الاتحاد

الملحق الثقافي

ما الفن.. سؤال الماهيّة

كيف يمكن التفريق بين ما هو فن وما هو غير فن؟ (أرشيفية)

كيف يمكن التفريق بين ما هو فن وما هو غير فن؟ (أرشيفية)

د. سعيد توفيق

ليس للفن رسالة.. لا مع الأخلاق ولا ضدّها
هذا سؤال قد يبدو بسيطاً في ظاهره، لأننا نتعاطى الفن بشكل يومي من خلال أغنية نستمع إليها أو فيلم نشاهده عبر التلفاز وغير هذا. ومع ذلك فإننا لا يمكن أن نتحدث حديثاً له أهمية عن الفن ما لم نكن على بينة أولاً من معنى الفن أو ما نقصده بالفن، لأننا إذا اختلفنا لن نجد عندئذ مرجعية نستند إليها، وستصبح آراء كل منا سواء، مهما كان بعضها متهافتاً، وبالتالي سننتهي إلى نزعة نسبية ساذجة تعتقد أن كل الآراء على صواب دائماً.

إن ما ذهبنا إليه سابقاً لا يعني بالطبع أننا نرفض الاختلاف في الرأي، ونتطلع إلى موقف تتطابق فيه الآراء، فهذا أبعد ما يكون عن غايتنا، لأن ما نتطلع إليه ببساطة هو أن نسعى للوقوف على أرضية مشتركة ليست نتاجاً لآرائنا الذاتية المحضة، وإنما هي أشبه بالأساس الموضوعي الذي يكون نتاجاً لوصف الظواهر الفنية الذي يمكن أن تتأسس عليه آراؤنا ومواقفنا.

هل يمكن تعريف الفن
السؤال: ما الفن؟ سؤال عن ماهية الفن، أي عما يجعل الفن فناً. ومن ثم فلا يصح عندما نُسأَل هذا السؤال الذي سأله أفلاطون من قديم الزمان، أن نجيب بأن الفن هو ببساطة من قبيل تلك اللوحة المعلقة على الجدار أو ذلك التمثال المنتصب في الساحة أو الميدان، لأن السؤال الذي سيبقى قائماً هو: وما الذي يجعلنا نسمي تلك اللوحة أو ذلك التمثال فناً؟ هل هناك شيء مشترك بين التصوير والنحت والموسيقى، وغيرها من الفنون، يخول لنا أن نطلق عليها جميعاً اسم الفن. وفضلاً عن ذلك، فإنه يحق لنا أن نتساءل أيضاً: هل هناك حدود أصلاً تفصل النشاط الفني عن غيره من وجوه النشاط الإنساني: أو لم يكن الرقص قديماً - على سبيل المثال - يُمارَس ضمن الطقوس والشعائر الدينية داخل المعابد، وهذا ما جعل بعض فنون العرض المعاصرة تحاول استدعاء هذا الطابع الطقسي؟! أو ليس الفن المعاصر، في كثير من صوره، يميل أيضاً إلى إزالة مثل هذه الحدود، حينما نجد - على سبيل المثال - أن المواد المستهلكة في حياتنا اليومية: كالزجاجات والعلب الفارغة وقصاصات الصحف، هي نفسها المواد التي يمكن أن يستخدمها بعض الفنانين في أعمالهم الفنية، وحينما نجد أن الحدود تتماوه بين النشاط الرياضي والنشاط الفني كما في السباحة التوقيعية، والرقص على الجليد، بل في بعض ألعاب الجمباز الاستعراضية؟
إن كل التساؤلات السابقة لها أهميتها القصوى، لأنها تهدف إلى تحريرنا من مواقفنا «الدوغماطيقية»، أي من تلك المواقف التي نتبنى فيها آراء عن الفن نظنها يقينية، دون أن نخضعها للشك والفحص والتمحيص، وعلى هذا، فإن التساؤلات السابقة من شأنها أن تهز مواقفنا الراسخة إزاء الفن. ولكن هذه التساؤلات جميعاً تهدف إلى بلوغ السؤال الأساسي الذي ترتكز عليه كل التساؤلات السابقة، وهو: هل هناك معايير أو شروط للفن؟ وبعبارة أكثر بساطة: هل يمكن تعريف الفن؟
يشكك بعض المجادلين في إمكانية تعريف الفن، وحجتهم في ذلك أنه لا يمكن تحديد خاصية أو مجموعة من الخصائص المشتركة في كل ما يمكن أن نسميه فناً: ذلك أن الفن يتغير على الدوام، بل إنه في الأصل كان متداخلاً مع المناحي والفعاليات الأخرى للحياة الإنسانية، إذ كان ممتزجاً بالطقوس الدينية والاجتماعية وبالأساطير، فضلاً عن أن الفن الحديث والمعاصر قد تعددت مدارسه، وتنوعت أساليبه، بحيث يستحيل استيعاب ذلك جميعاً في تعريف واحد. وعلى هذا، فإن وضع تعريف أو معايير للفن يعني إغلاق مفهوم الفن ذاته الذي هو بطبيعته مفهوم مفتوح Open Concept، ومن ثم فإنه يعني وضع نهاية للإبداع الفني ذاته الذي من أخص شروطه التحرر من أية شروط أو معايير وقواعد مسبقة! ولذلك فقد انتهى هؤلاء المجادلون في ماهية الفن إلى رفض القول بوجود خصائص مشتركة بين الفنون أو الأنماط والأساليب الفنية على اختلافها وتنوعها. غير أن تغير أساليب الإبداع الفني على الدوام لا ينال من إمكانية تعريف الفن ذاته باعتبار أن هناك شروطاً جوهرية تتعلق بماهيته، وهي شروط ينبغي أن تتجلى في شتى ظواهره أو صوره المتغيرة، وإلا افتقدت تلك الصور اسم الفن أو حُرِمت منه.
وعلى هذا، فإن سؤالنا «ما الفن؟» يظل قائماً! وهو ما زال قائماً منذ أفلاطون وحتى يومنا هذا. وقد يرى البعض في هذا مدعاة لليأس والإحباط من بلوغ إجابة شافية عن سؤالنا. غير أن نبرة اليأس هذه لا ينبغي أن تستولي علينا، والمهم هو أننا حينما نقدم إجابة لا ينبغي أن نستهين بما نسأل عنه هنا، بأن نقدم إجابات جاهزة أو متسرعة. وربما كان من الأجدى قبل أن نشرع في تقديم رؤيتنا لمعنى الفن أن نستبعد أولاً واحداً من الأخطاء الشائعة التي اقترنت بتعريف الفن.

تصورات ينبغي استبعادها
لعل أكثر التصورات التي شاعت عن الفن أنه «رسالة أخلاقية وتربوية»، فهو من أكثر التصورات التي لاقت على الدوام رواجاً لدى العوام، وإنْ روج لها فلاسفة ومفكرون وأدباء عظام منذ عصر اليونان: فسقراط - على سبيل المثال - كان يرى أن الفن لا بد أن يحث على الفضيلة، أي لا بد أن ينطوي على قيمة أخلاقية، وإلا أصبح هو ذاته بلا قيمة! وكان أفلاطون يطالب باستبعاد مقامات موسيقية معينة، بحجة أنها تخلو من دعة وليونة يمكن أن تُفسد أخلاق الشباب الذين ينبغي أن يتحلوا بأخلاق الشجاعة، وهو ما يمكن أن يجعل أثينا تحت رحمة أعدائها! ومكمن الخطأ في هذا التصور أنه ينظر إلى الفن (الذي تتجلى فيه القيم الفنية والجمالية) كما لو كان أداة لتحقيق قيمة أخرى هي القيمة الأخلاقية، وكأن إبداع الفن والجمال لا يمكن أن يكون غايةً في ذاته دون أن يكون وسيلة لخدمة أية قيمة أخرى، حتى إنْ كانت هي القيمة الأخلاقية. وليس معنى ذلك أن الفن يكون ضد الأخلاق، فالحقيقة أن الفن ليس مع الأخلاق ولا ضد الأخلاق، وهذا يعني بعبارة أخرى أنه يكون محايداً بالنسبة للأخلاق: فربما يتعلق موضوع العمل الفني بمسائل أخلاقية، وقد يتخذ أو لا يتخذ العمل موقفاً أخلاقياً إزاء تلك المسائل، ولكن هذا لا شأن له بالقيمة الفنية والجمالية للعمل. فقد تحثنا قصيدة ما على الفضيلة والقيم الأخلاقية النبيلة، ولكن هذا لا شأن له بقيمة القصيدة كعمل فني، فلكي تكون القصيدة عملاً فنياً بحق يجب أن تُكتب أولاً بلغة الشعر وبشروط الشعر، يستوي بعد ذلك أن تتحدث القصيدة عن الدين والأخلاق أو عن المجون والغزل، أن تتغنى بالتصوف أو بالملذات، وهي حتى إنْ تحدثت في مسائل الأخلاق، فينبغي أن تتحدث عنها ضمناً لا مباشرةً، وتلميحاً لا تصريحاً، لأن هذا هو أول شروط الفن في عمومه.
وعلى النحو نفسه ينبغي أن نستبعد من فهمنا للفن التصورات الأيديولوجية، والنزعات الشكلانية التي تختزل الفن في كونه مجرد تشكيل جمالي.

محاولة لتعريف الفن
إن المحاذير السابقة تمهد لنا الطريق الآن لإمكانية تعريف الفن دون التورط في آراء هشة ساذجة أو مواقف ضيقة الأفق وواحدية البعد، وهذا التعريف يمكن صياغته ببساطة على النحو التالي: الفن هو التعبير عن معنى أو حقيقة شيء ما من خلال التشكيل الجمالي في صورة متعينة. وينبغي أن نتوقف عند عناصر هذا التعريف لنفسر كلاً منها على حدة، وفي علاقته بغيره:
ولعل أول ما ينبغي أن نتوقف عنده في هذا التعريف هو مفهوم «التعبير»: فالتعبير الفني يكون من خلال الشكل الجمالي نفسه، ولكن هذا لا يعني أن الشكل الجمالي يكون معبراً بذاته، لأن مفهوم «الشكل الدال بذاته والمعبر بذاته» هو مفهوم بلا معنى. فعندما نقول: شكلاً معبراً أو صورة ذات دلالة، فلا بد أن تكون معبرة عن شيء ما، وقد يتمثل هذا الشيء في حالة إنسانية شعورية ما أو معنى متخيل أو حتى فكرة ميتافيزيقية. والواقع أننا غالباً ما نجد تلك المعاني والأفكار متمثلة أو معبراً عنها بوضوح في الأعمال الأدبية العظيمة، من قبيل: فكرة الذات وصلتها بالحرية عند ستاندال، ولغز التاريخ بوصفه ظهوراً لمعنى في أحداث عارضة عند بلزاك، والأسلوب الذي به يكون الماضي متضمناً في الحاضر عند بروست..إلخ. والواقع أن هذا ينطبق أيضاً على سائر الأعمال الفنية العظمى، وإنْ كان بدرجات متفاوتة من الوضوح بحسب طبيعة الوسائط المادية الخاصة بكل فن.
وقبل أن نتوقف عند مفهوم «الحقيقة» الوارد في تعريفنا للفن، فإننا نود في هذا السياق أن نؤكد أولاً مفهوم «التعبير العياني» الوارد في تعريفنا أيضاً: فالفن يعبر دائماً عن الفكرة في صورة متعينة، أعني في صورة قد اكتسبت ملامحَ، بحيث تبدو مشخصة: فالفكرة في الرواية تتجسد في شخصيات ومواقف وأحداث بحيث تفقد طابعها النظري المجرد، وفي العمل النحتي قد تتجسد - على سبيل المثال - في وضع جسدي وفي إيماءة ما من إيماءات البدن، وحتى في فن التصوير التجريدي تظل الفكرة حاضرة متعينة في الأسلوب الفني الذي يكسبها تعبيراً خاصاً عن روح أو مكنون حالة ما نجدها في الطبيعة والحياة، ولكن دون استعانة بموضوع محدد من الطبيعة أو الحياة. وحتى فن المعمار، نجده يعبر عن الفكرة كما تتمثل في التلاعب بالكتل الصماء وتشكيل البناء في علاقته بالضوء والفراغ والسياق الإنساني والاجتماعي الذي يوجد فيه.
ويبقى الآن أن نتفهم معنى «الحقيقة» التي يعبر عنها الفن. وهذا التفهم أمر ضروري في عصرنا الراهن الذي أصبح فيه الفن مغترباً عن تمثل عالمنا الإنساني ومستغرقاً في مفاهيم الشكل الجمالي. والواقع أن «موت الفن» - كما نبهنا هيجل - يكمن في إغفال الدور الذي يضطلع به الفن في التعبير على أنحاء شتى عن حقيقة عالمنا الإنساني، لأن الجمال الذي يخلو من الحقيقة إنما هو جمال أجوف. فحتى المعابد أو دور العبادة - على سبيل المثال - كانت تعبر عن حقيقة العالم الإلهي كما تمثل في وعي شعب ما وعبر عنه فنان ما. وإذا كان هذا حال فن المعمار، فما بالك بالفنون الأخرى التي تمتلك وسائلَ من التعبير أكثر قدرة من الحجر في تصوير الروح الإنساني وفهمه لعالمه.
وهنا ينبغي أن نلاحظ أمرين: الأول أن علاقة الفن بالحقيقة تتمثل في أن الفن ينطوي على معرفة جمالية تقدم لنا شيئاً عن حقيقة عالمنا الذي نحيا فيه بأبعاده الدينية والاجتماعية والثقافية، والثاني أن الفن يقدم لنا نوعاً من الحقيقة لا يقل أهمية عن الحقيقة التي تقدمها لنا العلوم.

نشاط فردي
أظهرت الأعمال الفنية المتنوعة عبر التاريخ أن النشاط الجمالي هو ما يتضح من خلال السعي الفردي لوضع أعمال فنّية تحقق المتعة والتأمل والإعجاب، بوضعها أمام الجميع.
ولذا ذهب «عمانوئيل كانت» إلى أنّ «الفن نشاط فردي يرمي لوضع منتج جمالي باستخدام تقنيات محددة ومواد أولية خاصة».

الفن عبر التاريخ: أرنولد هاوزر

أهمية أخلاقية
الفن كما رآه إفلاطون في القرن الرابع قبل الميلاد جانب مهم من الثقافة بل هو مجال من الحياة المتكاملة «يجب أخذه مأخذ الجدّ الشديد» نظراً لما شكّلته الفنون في عصره من قوة اجتماعية كبرى، ولم يفرّق اليونانيون بين الفنون الجميلة والنافعة، وكان الأدب والموسيقى والرقص مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالعقيدة والتعليم.
(...)
كما شكل الفنّ أهمية أخلاقية في مجالات التأثير التعبيري، لكونه مثّل فاعلية واضحة في إثارة انفعالات الناس، تبعاً لمحتوى الرسالة التي حملها أو الغرض الذي توجه إلى تحقيقه.
النقد الفني: جيروم ستولنيتز
(ص514 و 515)

اقرأ أيضا