزداد إعجاباً بأفكار رايس· وكما يقول المحلل السياسي الشهير مايكل ماك فول: لدى هزيمة الرئيس بوش الأب في انتخابات 1992 تراجع موقعه لدى الجمهوريين والكثير من أصدقاء الأمس انقطعوا حتى عن زيارته·· فيما ظلت كوندوليزا على وفائها له وللعائلة، وللوفاء قيمة ثمينة خاصة لدى آل بوش!
نزهات المستشارة
في أغسطس ،1998 أمضى بوش و رايس أيام عمل في احدى مزارع العائلة في كنبانبورت، فيما كان يستعد لخوض المعركة الرئاسية وبالتالي لتشكيل فريق الحملة الانتخابية·· وخلال ذلك كان يصحبها في رحلات صيد وفي نزهات على الدراجة الهوائية، وكانا يتحادثان في كرة القدم وكرة السلة·· وانسجامها جعل المرشح الرئاسي بوش الابن يقرر تعيين كوندوليزا رايس مستشارته الديبلوماسية الرئيسية·
كان بوش يومها على جهل فاضح بشؤون العالم الآخر، عالم ما وراء الولايات المتحدة، ولطالما كان يخطئ في معرفة أسماء الزعماء وحتى في أسماء ومواقع الدول والبلدان·· وكانت كوندوليزا مديرة الجامعة، جاهزة دائماً لتصحيح أخطائه ولتعليمه وتثقيفه، وهو لمس الحاجة الماسة إليها لتكون رفيقته الدائمة والتي تتبعه خطوة خطوة في طريق السياسة الخارجية·· و كوندوليزا كانت فعلاً الاستاذة الماهرة التي كانت تحظى بتزكية ودعم برنت سكروكرفت مستشار الأمن القومي السابق لدى الرئيس بوش الأب والذراع الأيمن لوزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر·
من نعجة إلى نمرة
رغم كل شيء فالمهم في كوندوليزا انها لم تكن من عداد المحافظين الجدد الذين يتباهون بقوة أميركا العظمى ويؤمنون بنشر الديموقراطية الأميركية في أصقاع الدنيا، على العكس من ذلك، كانت تنتمي إلى مدرسة الواقعيين الذي يؤمنون بتوازن القوى وبفضائل التحالفات·· غير ان قناعات كوندوليزا تغيّرت تماماً اثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر·· وكما يقول المحلل ماك فول: بالعكس تماماً مما كان يعتقد الجميع، لم تكن كوندوليزا هي التي تؤثر في الرئيس بوش بل هو الذي أثرّ فيها·
وبالفعل، فقد بدت كوندوليزا وكأنها تحولت من نعجة وديعة إلى نمرة شرسة، وقالت يومها: لم تعد العقيدة الواقعية كافية لتفسير هول ما حصل لنا في 11 سبتمبر·· ومن هذا المنطلق، كانت في طليعة المؤيدين لغزو العراق وحتى من دون موافقة الأمم المتحدة·
أب وأم وابنة
لدى تعيينها وزيرة للخارجية في السادس عشر من نوفمبر الماضي، قال الرئيس بوش: إنني واثق من ان السيد والسيدة رايس فخوران جدا بأن يريا ابنتهما التي ربياها في برمنغهام في الاباما، في هذا المنصب الذي تستحقه والذي كان توماس جيفرسون أول من شغله·
كوندوليزا هي الابنة الوحيدة لوالديها، وكانت قد ولدت، بعد ثماني سنوات من مولد بوش، في برمنغهام التي قال عنها مارتن لوثر كنغ: أسوأ مدن الولايات المتحدة في مجال العلاقات العرقية!
والدها كان يعمل مستشارا للتوجيه التربوي وواعظا في الكنيسة، ووالدتها معلمة موسيقى· عائلة زنوج فخورين بانتمائهم الى الطبقة البرجوازية·
يومها كانت مدينة برمنغهام مسرحا للعنف العرقي الذي بدأ في العام 1963 بشن السكان البيض هجوما على كنيسة معمدانية للزنوج قتل فيها أربعة أطفال بينهم واحد من تلامذة المدرسة التي كانت تتعلم فيها كوندوليزا رايس، ثم، عندما صوت الديموقراطيون على قانون الحقوق المدنية، احتفلت عائلة رايس بالمناسبة بتناول العشاء في مطعم راق كان محظورا دخول السود اليه قبل ذلك·
انتقام من البيض
كان جون رايس، والد كوندوليزا جمهوريا نكاية بالديموقراطيين العنصريين في ولاية الاباما، وكانوا قد رفضوا تسجيله في لوائحهم الانتخابية عام 1952 بسبب لون بشرته· لكنه لم يكن يؤمن بالعنف، بل أقسم هو وزوجته انجلينا على تعليم وتربية كوندوليزا: دروس عزف على البيانو، اللغة الفرنسية، والتزلج على الجليد·
تقول كوندوليزا: كان أهلي استراتيجيين جدا، وقد أتقنت جيدا كل الأشياء التي كانت ما تزال حكرا على مجتمع البيض·· وبذلك تسلحت جيدا ضد الفرز العنصري وأصبحت قادرة على مواجهة مجتمع البيض على أرضه وبسلاحه·
وبالفعل، كانت كوندوليزا تلميذة متفوقة، حتى انها التحقت بالجامعة وهي في سن الخامسة عشرة·· ثم لتصبح أستاذة في جامعة ستانفورد وهي في سن السادسة والعشرين، ثم مستشارة لدى الرئيس بوش الأب وهي في سن الخامسة والثلاثين·
والد اولبرايت
في البداية كانت رغبة والديها في ان تصبح موسيقية، لكنها أدركت وهي في المرحلة الجامعيــــة، ان الموسيقى ليست كافية لاثبات المكانة التي تطمح اليها في المجتمع·· وفي جامعة دنفر تعرفت على جوزف كوربل الديبلوماسي الهارب من تشيكوسوفاكيا، والذي أصبحت ابنته فيما بعد وزيرة الخارجية في ادارة كلنتون (مادلين أولبرايت)·
وقد أعجبت كوندوليزا بتجربة كوربل وعائلته، ودفعها ذلك الى تعميق اهتماماتها بدراسة الشؤون السوفييتية·
في الجامعة انتسبت كوندوليزا الى الحزب الديموقراطي، وفي انتخابات 1976 صوتت الى جانب جيمي كارتر·· لكنها عادت وصوتت في انتخابات 1980 الى جانب الجمهوري رونالد ريغان، لأن كارتر لم يكن حازما في نظرها حيال الغزو السوفييتي لأفغانستان·· وكما قالت لاحقا: الحزب الجمهوري ينظر اليّ كفرد، وليس كالحزب الديموقراطي الذي ينظر الى كقسم من مجموعة سوداء·
كسر رجل مستشارته
في التسعينات، عندما كانت مديرة لجامعة ستانفورد، لم تشجع توظيف الزنوج في دوائر الجامعة، ما أثار في وجهها موجة من الانتقادات، ثم عندما دان الرئيس الفرز العنصري في جامعة شيكاغو عام ،2003 كتبت صحيفة الوشنطن بوست: يبدو ان الرئيس عازم على كسر رجل مستشارته المميزة!
في موقعها، كمستشارة للأمن القومي، لم تترك كوندوليزا أي انطباع بأنها المرأة الفولاذية: كانت رايس متفوقة بطريقة مدهشة في شؤون السياسة الخارجية، ترى الأمور مسبقا وتخطط لمواجهتها، هكذا كتبت صحيفة يو· إس· توداي عنها أخيرا، لتضيف: لقد أصبحت لدى واشنطن الآن قطعة بازل ايديولوجية في موقع وزيرة الخارجية!
أضواء إعلامية
بالعكس من معظم أسلافها في وزارة الخارجية لا تبدو كوندوليزا شديدة الاهتمام بإثبات نجوميتها في هذا الموقع، أقصى ما تسعى اليه هو استخلاص وجهات النظر المتفاوتة - كاعتدال كولن باول وشراسة ديك تشيني مثلا - وتقديم خلاصة للرئيس لكي يختار قراره على أساسها·· تعرف جيدا فطرية دبليو بوش وتعرف كيف تلعب على هذا الوتر الحساس·
عندما أعلن بوش أخيرا عن اعجابه بـ روحية بوتين سارعت كوندوليزا الى سحب كل الانتقادات التي كانت كالتها أمام بوش ضد الرئيس الروسي، والشيء نفسه عندما وافقت على خريطة الطريق الخاصة بالمفاوضات بين الفلسطينيين والاسرائيليين والتي كانت تتحفظ عليها بشراسة، الرئيس يريد ذلك وهي على خطاه·
لا تحب الأضواء، ولم تظهر على شاشات التلفزيون كثيرا إلا خلال الاستعداد لغزو العراق·· خصوصا وان البيت الأبيض قرر اظهارها هي على شاشة الأحداث بدل اظهار نائب الرئيس ديك تشيني الرئيس السابق لشركة هالبرتون·
فــــــوغ
غير ان ذلك لا يعني ان كوندوليزا زاهدة كليا بالشهرة والشعبية·· وها هي لا تتوانى عن الظهور في مجلة الأزياء الشهيرة فوغ أو برفقة عازف البيانو يو - يوما في قاعة الدستور أمام ألفين من الحضور، حيث شاركته في عزف سوناتات برامز، أفضل الموسيقيين لديها، بحيث انها عندما تتكلم عن برامز تبدو وكأنها تتكلم عن نفسها هي: منظمة، عاطفية من دون ان تكون انفعالية، وبتوتر دائم لا خلاص منه·
أورينت برس

اقرأ أيضا

ضبط أسلحة مهربة في المهرة