الاتحاد

الملحق الثقافي

جورج طرابيشي.. المختلف الحقيقي

جورج طرابيشي

جورج طرابيشي

حنا عبود

ظعن جورج طرابيشي عن هذا العالم، وترك خلفه ما يخبر عنه وعن مواقفه كما كانت الأطلال تخبر عن سعدى وسلمى وسعاد وأم أوفى... وما الأطلال سوى معالم لم تعد تسكن ولا تستعمل، وهل ما تركه جورج غير ذلك؟ بل الأقسى في معاناته النضالية أنه وهو في الحياة لم ير شيئاً مما كتب واقترح يؤخذ به، كما قال لنا يوماً بأن المثقف في العالم المقهور يغني في الطاحون، لا يسمعه أحد سوى نفسه. وهو لا يقصد بهذا أي موقف عبثي من النضال الفكري في العالم الشرقي، بل يأسى لأن السلطة في هذا العالم المنكود مصنّعة، ما يجعلها تعتمد ما لا يشجع تداول الفكر الحرّ. لكنه كان يؤمن كثيراً بسلطة الثقافة والأدب والفن، باعتبارها السلطة الأنقى والأكمل والأعمق... وإنْ كانت تعمل على الموجات الطويلة. ولم يفقد أمله في كل الظروف التي مرّ بها أو مرّت به.

كان جورج يعي كل الوعي واقع ما يعيشه الشرق، ويرى أن المشكلة في السلطة والإدارة وليس في الفكر، فالفكر في رأيه مسيّر من السلطة وليس مخيّراً، فلم يعرف هذا الشرق مفكراً اعتلى السلطة وبات مسؤولاً عما يجري، على عكس صديقه اللدود محمد عابد الجابري الذي كان يرى العلة في الفكر المشرقي، ولكن لهذا حديثاً لاحقاً، فلنرجئه الآن.
كان له نشاطه الخاص المتميز. أمضى في الدراسة الجامعية خمس سنوات، من غير أن يأتي إلى الدروس ولو مرة واحدة، فقد أسندت إليه مهام في الصحافة، وكان وهو يعمل في الصحافة يقوم بالترجمة، وكان وهو يقوم بالترجمة يؤلف ويبدع، وكان وهو يؤلف ويبدع يشارك في التظاهرات الطلابية، خاصة ضد الحركة الانفصالية التي فصمت عرى الوحدة بين سوريا ومصر.
في الجامعة كان يبذّنا جميعاً ويتقدّمنا في كل شيء، إلا في السن، فقد كان الأصغر سناً منا جميعاً: كان يتقدمنا في اللغات (قال ذات مرة: قبل الفطام كنت أتقن الفرنسية) وفي النشاط السياسي وفي الأدب وفي الفن وفي الفلسفة وفي نظرية الجمال وفي علم النفس... وكان من أوائل الذين أدخلوا الفرويدية والوجودية والهيغلية إلى بلاد الشام بترجماته التي لا تكاد تحصى... كان كتلة نارية من النشاط المحموم. سبقنا في التعمق والدراسة إلى الوجودية والفرويدية والماركسية والحداثة، فكان رائدنا في هذه المجالات، وإنْ كان معظمنا انخرط في النشاط السياسي، وقلة اتبعت النشاط الثقافي والفكري الذي ارتاده جورج طرابيشي. كنا نتوقع أن يكون عبد الرزاق أيوب تالياً لجورج (كنا نتهامس ونسميه فيما بيننا «عبد الرَّق أيوب» أي عبد الكتاب، فلم يُر في الجامعة إلا متأبطاً كتاباً) لكنه آثر السياسة، أو جرفته السياسة، وأيضاً أصابتنا الخيبة فيما توقعناه له.
وأيضاً سبقنا جورج إلى العالم الغربي. كنا نجاريه في معرفة الغرب من خلال الكتب والمجلات والصحف والإذاعات. وهي معرفة تختلف كثيراً عن معرفة من يعيش في قلب الغرب. ذهب جورج إلى الغرب وهو في سن النضج والوعي الثقافي الشمولي. وفي الغرب لم يغيّر مواقفه، لا من الفكر الشرقي ولا من الفكر الغربي، ولا من الرجعية العربية، ولا من الاتجاه المغربي للحط من مساهمة المشرق في الفكر العربي، ولا من المذاهب والمدارس الأدبية، وإنْ مال إلى الفرويدية كثيراً، وكان من أوائل من اعتمد التحليل النفسي في دراسة الأدب، وليس إسهامه في ذلك قليلاً.
لم يؤثّر الغرب في جورج، ولكن جورج لم يؤثّر في الغرب، فحصل له هناك ما حصل له هنا في بلاده العربية، الخيبة تتلو الخيبة، وشارفت الظعائن على الرحيل، ولم تتقد شعلة الأمل ولو ببصيص. ومع أن نشاطه ازداد كثيراً في الغرب، إلا أن ذلك لم يعن شيئاً في عجلة التطور، ولا في الارتقاء إلى الفكر النبيل، فقد ظل الغرب غرباً كما عرفه العالم في فتوحاته في العصر الكولونيالي... تغيّرت الأساليب، فصارت أخبث وأدهى، ولكن المردود المادي ظل كما هو، إنْ لم يكن قد ازداد أكثر مما كان في عصر الكولونيالية.
إذن، احتفظ جورج بموقفه لقناعة لا لعناد. لم يتواطأ مع الغرب، ولا ذمّ الشرق، كما يفعل بعض المستغربين الذين يشعرون أنهم باتوا غربيين حقاً، فتلمس منهم موقفاً استعلائياً ورؤية غربية مفتعلة، في الوقت الذي ينظر إليهم الغرب أنهم دخلاء على حضارته.

شرفة على أطلال الطرابيشي
أشرنا من قبل إلى موقف جورج بأنه صادر عن قناعة وليس عن عناد أو مكابرة. ولكن ما هو هذا الموقف؟ هل هو موقف المثقف الذي يتفاخر بثقافته، لا لشيء، وإنما ليفرض سلطته الثقافية، كما نجد لدى الكثيرين من المثقفين الذين يطلق بعضهم عليهم لقب «انتليجنسيا» مع أنهم أبعد ما يكونون عن مواقف الأنتليجنسيا الروسية وغير الروسية؟ أما جورج فيستحق لقب الإنتليجنسيا بجدارة، فقد أتقن واستخدم كل الأدوات المعرفية، من أجل تحقيق هدف واقعي، وهذا ما تميزت به الإنتليجنسيا الروسية، في الدرجة الأولى. الميدان الذي لم يقربه جورج وهو الميثولوجيا، أيضاً لم تقربه الإنتليجنسيا الروسية ولا خاضت فيه أبداً. أما ميدان علم النفس الذي مال إليه جورج أكثر من غيره، فلم يكن مزدهراً ولا معروفاً أيام الإنتليجنسيا الروسية، ونظن أنه حتى لو كان معروفاً، لما أولته تلك أهمية كبيرة.
كانت الثقافة عند جورج أداة لتمكين موقف وفتح كوة لعبور النور عسى أن يتحقق مأرب رفيع المستوى كالذي حكى عنه الناقد الكبير والمفكر العظيم لونجينوس الذي يرى أنك إنْ أردت أن تكون نبيلاً، فعليك أن تمارس النبل في كل شيء... إلخ، وموقفه باختصار هو البحث عن خلاص للعرب، ثم انتقل فيما بعد للبحث عن خلاص للشرق بكامله، ثم انتقل إلى المستوى الأكبر وهو خلاص الإنسان، أي التحرير النبيل للبشرية. ليس خلاصاً عشوائياً، بل هو «الخلاص النبيل» الذي وحده يدوم، أما الخلاص على يد الآخرين فيعني التخلي عن الحرية ناهيك عن «الاستقلال» المعلن لفظياً. فلا يريد للعرب أن يتحرروا- وهو يراهم اليوم بالذات، أكثر استعباداً للغرب من قبل- عن طريق المنة، مع أنه يزيدهم تبعية بتقديمه لهم بعض فتات الصناعة، يريد التحرر بمعناه الكامل، فأنت لست حراً إنْ لم تفكر تفكيراً حرّاً. والفكر الحرّ هو ما يستخدم من أجل قضية عامة، ولا ينحصر بمنفعة خاصة. هذا «الخلاص النبيل» محطة كبيرة في أطلال جورج.
جرّب حزب البعث والناصرية والماركسية والفرويدية والوجودية، وكيلت له اتهامات كثيرة في أنه يغيّر موقفه... وليس هذا بموقف، وإنما اكتناز ثقافي، لأن الرجل في البعثية أو الناصرية أو القومية العربية أو الماركسية أو الفرويدية... كان دائماً يعمل من أجل «الخلاص النبيل». وهنا لا بد من الإشارة إلى أنه لم يتنكر للشعارات التي كان ينادي بها، بل تنكر للمخادعة في تصرف مستخدمي هذه الشعارات، فمن يصدق أن يقف جورج ضد الوحدة العربية؟ إلا أنه في نقاشه لهذه المسألة صفّى الحسابات بين الأقوال والأفعال، بين الشعارات والأعمال. واستخدامه الفرويدية لم يغيّر من موقفه شيئاً. وكذلك استخدامه الوجودية، وبصورة خاصة «المسؤولية» التي أكبرت الوجودية من شأنها، من غير أن يقف عند المسؤولية الفردية كالوجودية، ففي لمحاته التاريخية لا يكتفي بمسؤولية الحاكم، بل يجعل الطبقات المحكومة أيضاً مسؤولة عن تحررها.

الجابري وطرابيشي
نعود إلى ما أشرنا إليه وهو الجدال الطويل بين الجابري وطرابيشي، الذي امتدّ سنوات، واستغرق مجلدات ضخمة، ورحل الرجلان ولم ينته. هنا لسنا في معرض العرض، بل الإشارة إلى النواة الحقيقية للخلاف. فالجابري يرى أن المشرق يقوم على الفكر الهرمسي، بينما يقوم المغرب على الفكر الموضوعي، أو على الأقل لم يؤثر فيه الفكر الهرمسي إلى الدرجة التي يصبح فيها أسيراً وخادماً لهذا الفكر، بمعنى آخر هناك مشرق يحكمه عالم الغيب، ومغرب يحكمه عالم الواقع المادي الملموس. ولديه حجة كبرى في هذا المنحى وهو لوح الزمرد الذي كتبه هرمس، ووصل إلى جابر بن حيان، وهو لوح فيه الكثير من الممارسة «السحرية» إنْ صح القول، ولكنه يشتمل على وصايا استغلها العلماء، ومنهم جابر بن حيان الذي يسجل له التاريخ إسهامه الكبير في علم الكيمياء. ولن نكرر هنا بقية الأطروحات التي تقدم بها هذا المفكر الكبير، فنكتفي بهذه النواة المركزية التي عليها- نعتقد- قامت كل المشادات بين الرجلين.
وهي مشكلة لا تزال مطروحة، فـ «لوح الزمرد» لم يصل إلى جابر بن حيان وحده، بل وصل إلى روجر بيكون العالم الكبير الذي ادعى أنه استفاد منه في اكتشافاته العلمية. وقيل إن هذا اللوح بحوزة فرنسيس بيكون، لأنه ذكره في كتاباته. فالسؤال الأكبر الذي طرحه طرابيشي: لماذا لم يؤثر اللوح في الغرب كما أثر في الشرق؟ ولماذا قامت المؤسسات في الغرب، بينما لا أثر لها في الشرق؟ هناك مسيرة اجتماعية، هناك نشاط تقوم به الطبقات ونشاط يقوم به الحكام، وفي الشرق أخفق الطرفان في بناء المؤسسات العلمية التي أتقن الغرب تنظيمها والاستفادة منها. كان شارلمان أميّاً ومتديّناً إلى حد بعيد، ومع ذلك أسس أكاديمية للأبحاث العلمية. كان معاصراً وصديقاً لهارون الرشيد المتعلم والمتديّن، فلم تقم أكاديمية لا في أيام الرشيد ولا بعد أيامه. ولا يعني هذا أن الغرب قصّر في نشر المدارس الدينية، بل شجعها وزاد منها، ولكن هذا لم يمنعه من «الاهتمام بهذا العالم» لأنه «الطريق إلى العالم الآخر» كما كان يعتقد شارلمان.
على أن الجدال تركز أيضاً حول المشرق الهرمسي والمغرب الواقعي. وهي مسألة حسمها الواقع، حيث لم يتقدم المغرب على المشرق في شيء، بل عندما اجتاح التخلف العرب، لم يقف عند حدود المشرق، بل اكتسح المغرب، وربما كان اكتساح المغرب أشد من اكتساح المشرق... لم يستطع فكر ابن رشد وابن خلدون ولا غيرهما من وقف الانهيار، الذي كان في بعض جوانبه أكثر مأساوية من انهيار المشرق. والفكر الواقعي في مكافحة الاستعمار الغربي لم يثمر في المغرب أكثر مما أثمر الفكر الهرمسي في المشرق، فقد استقلت دول المشرق قبل دول المغرب...
يمكن الإكثار من هذه الحوارية الثقافية الكبرى، ولكن الأهم من ذلك أن الرجلين، وهما من كبار المثقفين، يجتمعان في موقف واحد، وهو أن الغائب يجب ألا يحكم الحاضر، وأنه من الواجب مجاراة العقل البشري الجديد، فلا حجة للتخلف عن الركب. وعندما رحل الجابري رثاه جورج بكلمات مؤثرة جداً، ورأى أنه حرك الفكر العربي من أقصاه إلى أقصاه.

الفارس الذي رحل
رحل جورج بعد أن ناضل وخاص معارك سياسية وفكرية كثيرة، وخرج من هذا العالم من غير أن يحقق أي مطمح، ومن غير أن يكسب أي قضية. وبالفعل، فإن جيلنا جيل الخيبات المتلاحقة، فقد فشلنا في معركة الديمقراطية ومعركة التحرير ومعركة الثقافة ومعركة الحرية ومعركة الوحدة... ماذا؟ هل نعدد كل خيباتنا؟!... خسرنا كل هذه المعارك ولكننا ربحنا أنفسنا في الإصرار على «الخلاص النبيل». وهكذا وجد جورج نفسه فارس وهْم في جيش الأحلام والمشاريع الخائبة الذي يقوده البطل ذو الوجه الحزين، السيد دون كيشوت، مولانا وسيدنا وقائدنا، له المجد والكرامة الذي رغم اندحاره في معاركه الكثيرة، لو عاد إلى الحياة لخاض هذه المعارك الخاسرة، بكل الشرف والكرامة والعزة وعلوّ الهمة التي اشتهر بها، بل لو تكررت عودته إلى هذا العالم ألف مرة لما توانى عن خوض معاركه بالإيمان نفسه، وبالعزيمة نفسها لتحقيق الهدف نفسه «الخلاص النبيل». إن الخيبة لا تغيّر المبدأ النقي ولا تلوّث القلب الطاهر. وكما رحل قائدنا وظلت أطلاله تلهمنا، رغم الخيبات، كذلك رحل جورج طرابيشي، أحد فرسان مائدته المستديرة، وبقيت أطلاله تشهد وتحرض.

سبّاح ثقافي عنيد
نعرف الرجل مما ترك بعده من آثاره التي ستصبح من جملة التراث، والأرجح أن تتحول، كغيرها، إلى أطلال. وكما تُعرف أطلال هند وعبلة، كذلك تُعرف أطلال جورج. والطائف في هذه الأطلال سينتهي إلى أن الرجل كان مخلصاً كل الإخلاص لنفسه وفكره ومواقفه. وانتقاله من البعث إلى الناصرية إلى الوجودية إلى الماركسية، وأخيراً إلى الفرويدية التي آثرها على غيرها من المدارس، ليس عيباً ولا مثلبة، فحتى ينضج المثقف، لا بد من أن يسبح في مرجل الثقافة المتنّوع. وعدم الوصول إلى ميناء ليس نقصاً في السابح، بل النقص في الموانئ العربية والغربية. وكان جورج سابحاً، بل سبّاحاً عنيداً.

اقرأ أيضا