الاتحاد

دنيا

«فنون الطهي -أبوظبي» يدخل أسبوعه الثاني ويحلق في فضاءات التصنيف النخبوي

مع دخول “فنون الطهي – أبوظبي” دورته الثالثة وبلوغه مرحلة التألق السياحي الشامل، لم يعد مجرد مهرجان تحتشد حوله كبريات علامات الضيافة في العالم، ولا مناسبة لتبادل الخبرات الثقافية وحسب. وإنما هو اليوم وباعتراف الخبراء الدوليين عنوان سنوي ومرجع مرموق يحسب له مشاهير نجوم الطهي ألف حساب. ويكفي أن تفرد له الصحف الأوروبية والآسيوية المتخصصة في مجال الفندقة حيزاً واسعاً من تغطيتها للدلالة على حجم الانتشار الذي تنعم به فعالياته المحكمة التنظيم. وهو مستمر في كرنفال عرض الأطباق المبتكرة على موائد الإمارة حتى 17 من الشهر الجاري.

الذائقة السياحية ورائحة النكهات الحلوة منها والمالحة تفوح حالياً من 29 مطعماً ومنشأة داخل 14 من أفخم فنادق أبوظبي التي تستضيف على مدى 16 يوماً من أيام المهرجان 57 حدثاً وحفلاً عامراً باللذائذ. ويعتبر محظوظاً من يتمكن من حجز مكان له ضمن فعاليات الحدث الأضخم من نوعه في المنطقة والذي تنظمه “هيئة أبوظبي للسياحة”. إذ إن المشاركة في برامج “فنون الطهي – أبوظبي” لا تشبه أي تجربة أخرى يمكن أن يضيفها الزائر إلى رصيده، وذلك سواء كان طاهياً يود أن يصقل مهاراته أو ضيفاً من الذواقة.
وما بين صفوف تعلم الطهي على أصوله، وورش العمل الحية ودعوات الغداء والعشاء، فإن المشهد الاحتفالي المكتمل بعناصر الإبهار يعج بألوان الرضا العام. والتواصل الحضاري الحاصل هذه الأيام في مرافق الضيافة بالإمارة، لا يترك مجالاً لغير الاعتراف بحجم الرقي السياحي الذي تحلق معه أبوظبي في فضاءات التصنيف النخبوي، وذلك باعتراف خبراء التذوق الدوليين.
ومع دخول “فنون الطهي – 2011” أسبوعه الثاني، كان لـ”الاتحاد” جولة في كواليس هذا البرنامج الحافل الذي لم يترك منشأة مميزة في مدينة أبوظبي وجزيرة “ياس”، إلا وطرق أبواب مطابخها. وبين زيارة وأخرى كانت دردشة مع اثنين من كبار الطهاة الفرنسيين والحائز كل منهما 3 من نجوم “ميشلين”.


مهمة مستحيلة

17 رئيس طهاة يحملون مجتمعين 22 من نجوم “ميشلين” و3 من علامات التصنيف Chefs Hats، يجوبون مطاعم الإمارة في حراك ثقافي سياحي ملحوظ. وخرق الجدول الزمني المحكم لديهم ليس بالأمر السهل لأن مواعيدهم لا تحتمل أي وقت للفراغ. فهم منذ الصباح الباكر يبدؤون بتجهيز موادهم والاجتماع بفريق العمل المساعد كي تأتي مهمتهم اليومية على مستوى الحدث. وبين تواجدهم الدائم في المطابخ أو خلف منصة الدروس الحية، فإن الحديث مع أحدهم أشبه بالمهمة المستحيلة. فنجوم الطهي من المشاهير يحسبون مواقيتهم بالدقائق وأحيانا بالثواني، تماما كما يفعلون مع كل صنف يعدونه على نار هادئة.
في مطعم “بوردو” الفرنسي بفندق “شانغريلا - قرية البري” تحدثنا إلى الشيف يانيك آلينو رئيس طهاة فندق “لو موريس” باريس والذي حضر خصيصاً من بلاده للمشاركة في المهرجان. الطاهي الفرنسي الحائز 3 من نجوم “ميشلين”، قدم على مدى 4 أيام عدة وجبات طعام مبتكرة، كما كان له عرض حي لورشة عمل في “نادي ضباط القوات المسلحة” تحدث خلالها عن أسلوبه في التركيز على استعمال المواد الطبيعية في أطباقه.
ويقول المبدع في مجاله والذي منحته وسائل الإعلام الفرنسية لقب “سوبر شيف بأناقة نجوم الروك”، إنه لم يتردد لحظة في الموافقة على تلبية الدعوة التي تلقاها للمجيء إلى أبوظبي والمشاركة في “فنون الطهي” فيها. “فعلى الرغم من أن أجندتي مضغوطة بالالتزامات والمواعيد، غير أن التعرف إلى هذه العاصمة العالمية من دواعي سروري لأني أحرص دائماً على اكتساب المزيد”. ويرى أن التفاعل الكبير مع هذا الحدث يزيد من اهتمام خبراء التذوق حول العالم في الاطلاع على فعالياته التي تمكنهم من تقاسم الخبرة فيما بينهم. “وخلال إقامتي البسيطة هنا تمكنت من التعرف إلى الكثير من النكهات الجديدة التي أنوي استخدامها لاحقاً، وقد أعجبني مذاق “المكبوس باللحم” وخصوصاً البهارات المستعملة فيه والتي تمنح الأرز لوناً براقاً ورائحة شهية”. وهو يصف المهرجان بالمنصة المثالية لتبادل المهارات بين الطهاة من مختلف أنحاء العالم.


المطبخ الإماراتي

ويرى الشيف آلينو أن المطبخ الإماراتي يقدم نموذجاً يستحق الدراسة، كونه انفتح على حضارات عدة على مر القرون. “وهو حالياً بوتقة تنصهر فيها ثقافات وأطعمة مختلفة، من اللحوم الأسترالية إلى التوابل الهندية وتقنيات المطبخ الأوروبي. وهذا التنوع في النكهات والأذواق والألوان جدير بالاهتمام والبحث”. ومما يلفته أن الأطباق التقليدية الإماراتية التي تعود إلى عقود طويلة مضت، قد حافظت على رونقها وهويتها. ورغم رؤيته العالمية، يجد الشيف أن البيئة المحلية والخبرات اليومية هي العامل الأهم في صقل شخصية الطاهي، وهي مصدر لإبداعه. ومن هنا يدعو بكل خبراته إلى استخدام المكونات المحلية.
وفي صورة شمولية في حديثه ينتقل الشيف آلينو الذي يعتمد في منهجه على استيعاب التأثيرات الحديثة والكلاسيكية معاً إلى القول: “لفتني أن أبوظبي تجمع بين التراث والحضارة والثقافة والترفيه، فهذه الإمارة الراقية تتعاون مع مجموعة من أبرع المعماريين في العالم لتصميم متاحفها. وهذا تحد كبير بالفعل، يدعو إلى تقدير رؤيتها في رسم ملامح شخصية مميزة لوجهتها السياحية”.


آفاق للإبداع

ويروي الطاهي الفرنسي وهو أمين عام أكاديمية الفائزين بجوائز “بوكوز دور”: “حصلت على نجمة “ميشلين” الثالثة تتويجاً لـ22 عاماً من العمل والحماس والإصرار على تقديم الأفضل. إنها مسؤولية كبيرة، تدفعني لبذل المزيد من الجهد لمواصلة التطور. وأنا أرغب على الدوام في تحسين أدائي لأتمكن من تزويد عملائي بمذاق متناغم”. وهو يتطلع إلى تحقيق ذلك من خلال تطوير مطبخ أكثر صرامة ودقة وإبداعاً، والاعتماد على هذه الأسس للوصول إلى التميز الجدير بتمثيل الطهي الفرنسي. “وأعتبر أن هذه الهوية الواضحة التي تركت بصمتها على مطبخي الخاص، أسهمت في انفتاحي على العالم واقترابي أكثر فأكثر من الثقافات الأخرى”. ويجد الشيف أن حلول الاتصالات الحديثة نقلتنا إلى عصر العولمة الثقافية والاجتماعية، مما وفر ميزات إضافية للعاملين في مجال الطهي. ومهد الطريق أمامهم لتحديث أفكارهم وإدخال مواد ومكونات جديدة إلى موسوعاتهم تتضمن عناصر متباينة تمنحهم آفاقاً غير محدودة للإبداع. “عدا عن أن الطاهي المميز يستمد إلهامه من جمال الطبيعة، وعبقرية الإنسان، والثقافة المحيطة به”.


مأكولات “مزلاي”

وعند مطعم “مزلاي” في فندق “قصر الإمارات” كان الشيف الفرنسي برونو مينار يشيد بالمطبخ الإماراتي التقليدي، ويتحدث عن اطلاعه على المبادئ الأساسية لكيفية تحضير الأطعمة المحلية. ويذكر مينار وهو رئيس طهاة مطعم “لوسيير” في طوكيو أنه يتطلع للعودة إلى اليابان بنكهات وأفكار وتجارب جديدة يتمكن من استخدامها في أطباقه. “ومن خلال تجربتي أرى أن أسلوب الطهي الإماراتي يجمع من الناحية الفنية، بين المنهجين التقليدي والحديث من خلال استخدام العناصر المشتركة، سواء في المكونات أو طريقة الطهي. وهذا ما يشجعني على اقتباس الكثير”. وكان الشيف مينار تذوق عددا من الأطباق التقليدية الخاصة بمأكولات “مزلاي” المختارة، منها حساء “الكاجو” وحساء “ولد الولد” المصنوع من صغار سمك القرش، وكذلك لحم الغنم المدفون. ومما صرح به الطاهي الشهير وهو عضو لجنة تحكيم “جوائز نجوم فنون الطهي – أبوظبي” التي تمنحها “هيئة أبوظبي للسياحة” سنوياً لتكريم إنجازات قطاع خدمات الضيافة في الإمارة: “تذوقت أطباق الكثير من المطابخ من مختلف أنحاء العالم، ولكن “مزلاي” يتمتع بقائمة مميزة من المأكولات ذات الطابع الفريد. وأنا أثق بأن المطعم سوف ينهض في زيادة الإقبال العالمي على المأكولات التقليدية الإماراتية”.
ويتخصص مينار، 48 عاماً، في المطبخ الكلاسيكي الجديد الذي يعتمد على أساليب ومفاهيم الطهي الفرنسي التقليدية، بينما يستلهم التوجهات المعاصرة الحديثة من خلال الاختيار الدقيق للمكونات ومراحل التحضير.
وتمتلك عائلته تراثاً عريقاً في عالم الطهي، حيث عمل جديه في هذه المهنة بينما كان والده متخصصاً في صناعة الشوكولاتة. بدأت مسيرة مينار في سن الـ15، كمتدرب في مطعم “لوار” في “دومين دو أورفول”. وعمل لاحقاً في مطعم “تشارلز باريي”، الذي ارتفع تصنيفه من نجمتين إلى 3 نجوم. وهو يحظى باحترام كبير لدى الطهاة في كافة أنحاء فرنسا.
وحصل الشيف الشاب على خبرات واسعة في مطعم “جان بارديه”، وهو الأكثر شهرة في مدينة “تور” حيث منحته هذه المنشأة استعداداً طبيعياً لصقل مهاراته وتطوير قدراته في فنون الطهي. بعدها انتقل الطاهي الفرنسي إلى اليابان عام 1995، ليكتسب سريعاً مكانة مرموقة كرئيس طهاة لمطعم “تاتو طوكيو” في منطقة “روبونجي” الراقية بالعاصمة اليابانية وكذلك مطعم “لو باي” في فندق “ريتز كارلتون - أوساكا”.


3 نجوم

عام 2005، نال الشيف برونو مينار بصفته المسؤول عن قاعة الطعام في فندق “ريتز كارلتون - باكهيد” في أتلانتا، 5 نجوم “موبيل”، وتصنيف 5 ماسات “AAA”، وهو ما يعادل 3 نجوم في نظام “ميشلين”. وشهد العام نفسه، اختياره على رأس فريق من 12 طاهياً غالبيتهم يابانيون ليكون رئيس طهاة مطعم “لوسيير” في طوكيو. وارتقى بمكانة المطعم ليصبح المقصد المفضل في العاصمة اليابانية لهواة الأطباق الفرنسية الكلاسيكية.


فنادق

يشارك في احتفالية “فنون الطهي - 2011”، 14 فندقاً ومنشأة سياحية في أبوظبي توفر مطاعمها وقاعاتها أفضل أساليب الضيافة التي تليق بمكانة الإمارة. والفنادق المشاركة في الدورة الثالثة من الحدث هي:”قصر الإمارات”، “الشاطئ - روتانا”، “كراون بلازا - ياس”، “فيرمونت باب البحر - قرية البري”، “انتركونتيننتال”، “هيلتون”، “بارك روتانا”، “شانغريلا - قرية البري”، “شاطئ الراحة”، “ترايدرز - قرية البري”، “ياس روتانا” وفندق “ياس”، إضافة إلى”نادي جولف شاطئ السعديات” و”نادي ضباط القوات المسلحة”.


خبرة

يشير رئيس الطهاة يانيك آلينو الذي حصل عام 2007 على وسام الاستحقاق الوطني الفرنسي إلى أن المطبخ في بلاده نشأ من منطقة باريس وضواحيها والقرى المحيطة بها، وذلك بالاعتماد على المنتجات المحلية. ويورد أن الطهاة استعانوا عند فتح مطاعمهم الأولى عقب الثورة الفرنسية بالمكونات القادمة من القرى القريبة من باريس. “وقد حان وقت العودة إلى هذه الجذور العريقة في الطهي كطريق نحو المستقبل لأن مطبخنا لطالما كان يتمتع بنظام واضح ومتكامل من الأسلوب والإبداع والأناقة. “ومع هذه القناعة يكرس الشيف آلينو جهوده لإحياء مكانة باريس كعاصمة للطهي في العالم، ويسعى إلى الاستلهام من الأطباق الباريسية القديمة بلمسة معاصرة لأن الطهي برأيه هو أحد الفنون التفاعلية الحية. “وكل إبداع فيه هو اكتشاف جديد وخبرة فريدة تحكي كل منها قصة خاصة”.

اقرأ أيضا