الاتحاد

الملحق الثقافي

يافا.. دارة القمر

مدينة يافا بعدسة خليل كوع (أرشيفية)

مدينة يافا بعدسة خليل كوع (أرشيفية)

لينا أبو بكر


على فكرة ! أنت في لندن، رغم أنك لست كذلك، لأن لندن لا تسمح لك أن تنفرد بها وحدك، فهي تسرقك منها كلما توغلت في تفاصيلها وأحيائها أكثر، ورغم أنها غربتك فإن غرباءها هم أبناء وطنك، وشوارعها التي تتمطى كتماسيح مسجاة بردائها الحرشفي الغليظ، متأهبة للانقضاض على المدينة في أية لحظة، هي ذاتها – يا للمفارقة – تفتح لك كل المنافذ لتعبر إلى ما وراء الحدود وتجتاز السياج الشائك بينك وبينها وحيداً وسط زحامها محتشداً بفراغك على طريقة بودلير، فباريس لا تختلف كثيراً عن لندن، كلاهما مرآة واحدة لوجهي القصيدة الشريرة التي ترى أن التمتع بالزحام فن، وإدراك هذه المتعة لا يتحقق سوى بالعزلة لأنها وحدها قادرة على حشدك بكل هذا الاكتظاظ.
امشِ إذن، فالمدينة ستحسن تدريبك على ثقافة المشي، وربما تعثر على وطنك في هذا المهجر، لأنك كغريب تبدو حفاراً للجحيم «أينما كنت، احفر عميقاً»، هكذا فعل نيتشه وهو يرى في الرحلة جسراً إلى الينبوع السفلي: المصير.

وطن الرائحة
للمكان رائحة أهلي وحنيني.. للمكان رائحة صباحات ربة المائدة: أمي ورضاب قهوتها الحنون، للمكان رائحة حوش جدي تنبعث من حبات رمان خبيئة في صندوق الغواية، وحين تقترب أكثر تشم عبق حكاية معتقة بعطر النعناع الريفي، وريق البرتقال منثالاً من فم المطر الذي يداعب بساتين القمر في مرآة (يوبا) ابنة الآلهة، ورويداً رويداً يعصر البيارات من شفاه الغيم.. فهنيئاً مريئاً يا بلادي!
الرائحة فلسفة، إحالة وجدانية إلى حالة عاطفية مرتبطة بنوستالجيا تحتفظ بإشارات طوبولوجية تشكل وعيك الهندسي للحنين، تماماً كما في دارة القمر «يافا»، هذا الحيز الفلسطيني بطقسه وسماته واسمه ولغته ورائحته، يوفر لك صفات الوطن فيعينك على غربتك واستعادة ما تفتقد إليه أو تفقده فيها، لتكتشف به تطرف النقيضين: الفقد والاستعادة، في ذات الوقت الذي يندغمان في لحظة زمنية واحدة يتشظى ضمنها المكان إلى ما وراءين: الذاكرة والمخيلة، فيستجمع قوة الفراغ من مساحات مُضمرة تلتحم فيها الفضاءات وتتقاطع الأمكنة بلا فواصل جغرافية لتتحول إلى بوصلة جيولوجية تدير الأرض نحو مصادفة بحتة تصل بك دون موعد إلى ركن الوطن، فيا مرحباً بيافا!
اللهجة فلسطينية «كُحْ»، الوجوه حنطية كبيادر قمح عثر عليها في لوحة مسروقة لفان غوغ... العيون مسائية كنجمات صيف شفيف تطل من دلال بئر وسنانة.... الشوارب سمراء طازجة كعشب غض يناغي لحم الأرض... والزنود التي تحتضن البنادق لتربي الرصاصة في كنف الزناد، هي ذاتها الزنود التي ترق الجوع لتنضج الخبز في بيت التنور، وتدلل الموائد المريمية بما لذ وطاب من التين والزيتون والأشجار المباركة في جنة النعيم، التي تجري من تحتها جداول السماء، فمرحباً بيافا عروس البحر، ودارة القمر، في منفاي هذا!

حرب الموائد
لو عشت فقط على ما يقدمه هذا البيت اليافوي من أطباق شعبية عرف بها المطبخ الفلسطيني لاكتفيت، فما بين رقائق المناقيش «ونفحات الميرمية والزعتر البري لسعة رائحة تخض وجع الاشتهاء لأنها تتلو سورة المائدة على من ارتبط بها بجين ذاكراتي يحفز شهيته من خلال إشارات متبادلة بين حنينه وجهازه الهضمي، تحدد مستوى انتمائه لمائدته التي هي هويته وبناء عليه يمد أنسجة جسمه بالطاقة اللازمة ليقوم بأهم عملية حيوية: العودة!
وعيك بإرثك المائداتي مرهون بفطرتك الوطنية، وهو ما تطمئن له وأنت تقلب الطرف بين زاوية وأخرى في «مطعم يافا»، فهنا المجدرة وورق العنب، والمفتول، وهناك الكلاج والبقلاوة والعوامة وبين هذا وذاك، جبنة نابلسية ومخللات وفقوس بلدي وعكوب وصبر، ثم البابونج واللوز، والحمص والفلافل فماذا تريد بعد يا أيها الغريب من حنينك؟
لم تعد للمنفى فتنة المايكروبايوتيك، فلك حميتك ولك فتنتك على الطريقة الفلسطينية، دون أي إخلال بنظامك الغذائي ما دام مستمداً من خيرات جنتك..
أرضك لوحة غذائية خصبة ومعطاءة، أغوت الصهيوني بن غوريون لترك كرسي السيادة والعمل كفلاح ليسرق منك أرضك التي هي مائدتك، فيعيد كرته معك لتدخلا في ذات الحرب من جديد: موائد الأرض والسماء..
حباك الله بموائده المقدسة في محراب المواسم، فغدت رزنامة حصادك تقويماً جمالياً وثقافياً يعكس وعيك البيئي، من خلال الاعتناء بهذا التنوع الخصب والمتجدد للأرض، مما يوطد أواصر الصلة بين الفلسطيني والطبيعة فيضمن له خوض معركة البقاء من خلال الاكتفاء الذاتي وما يتطلبه العمل بالأرض من توفير مصادر يسيرة للطاقة، وداراً للشفاء بالأعشاب الطبيعية، كل هذا وأكثر يبرهن لك أن ابن الأرض وحده من يمتلك الشيفرة لمعرفة أسرارها، وقد يفاجئك أن أحد هذه الشيفرات الأمثال الشعبية التي استنبطها الفلاح من علاقته ببيارته، عداك عن القيم الدينية والدلالات الروحية السامية التي اكتسبها جراء هذا التبادل المعرفي بينه وبينها، فالأرض وفية لفلاحها، وتعرفه وتميزه من رائحة عرقه، ولذلك ظلت يافا هي يافا رغم كل هذه المسافة الزمنية والمكانية بينها وبين غربتنا... فحدثني حدث عن يافا!
هناك فرق بين موائد التيه، وموائد المحراب، فموائدنا موائد عبادة ومعجزات تشي بقيمة الطقس العائلي لإعداد هذه المائدة منذ البذار الأولى وحتى لحظة التمتع بتذوق الأرض بهز جذع السماء ليساقط رطباً وجنياً بعد مخاض الميلاد..
موائد الفلسطيني ليست موائد غريزية، أو موائد طمع، أو اختباراً لقدرة السماء على قوت الجياع، أو موائد استعطاف أو موائد لقيطة، كموائد المحتل، فأجل قيمة للمائدة أن تكون المائدة، أما هي الأرض ابنة الآلهة وعذراء تحمل في أحشائها روح الغيب وقبلة المطر!

أدب العودة
في العاصمة البريطانة «لندن»، تأخذك أقدامك إليك، فتقرأ لافتة كبيرة تتوسط شارع «فولم رود»: «يافا، دارة القمر» يا إلهي، كيف أتت يافا إلى هناي، وأدخلتني عبر بوابتها الصغيرة إلى حقل الشمس ونوار اللوز الذي يحيط بعنق عروس البحر كقلادة النجوم، رحماك يا رب الأمكنة، كيف راوغت العدم برائحة الوجود يا إلهي!
إنه أدب العودة، وليس صحيحاً أن الرحلة أجمل من الإياب، فالقيمة الأحق والمتعة الألذ هي أن تعود لا أن ترحل لتعود، وأما التحيز للرحلة والاشتغال على إيلائها الأهمية الجمالية والفلسفية ينقض النزاهة خاصة لما تكون العودة مقاومة والرحلة مجرد آلة، لا يعول عليها كقيمة عليا لأنه يمكن استبدالها حين يبطل مفعولها بالتقادم الزمني والمطمطة... وهو ما يبرهن إن الوسيلة لا يجب أن تلهي عن الغاية، ولا تسرق منها دلالاتها الجوهرية، ويافا هنا هي تذكرة العودة لا، بل هي ميثاقها لا، بل إنها محطة الرجوع !
أيها الفلسطيني أنت لست قصاص أثر، ولكنك وجع التعاويذ الذي يتصاعد كأبخرة المعابد في صلوات الآلهة، ولهذا يمكن لأي ضال أن يستدل على مكان عبادته من رائحة التراتيل قبل إيقاعاتها الصوتية، فبيت العبادة هو الأكثر حميمية وألفة، لأنه وطن سمائك، وربما يكون «أوشو» قد فطن لهذا فحاول أن يقربه للتصور العائلي حين وضع تعريفاً للبيت يختلف عن تعريفه للمنزل، فالأول مكان للسكن وللمحبة، تميز ألفته من رائحته التي تدلك على أهليته ليكون بيتاً يحظى بمواصفات عاطفية يكتسبها من ساكنيه وعلاقتهم ببعضهم وارتباطهم به، أما المنزل فلا يتعدى كونه مكاناً يوجد فيه أشخاص لا يرتبطون بعلاقة المساكنة التي قوامها الدفء، يعيشون مع الحيز فارغاً من مقومات لإفراغه، يا إلهي ما أثقل الجدران هنا، وما أخفها هناك...

بيت الدارة
تحس بدارة القمر وأنت تدخلها بكل أوار الشغاف، كأنها بيت الوطن، فالوطن أيضاً يحتاج إلى بيت ليسكن فيه وإليه وهنا يافا، هنا بوابة بني كنعان، أول مركز تجاري شيده الفلسطينيون القدماء يبلل أطراف قدميه بالبحر وينضو شالات الشمس عن وجهه في مبخرة الملائكة ودارات البرتقال...
تدخلها بسلام، فتتناهى إلى دهشتك دندنات مزكاة بإيقاع الدلعونا ترفدها بحة الشبابة وغنة اليرغول، مغمض العينين ومتيقظ الرائحة، منساقاً عبر درج ضيق إلى حوش صغير تنبعث منه أنفاس الزعتر البري والنعنع والأراجيل، وتتدلى من سقف سمائه المصابيح القديمة وقناديل يتأرجح فيها الضوء وتختبئ في أصيص بلوراتها نجمات البحر من زمن الحوت وأقراط الحوريات من عهد كليوباترا...
هنا يافا، يا أيها الغرباء، ميناء الحج المقدس إلى إقليم السماء وشرنقة الأنبياء.... وآه يا يافا يا شرفة الآلهة، يا وطناً يغويني بغربتي وهو يعود إليّ في منفاي، ويضيع مني في بلادي... فكيف أذكر يوماً كنتُ بيافا؟ يوم نادانا البحر، وأقلعنا فجراً، ثم ضعنا والشاطئ ضاع، لكن في الليل، جاءتنا الريح، كقطعان ذئاب بحرية، تقسو ونداري، والموج بنا طاف لكنا قاومنا الموج الغاضب، وهو يشد يشد القارب يومها قالوا: إنا ضائعون وهالكون في الأبد البارد، لكننا عدنا، مع الصباح، جئنا مع الرياح، كما يجيء المارد، ودخلناها مينا يافا، يا طيب العود إلى يافا، وملأنا الضفة أصدافا، يا أحلى الأيام بيافا، كنا والريح تهب تصيح نقول سنرجع يا يافا، وسنرجع نرجع يا يافا..
هذه التداعيات الرحبانية تنغرس كطعنة المجداف في خاصرة البحر لأنك إذ تتذكر، تمرن عضلات الرحلة على المضي قدماً إلى الوراء... لقد أطفأت مدينتي في هذه التغريبة- قنديلها، وحان وقت المغادرة، كم تتمنى أن تكون «دارة القمر» جسداً لتضمه، أو فماً لتلثم ريقه، أو يداً لتصطحبها معك... ولكن الدارة هي حلول المكان في المكان، وهو مهما يكن، النهاية المحيطة التي تستكمل الغريب لتتم رحلته، فخذني يا رب يافا.. لأيام الشوق بيافا...!

اقرأ أيضا