صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

زها حديد: مِعماريّة الخيال

جسر الشيخ زايد في أبوظبي للمعمارية زها حديد (أرشيفية)

جسر الشيخ زايد في أبوظبي للمعمارية زها حديد (أرشيفية)

د. حورية الظل

تبوح الصروح المعمارية التي تبدو منزاحة عن المعتاد سواء في الشكل أو الحجم أو التفاصيل الجمالية، بأن وراءها مهندساً مبدعاً وعبقرياً وبارعاً، تشبع برؤية فنية متكاملة مكنته من إبداع أعمال تصبح جزءاً من الحضارة والتاريخ الإنسانيين. وزها حديد المهندسة المعمارية التي رحلت مؤخراً تتلخص خصوصية تصاميمها العمرانية في طابعها المستقبلي، فما هي الاتجاهات الفنية والفلسفية التي اتكأت عليها لتأسيس تجربتها الفذة، وكيف استطاعت أن تترجم ذلك إلى بنيان أثث أشهر المدن في العالم؟ لكن قبل الإجابة على ذلك لا بد من التعريف بزها حديد وببعض تصاميمها وبخصائصها وبمحفل التلقي لأعمالها العمرانية وبعلاقة هذه الأعمال بمحيطها.

زها حديد (1950- 2016)، معمارية عراقية- بريطانية، اشتهرت بتصميماتها الفريدة، وبموتها يكون قد أُسدل الستار عن فصل زاهٍ من تاريخ المعمار العالمي، لأنها تمكنت من أن تجعل الأوساط المعمارية تشهد لها بعلو كعبها في مجال الهندسة المعمارية والتصاميم المستقبلية التي تجعل مرافق المدينة مفتوحة وشفافة أمام سكانها، كما تيسر التواصل بينهم، وأيضاً تمكنهم من متعة جمالية تتحقق بمشاهدتهم هذا النوع من العمارة الذي تم تطعيمه بالخيال.

علامات معمارية
تخصصت زها حديد في هذا النوع من العمارة ذي الخصائص المستقبلية، وتحمل مبانٍ كثيرة موزعة عبر العالم توقيعها، في اليابان وأستراليا والعالم العربي وأوروبا وأميركا، ومن تصاميمها، سواء تلك التي نُفذت أو التي لا زالت تحت التنفيذ، جسر أبوظبي وأوبرا دبي والمبنى العائم في دبي وجسر الشيخ زايد في الإمارات، محطة إطفاء الحريق في ألمانيا، المسرح الكبير في الرباط، محطة مترو الرياض، مشروع القبة الألفية في لندن، محطة قطار ستراسبيرغ في ألمانيا، مركز فاينو للعلوم ومركز الفنون الحديثة في روما، مركز حيدر علييف في باكو، وغيرها من الصروح التي يضيق المجال عن ذكرها، وقد أشادت بإنجازات زها حديد لجنة تحكيم جائزة بريتزكر التي فازت بها سنة 2004 وتمنحها «مؤسسة هيات المالكة لسلسة فنادق ريجينسي» فوصفت أعمالها بأنها: «إسهامات مهمة وباقية للبشرية».
وتصاميمها حسب تعبيرها: «تتفاعل مع المدينة وتمنح الناس مكاناً يتواصلون فيه، فالذين يتابعون أعمالي يعرفون أن خلق أماكن عامة يمكن للناس استعمالها بحرية، كما تسمح للمدينة بأن تنساب بطريقة سلسة وسهلة»، وما ميز هذه التصاميم أنها اتخذت اتجاهاً معمارياً واضحاً يتكئ على خلفية فنية وفلسفية، لذلك نجدها تجنح لما هو تخييلي وتجريدي، وما حقق خصوصية إنجازاتها العمرانية حسب بعض النقاد، أنها تقوم على دعامات عجيبة ومائلة وتتمتع بالانسيابية وتتحدى الجاذبية لدرجة أنها تشبه سفن الفضاء، كما وصفها أندرياس روبي. وما يلاحظ على هذه الأعمال أنها قطع فنية منجزة من قبل فنانة مرهفة الحس تطلق العنان لخيالها أثناء إنجازها تصاميمها من دون تغييب الصرامة العلمية، كما أن أعمالها تحمل عنصر المفاجأة فتنزاح عن المعتاد والمتعارف عليه في مجال المعمار.

انتقادات
وككل المبدعين الكبار هناك من ثمن تجربة زها حديد واعتبر ما أنجزته نوعاً من البطولة، لكن هناك من انتقدها، واعتبر تصاميمها صعبة التطبيق وصادمة، وفجة، ومستفزة، ومربكة بصرياً، ونشازاً.. حيث لا تراعي محيطها أو تكترث به، وأيضاً تكاليف إنجازها باهظة، ومن هنا يتأكد بأن مسيرتها الحافلة بالإنجازات لم تكن مفروشة بالورود حيث لاحقتها الانتقادات كما سبق ورأينا وتعيد ذلك إلى كونها عربية: «في اللحظة التي تم قبول كوني امرأة، فإن كوني عربيّة أصبح إشكاليّة»، ومن ثم تكون قد عانت من انتقاد اتخذ لاحقاً منحى سياسياً خاصة في المرحلة الأخيرة من حياتها، فخسرت بعض الصفقات بسبب ذلك، لكن رغم المصاعب التي اعترضتها ظلت محبة للتحليق عالياً في سماوات الإبداع، وتصاميمها أيضاً بدت محلقة، وعبارة عن قطع فنية ضخمة، شكلتها بحس فني عالٍ، وقد صرحت مرة أنها لو لم تكن معمارية لكانت فنانة تشكيلية، وبالإضافة إلى العمران فقد صممت زها حديد المجوهرات والأثاث والأحذية.
لكن هل خصوصية إنجازاتها المعمارية وفرادة تصاميمها نابعة من اتكائها على أسس فلسفية وفنية أم عبقريتها هي ما مكنها من تحقيق ذلك، أم تضافر الجانبين هو ما جعل منها أسطورة في مجالها؟

أثر المستقبلية والسوبرماتية والتفكيكية
ظهرت المستقبلية في إيطاليا في بداية القرن العشرين، وتتميز الأعمال العمرانية التي تبنت هذا الاتجاه بخطوطها المحدبة وأشكالها المقوسة التي تتهشم وتتفكك في نفس الوقت مع استخدام خطوط مائلة في العمارة، لكن المصممين حرصوا على جعلها تبدو في حالة من الانسيابية والتوازن والتكامل. وفي العمارة بدأت المستقبلية مع المهندس الإيطالي أنطونيو سانت إيليا (1888- 1916)، وفي بيان له حول الموضوع، قال ما يلي: «القيمة التزيينية للعمارة المستقبلية تعتمد فقط الاستخدام والترتيب الأصلي للمواد الخام أو المكشوفة أو الملونة بعنف»، لكن تصاميم هذا المهندس لقيت صعوبة في التطبيق وقتها لتكلفتها الباهظة ولصعوبة توفير المواد الخاصة بالإنجاز.
ونظرة أرهف على تجربة زها حديد تجعلنا نقف على وجود خصائص العمارة المستقبلية في تصاميمها، وقد تأثرت أيضاً بالسوبرماتية أو التفوقية لكازيمير ماليفيتش (1879- 1935) والذي يُعد أحد أهم مراجع التفكيكية، فضلاً عن أن السوبرماتية تضرب بجذورها عميقاً في التكعيبية والمستقبلية، وقد تبنى ماليفتش لغة بصرية قائمة على الشكل الهندسي الخالص والنقي الذي لا تشوبه شائبة وينبئ بعوالم لا نهائية، فحاول ترجمة أفكاره ورؤاه ليصبها في الرسم، واعتمد أساساً على المربع والمثلث والدائرة والمستطيل، بالإضافة إلى خطوط رفيعة مستقيمة ومنحنية، وما ميز هذه الأشكال هو طفوّها على خلفية بيضاء فبدت سابحة في فضاء لا متناهٍ. ونجد خصائص هذا الاتجاه أيضاً في تصاميم زها حديد، التي حاولت تطويع خصائص السوبرماتية لتجربتها، فقامت بتبسيط المستقبل الذي يتجاوز مجال الرؤية بالعين المجردة، وتقديمه بطريقة فنية تمزج فيها الرؤية العلمية مع التصور والفلسفي والفني، لتبدو أعمالها وكأنها سابحة في الفضاء، كما استلهمت حركية الأشكال والخطوط.
واتكأت أيضاً في تصاميمها على العمارة التفكيكية التي ظهرت سنة 1971، وهذه الحركة مستمدة من تفكيكية جاك ديريدا، والتفكيكية في العمارة تعد أشكالاً مستحدثة وتؤسس للمختلف بطريقة التهديم والتفكيك، وهو اتجاه ينطوي على أشكال هندسية غير منتظمة، فيتم تفكيك التشكيل والنحت والمزج بينهما في شكل معماري واحد لمنح البناء قيمة تعبيرية خاصة، فتميل التصاميم إلى التعقيد، ويتم في بعض الأحيان استعارة مفردات وأشكال تراثية لتوظيفها في هذا النوع من العمران، وسر فرادة التصاميم العمرانية القائمة على التفكيكية أنها تجنح بالمتلقي إلى عالم خيالي، حيث تبدو الأبنية وكأنها فُككت وأعيد جمعها لتسبح في الفضاء متحدية قانون الجاذبية.
وتفكيك الأجسام وإعادة تشكيلها ليس عشوائياً في الاتجاه التي تبنته زها حديد في تصاميمها، وإنما كان مقصوداً، فالأشكال الهندسية تبدو متحركة في كل الاتجاهات، موسومة بالتوتر والتشتت والتفجر والتشذر والتداخل بعضها في بعض أحياناً، لكن ما يميزها هو الانسجام والتوازن، فتحيل بالنتيجة على انسجام وتوازن الكون الواسع بكل مكوناته، فتكون بذلك زها حديد قد سحبت نفسها إلى منطقة معزولة عن أسس الهندسة الإقليدية والتي دعت التفكيكية إلى هدمها من خلال التفكيك والتهديم وإعادة التشكيل.
ومنجزاتها العمرانية تدفع بالمتلقي إلى الحيرة، فلا يصل من خلال مشاهدتها إلى مغزى محدد، حيث تظل مفتوحة على التأويلات المتعددة كما تمكنه من متعة جمالية باذخة، وهذا يؤكد كون هذه النوع من البنيان بالإضافة إلى جماليته البصرية فإن له بالضرورة أثره الروحي حيث يمكن اعتباره تصويراً روحياً لأشكال هندسية كما هو الأمر في السوبرماتية، فتكون زها حديد قد شكلت أعمالها بطريقة فنية لتبدو الأبنية التي أنجزتها وكأنها نزلت ضيفة من الفضاء على الأرض وقد استمدت جماليتها من ذاتها.

أسباب الجرأة والاختلاف
اتكأت زها حديد في تصاميمها على المستقبلية والسوبرماتية والتفكيكية وهذه الاتجاهات تمتد جذورها بعضها في بعض، الأمر الذي جعل أعمالها تتسم بالتعقيد واللاانتظام الهندسي والحرية والجرأة، وهي أمور مكنتها من تحقيق انتمائها للاتجاه البنائي الحديث حسب تصنيف جينكز لعمارة التفكيك، والتي من روادها برنارد تشومي وفرانك غيري وزها حديد نفسها التي تتلمذت على يد ريم كولاس المثير للجدل على مستوى العمارة المستقبلية، وكانت انطلاقتها من مكتبه، وهؤلاء المهندسون الذين ذكرناهم اختاروا هذا النوع من العمارة، وتلخصت رؤيتهم للتفكيك في تحدي الجاذبية والتغلب عليها من خلال إنجاز أبنية تبدو وكأنها محلقة في الفضاء. ومن إيجابيات العمارة المستقبلية حسب ريم كولاس، أنها منفتحة على كل الطبقات، وخاصة المتاحف والحدائق والمسارح، التي تفتح أبوابها لكل شرائح المجتمع، كما أن واجهاتها الزجاجية وطرق تصميمها تشي بما في داخلها فيعرف الجميع حسب تعبيره بأن: «ثمة شيئاً يحصل في الداخل»، ويمكن اعتبار هذا النوع من العمارة مقرطة للفن، والذي هو في الغالب الأعم نخبوي.
وبناء على ما سبق يمكننا التأكيد على أن الصروح العمرانية التي صممتها زها حديد ستظل قائمة لتخبر الأجيال المقبلة عن أسطورة تلك المرأة العربية التي تحولت إلى أيقونة معمارية ونجمة متألقة في مجال تخصصها، فأبدعت أعمالاً تتجه للمستقبل وأسهمت في صنع جمالية فضاءات كثيرة، والدليل على عبقريتها ذلك العدد الكبير من الجوائز والأوسمة والشواهد التقديرية التي حصدتها، وسنذكر بعضها فقط لضيق المجال، فقد حصلت على جائزة الدولة النمساوية للسياحة وتم اختيارها كرابع أقوى امرأة لعام 2010 حسب تصنيف مجلة التايمز كما منحت لها جائزة «توماس جفرسون للهندسة المعمارية» لسنة 2007، وحصلت على وسام التقدير من الملكة البريطانية كما تم منحها وسام الشرف الفرنسي في الفنون والآداب وسمتها اليونسكو فنانة السلام.

رهافة فنية
أعمال زها حديد أقرب إلى قطع فنية منجزة من قبل فنانة مرهفة الحس، تطلق العنان لخيالها أثناء إنجازها لتصاميمها دون تغييب الصرامة العلمية، كما تحمل عنصر المفاجأة فتنزاح عن المعتاد والمتعارف عليه في مجال المعمار.

سفن فضائية
مشاريع زها حديد تشبه سفن الفضاء، التي تسبح دون تأثير الجاذبية في فضاء مترامي الأطراف، لا يوجد فيها جزء مرتفع ولا جزء منخفض، ولا واجهة لها أو خلفية، فهي مبان في حركة انسيابية في الفضاء المحيط، ومن مرحلة الفكرة الأولية لمشاريع زها إلى مرحلة التنفيذ، تقترب سفينة الفضاء إلى سطح الأرض، وفي استقرارها تُعتبر أكبر عملية مناورة في مجال العمارة.

أندرياس روبي