الاتحاد

الملحق الثقافي

إنسان القراءة الجديد

القراءة فعلٌ مريح، منعزل، هادئ وحسّي (أرشيفية)

القراءة فعلٌ مريح، منعزل، هادئ وحسّي (أرشيفية)

إعداد وتقديم - إيهاب الملاح

في زمنٍ لم تعد فيه القراءة ترفاً ولا تزجية لأوقات الفراغ، بل صارت «سلاحاً» و«مقياساً» حقيقياً للتفاوت بين الأمم في مدارج الرقي ودرجات التمدن والحضارة، لم تعد القراءة أبداً نشاطاً هامشياً أو وسيلة للتسلية، بل هي في الحقيقة أحد مرتكزات الانتقال الجوهري من ثقافة قديمة بائدة إلى ثقافة حديثة متطورة تأخذ بأسباب التقدم والرقي.
وصحيح أن مشكلات القراءة لدى قطاعات عريضة من الشباب، كثيرة ومتعددة، لكنها في النهاية تنبع من ظروف المجتمع ومشكلاته المزمنة ولا علاقة للأفراد بها بشكل مباشر، رغم أن نتائجها تنعكس عليهم. لهذا تبدو فكرة استحضار تراث عظيم من الحث على القراءة والتحريض عليها في تراثنا النهضوي القريب، لبنة أولى وأساسية في أي مشروع ضخم لجعل القراءة هماً قومياً «حقيقياً، محاولة تستلهم تراث أساتذة عظام وكتاب كبار، طه حسين والعقاد وحسين فوزي وعلي أدهم ومحمد عبد الله عنان، محمد مندور وعبد القادر القط ورجاء النقاش، جمال بدوي، وغيرهم، ممن سعوا بكامل جهدهم وعظيم ثقافتهم إلى نشر المعرفة ونقل خبراتهم وتجاربهم مع القراءة والبحث النقدي إلى الأجيال الأصغر، يأخذون بأيديهم ويشدون على سواعدهم.. يقولون لهم لا تخشوا شيئاً: «البحر ليس غريقاً» والإبحار ممكن والسعي ميسور..
كانت رسالة هؤلاء العظام ببساطة موجهة إلى الشباب في المقام الأول يخاطبونهم قائلين اقرؤوا ولا تخشوا شيئاً، ثقوا في أن تجربة القراءة وحدها تنظم نفسها بنفسها، بمرور الوقت يكتسب المرء مهارات غير منظورة، وتتراكم بداخله «حساسية» تجاه ما يقرأ، وذائقة تتشكل، تنمو وتكبر، تتعدل وتتغير، تستوعب كل ما ينضاف إليها إلى أن يحدث في لحظة ما فارقة، تأتي كالبرق، إحساس بأنك صرتَ «إنساناً» آخر غير الذي كنته، تشعر بأنك انتقلت إلى الحد الفاصل بين النهر والبحر، وبأنك انتقلت من منطقة القارئ «المتوجس»، إلى القارئ «الواثق».. تبحث عن ما تريده بثقة وتصل إليه بأمان، وتنتقي ما شئت من عناوين وكتب وإصدارات وفق ما تشكل بداخلك من «ميزان حساس»، و«بوصلة» ذاتية استوعبت هذه المرحلة، وقفزت إلى دائرة أخرى، أوسع وأكبر.

كلا.. لست أهوى القراءة لأكتب، ولا أهوى القراءة لأزداد عمراً في تقدير الحساب.. وإنما أهوى القراءة لأن عندي حياة واحدة في هذه الدنيا، وحياة واحدة لا تكفيني، ولا تحرك كل ما في ضميري من بواعث الحركة. والقراءة وحدها دون غيرها هي التي تعطيني أكثر من حياة واحدة في مدى عمر الإنسان الواحد، لأنها تزيد هذه الحياة من ناحية العمق، وإن كانت لا تطيلها بمقادير الحساب.

***
الكتب كالناس، منهم السيد الوقور، ومنهم الكيّس الظريف، ومنهم الجميل الرائع، والساذج الصادق، والأريب المخطئ، ومنهم الخائن والجاهل والوضيع والخليع. والدنيا تتسع لكل هؤلاء، ولن تكون المكتبة كاملة إلا إذا كانت مثلاً كاملاً للدنيا. يقول لك المرشدون: اقرأ ما ينفعك، ولكني أقول: بل انتفع مما تقرأ، إذ كيف تعرف ما ينفعك من الكتب قبل قراءته؟ إن القارئ الذي لا يقرأ إلا الكتب المنتقاة كالمريض الذي لا يأكل إلا الأطعمة المنتقاة. يدل ذلك على ضعف المعدة أكثر مما يدل على جودة القابلية..
عباس محمود العقاد
***
كيف تقرأ؟
أقرأ وكأن الذي معك ليس كتاباً من صفحاتٍ مرقومة بحروف وكلمات، بل كأنك تتحدث مع مؤلف الكتاب، اقرأ وكأن الذي معك هو الرجل الحي يعرض عليك فكرته أو خبرته بصوتٍ مسموع، ففي هذه الحالة ستجد نفسك مدفوعاً إلى مراجعته ومساءلته ومراجعته جزءاً جزءاً ومعنى معنى، وهكذا تكون القراءة الحية بفاعليتها الذهنية، فلا تجعل من نفسك أثناء القراءة شريطاً من أشرطة الكاسيت يتلقى ولا حيلة له فيما يتلقاه، بل تمهل هنا وقف هناك واسأل وحاور ووافق واعترض، فالذي معك هو إنسان حي بفكره ووجدانه، وقد يكون إنساناً أطول منك باعاً وأقدر منك على الغوص وراء الحقائق، لكنك لن تبلغ منه كل ما تريد إلا إذا وقفت منه موقف الأحياء من الأحياء، إذ يلتقون في دروب الحياة ومسالكها..
الدكتور زكي نجيب محمود
***
في مكتبة أبي يمكن أن تقرأ في كل الاتجاهات، تعلمتُ مبكراً أن أفعل ذلك، تعلمتُ أيضاً ألا أخاف من الكتب مهما تضمنت من أفكار، الخوف الحقيقي هو ألا تقرأ وألا تعرف، قد تتوه، بل على الأرجح ستتوه، ولكنك حتماً سترسو على البر، طالما استخدمت عقلك، وطالما اجتهدت وبحثت، كان أبي يردد عبارة لا أعرف من قائلها، ولكن لا بد أنه كان مفكراً غربياً، تقول العبارة: «نحن الأوروبيون القلقون دائماً»، القلق معناه أن تفكر، والتفكير معناه أنك موجود، تعلمت ذلك من أبي مباشرة، حتى قبل أن أدرس الفلسفة في المدرسة..
***
قال لي أبي مرة: «أكتب كأن العالم كله سيقرأ لك.. واقرأ كأنك الشخص الوحيد الذي كُتب له الكتاب»..
محمود عبد الشكور
***
ما أطيب الوقت الذي تمضيه في القراءة، وما أجمل الساعات التي يمضيها الإنسان في الاطلاع على ذخائر العقل وكنوز المعرفة، فتنمو معلوماته وتتسع ثقافته، ولا سبيل إلى ذلك إلا بتقوية الصلة بالكتاب واتخاذه رفيقاً لا يفارقه، فإذا استطاع الإنسان أن ينظم أوقات القراءة ويروض نفسه عليها والبحث، فإنه بذلك يعيش في متعة لا تعادلها متعة، ولذة تصغر أمامها كل أمور الحياة.
...
إن الشَّعب الذي لا يقرأ لا يستطيع أن يعرف نفسه، ولا يستطيع أن يعرف غيره من الشعوب، فهو لذلك لا يستطيع أن يتآلف ويتحاب ويتلاقى، لأن الإنسان بطبعه عدو لما يجهل، وكذلك الشعوب، إن الشَّعب الذي ترجوه كل أمُّة شعب يعرف نفسه ويعرف غيره، فيحب هذا الذي يعرفه، ويقوده الحب إلى العمل المُخلص الذي يعودُ عليه وعلى جيرانه بالفوائد العميمة.
...
إن ما يميز الإنسان من الحيوان هو التفكير، وإن بعض الحيوان ليفكر بدرجة من الدرجات ولكن تفكير الإنسان أرقى، وهو يصعد في سلم الرقي بقفزات تعلو وتعلو أبداً، وسبيل هذا الصعود هو أن يبني الخَلف على آثار السَّلف مما لا يمكن أن يتم في عالم الحيوان، وإنما هو يتم في عالم الإنسان ليس غير، ولا يمكن لهذا البناء أن يتم إلا بوساطة الكتب، فالكتب هي التي تدُلنا على الدرج الذي ارتقى إليه الأقدمون لنرقى نحنُ فيما بعد
......
من أطرف ما أدخلت أميركا في حياة القُرَّاء في بعض الأمم فكرة المكتبات المُتنقلة على عربات، حيث تصل إلى أماكن بعيدة وعديدة لتوصل الكتاب إلى يد القارئ حتى لا يجد مشقة في الوصول إليه.
من كتاب «العالم بين دفتي كتاب» للدكتورة سَهِير القلماوي
***
القراءة، ذلك النشاط الإبداعي الذي يجعلنا من كل الأوجه إنسانيين. أعتقد أننا في الجوهر حيوانات قارئة وأن فن القراءة، في المعنى الأوسع للكلمة، يميِّز جنسنا. نحن ننشأ مصممين على العثور على قصة في كل شيء: في المناظر الطبيعية، في السماوات، في وجوه الآخرين، وبالطبع، في الصور والكلمات التي يخلقها جنسنا.
...
لا أحب أن يلخّص لي أحد الكتب التي أنوي قراءتها، لا بأس أن يشوّقني بعنوان أو مشهد أو اقتباس، لكن ليس بكل أحداث الكتاب. القرّاء المتعصبون، والتلخيص الذي يتضمنه الغلاف الأخير، ومدرّسو ومؤرخو الأدب، يفسدون كثيراً من متعتنا في القراءة من خلال وشايتهم بالحبكة، وطالما تقدم العمر بنا فإن ذاكرتنا يمكنها أيضاً أن تحرمنا من متعة الجهل بمعرفة ما سيحدث لاحقاً.
...
القراءة فعلٌ مريح، منعزل، هادئ وحسّي. سابقاً تقاسمتْ الكتابة بعض هذه المميزات، لكنها في الوقت الحاضر اكتسبت شيئاً من صفات المهنة القديمة للبائع المتجول أو ممثل الفرجة، فالكتّاب يُدعَون من أمكنة بعيدة لتمضية ليلة عابرة، وبدلاً من أن يبيعوا مجلّدات دائرة المعارف فإنهم يُطرون على فضائل كتبهم الخاصة.
في الغالب لا يدون القارئ ردود أفعاله، لكن أحياناً تنتاب قارئ ما رغبة في إمساك القلم والتواصل مع هذا الحوار بكتابة الهوامش على النص. هذا التعليق، هذه الهوامش، هذه الكتابة الظل التي ترافق أحياناً كتبنا الأثيرة توسع من النص وتنقله إلى زمن آخر، وتجعل من القراءة تجربة مختلفة، وتضفي واقعية على الأوهام التي يرويها لنا الكتاب، ويريدنا نحن قراءه أن نعيشها.
...
من أجل أن يستهوينا كتاب ما، ربما عليه أن يقيم رابطة من الاتفاق العرضي بين تجربتنا، وتلك التي في القصة أو الرواية.
ألبرتو مانجويل، «فن القراءة» و«يوميات القراءة»


اقرأ أيضا