الاتحاد

الملحق الثقافي

الفارس الأسود

الجسم الأخضر الذي شاهده رائد الفضاء غوردن كوبر

الجسم الأخضر الذي شاهده رائد الفضاء غوردن كوبر

الفاهم محمد

منذ خمسينيات القرن الماضي على الأقل وهو يثير اهتمام الجميع. قصة أغرب من الخيال ترتبط بقمر صناعي أو جسم غريب يدور حول الأرض أطلق عليه الفارس الأسود. كان الأمر مجرد فرضيات وإشاعات خصوصا من عشاق اليوفولوجي l’ufologie غير أن الأمر أصبح مؤكدا اليوم من طرف وكالة الفضاء الأميركية التي بثت صورا واضحة له. نعم هناك جسم غريب يدور حول الأرض والأغرب هو أن عمره يقدر بحوالي 130,000 سنة. أمر لا يصدق لأن تاريخ غزو الفضاء يعود إلى بداية الستينات من القرن الماضي فمن أين جاء إذن هذا الشيء الذي يحوم حول كوكبنا؟

في مرحلة الحرب الباردة كانت التهم متبادلة بشأنه، الأمريكان يعتبرونه قمر تجسس سوفييتيا، والسوفييت يعتقدون أنه قمر أميركي موجه للتجسس على المعسكر الاشتراكي، لكن ثبت أنه لا يعود لأية دولة. كما أن الطريقة التي يتحرك بها تفوق الإمكانات التكنولوجية للبشرية، إذ أن بإمكانه أن يدور في مكانه وأن ينتقل بسرعة فائقة إلى الأمام أو إلى الخلف أو أن يعلو أو يهبط مغيرا مداره كيفما شاء. والمهم في كل هذا الأمر هو أنه يتصرف بذكاء بالغ شبيه بما يصطلح عليه ETI أي الذكاء الفضائي.

أصل الحكاية
تعود بدايات القصة إلى سنة 1899 عندما ذكر العالم الشهير نيكولا تسلا أنه استقبل إشارات لا سلكية قادمة من مدار الأرض، مؤكدا أنها ليست مجرد تشويش بل هي إشارات منسجمة احتفظ بتسجيلات لها لكنه لم يتمكن من فك شفرتها. غير أن الخبر تم إهماله، فقد عُرف تيسلا باختراعاته الغريبة وقد تكون هذه واحدة من شطحاته.
وفي سنة 1928 تمكنت بعض التجارب التي أجريت في أوسلو بالنرويج أيضا من التقاط هذه الإشارات الراديوية القادمة من الفارس الأسود، لكنها هي أيضا لم تستطع أن تفك شفرتها. وفي سنة 1957 قام لويس كارولوس Luis Corralos من وزارة الاتصال في فنزويلا بالتقاط صور للقمر الروسي سبوتنيك 2 فلاحظ وجود هذا الجسم الغريب بالقرب منه والذي كان يحوم حول الأرض في الاتجاه المعاكس لدورانها، وهو أمر لم يكن في إمكانية الإنسان تحقيقه لأنه يتطلب طاقة هائلة. وفي سنة 1960 كتبت مجلة التايم الشهيرة مقالا عن الموضوع. وفي سنة 1959 سجل المرصد الألماني في بوخوم رسائل راديوية غير مفهومة. وفي 10 فبراير 1960 انتشر الخبر في كل الجرائد وتم بثه في العديد من قنوات التلفاز العالمية، مضمونه أن رادارات البحرية الأميركية رصدت وجود قمر غريب حول الأرض قدرت كتلته ما بين 10 و15 طنا، وهي كتلة كبيرة جداً لأن الأقمار التي صنعها الإنسان خلال تلك المرحلة لم تتجاوز 450 كلغ في أميركا و1500 في روسيا. وفي سنة 1963 أكد رائد الفضاء غوردن كوبر Gordon cooper أنه شاهد جسما أخضر لماعا يمر قرب مركبته عندما كان يحلق في الفضاء الخارجي. خلال هذه المرحلة أنكرت ناسا الأمر معتبرة أن ما شاهده كوبر لا يعدو أن يكون هلوسات ناتجة عن تسرب غاز ثاني أوكسيد الكاربون CO2 من المركبة والتي أثرت على أعصابه. رغم أن الجسم التقطته أجهزة الرادار التابعة لناسا في أستراليا.
بعد عشر سنوات، أي سنة 1973 ذكر باحث اسكوتلاندي اسمه دونكان لونان Duncan Lunan أنه استطاع أن يفك شفرة الرسائل الغامضة التي سجلها الفريق النرويجي السابق، وأن هذه الرسائل هي عبارة عن خريطة سماوية تخبر سكان الأرض أن القمر الصناعي مرسل من طرف كائنات تعيش في نظام النجوم إبسيلوم Upsilon Bootis والتي تبعد عن الأرض بحوالي 210 سنوات ضوئية وأنه كان هنا منذ نحو 130,000 ألف سنة.
غير أن أكبر تأكيد على وجود الفارس الأسود جاء من طرف ناسا سنة 1998 في الرحلة (STS 88) حيث تم التقاط صور واضحة لهذا القمر بوساطة سفينة الفضاء أوندفر، والتي كانت تقل ستة رواد فضاء في مهمة تتعلق بتجميع قطع محطة الفضاء الدولية. فبينما هم منهمكون في عملهم لاحظوا ظلا يمر أمامهم، التقطوا بسرعة صورا لهذا الشيء وعند عودتهم كانت المفاجأة، لقد ظهر في الصور ما كان مجرد أسطورة من قبل، إنه الفارس الأسود the black knight، وربما تعود التسمية إلى أنه من الصعب رؤيته في الفضاء الخارجي فهو يختفي في الظلام الداكن للكون.

لماذا؟
ما الهدف الذي وضع من أجله هذا القمر حول الأرض؟ لا أحد يملك الجواب حتى الآن أو ربما من يملكون الجواب هم جماعات سرية تتكتم عليه. ولكن ما هو مؤكد أن القمر على ما يبدو مسالم ولو لم يكن كذلك لظهرت نواياه العدائية منذ زمان، بل إنه يدافع عن الأرض ضد الأخطار التي يمكن أن تهددها. يشاع أنه اعترض النيزك الذي سقط مؤخرا فوق منطقة الأورال في روسيا ثم قام بتحطيمه فلم تنزل من النيزك سوى بعض الصخور والقطع الصغيرة ولولا تدخله ربما كانت الخسائر كبيرة. قد تبدو حضارتنا غريبة جدا بالقياس إلى التطور الروحي والتكنولوجي الذي وصلت إليه حضارات نجمية لذلك فنحن نستحق أن نُدرس ونُلاحظ عن بعد.
لقد كبرنا على ثقافة معينة تنظر إلى الكائنات الفضائية على أنها كائنات شريرة، هذا الأمر واضح في جل الأفلام السينمائية التي تعرضت للموضوع، والحال أن هذا مجرد إسقاط بشري وشيطنة للآخر. فالحضارات النجمية قديمة جدا مقارنة مع حضارة الإنسان فوق الأرض ولاشك أن هذه الفترة الزمنية الطويلة قد سمحت لهم بالتطور والرقي ليس فقط على المستوى التكنولوجي بل أيضا على المستوى الروحي. طبعا هناك تخوفات كبيرة من حدوث لقاء كهذا بين الجنس البشري وأجناس فضائية غريبة، فقد اعتاد الإنسان أن ينظر إلى نفسه على أنه مركز الكون وليس من السهل عليه التخلي عن هذه الحقيقة والإيمان بحقيقة أن الحياة تعم باقي أرجاء المجرة. صرح مؤخرا وزير الدفاع الكندي السابق بول هيلير Paul hellyer بشكل رسمي أن «الأجسام الطائرة المجهولة الهوية حقيقية كالطائرات التي تطير فوق رؤوسنا». كما قامت هيئة الأمم المتحدة مؤخرا بتنصيب السيدة مازلان عثمان mazlan othman وهي عالمة فلك ماليزية كسفيرة متخصصة في استقبال الكائنات الفضائية والتواصل معها باسم الجنس البشري. لهذا التعيين دلالته بالطبع، فالأمم المتحدة ما كانت لتستحدث منصبا كهذا لولا أنها تمتلك بعض المعطيات الواقعية حول هذا الموضوع، وبالتالي فهي تتهيأ لما يمكن أن يحدث ربما في المستقبل القريب. أما العالمة مازلان عثمان فبررت مسألة تعيين«سفير مكلف باستقبال المخلوقات الفضائية» بالاكتشافات الهائلة التي تعرفها علوم الفضاء مؤخرا في ما يتعلق بالكواكب الصالحة للحياة Les exo planètes. وهذا صحيح فعدد الكواكب الشبيهة بالأرض يتزايد يوما عن يوم. الأمر لم يعد مجرد تكهن أو فرضية رياضية على غرار معادلة بول ديراك الشهيرة بل إنه حقيقة علمية مؤكدة. ثمة نحو 100 مليار كوكب صالح للحياة في مجرة درب التبانة لوحدها، أما مسألة ما إذا كانت هذه الكواكب تحتوي حياة فهو أمر مازال في طور النقاش. وكيفما كان الحال يظهر أننا نعيش عشية حدث عظيم يهم تاريخ البشرية جمعاء. حدث قال عنه الفيزيائي الأميركي المعاصر ميتشيو كاكاكو أنه يفوق في درجته اكتشاف الزراعة والكتابة وربما تضاهي أهميته ظهور الإنسان العاقل ذاته. يوما عن يوم نستشعر الحاجة إلى ضرورة إعادة النظر في كل المعارف التي راكمناها عبر السنين. يبدو أن كل ما نعلمه يدخل ضمن النموذج المعياري المقبول أكاديميا، ولكن خارج هذا النموذج هناك الكثير من الحقائق والأسرار والأشياء المسكوت عنها، أو المقصاة والمغيبة عمدا لأنها لا تتماشى مع هذا النموذج المعياري للمعرفة. نحن اليوم في حاجة إلى تجاوز المعرفة الجاهزة والمتداولة نحو القيام بعملية مسح للطاولة، بمعنى موسع للكلمة من أجل البحث عن المعرفة الغائبة المخفية والتي تكون أحيانا ممنوعة.

لسنا وحدنا في الكون
إننا نعلم اليوم بشكل علمي وقاطع أن المركَّبات الأساسية للحياة وعلى رأسها الماء لا ينفرد بها الكوكب الأرضي لوحده بل هي موجودة في الفضاء الخارجي. على سبيل المثال لا الحصر أكدت ناسا مؤخراً أن المركبة فيليا التي حطت على المذنب 67P عثرت على بعض المركبات الأساسية للحياة عليه. كما أن وجود آثار للماء فوق المريخ أو في القمر الصغير المسمى أونسولاد التابع لزحل له دلالة قوية في هذا السياق. إن مسألة وجود حضارات نجمية قد تكون مسألة عادية بالنظر إلى انتشار العوامل المسببة لظهور الحياة في الكون فهي لن تكون غريبة إلا من منظور الجنس البشري الغارق في أوهامه الذاتية ومركزيته المطلقة في هذا الكون.

اقرأ أيضا