الاتحاد

الملحق الثقافي

محمد الماغوط: أبوظبي أندلس جديدة

كان يتمشّى على الكورنيش حيث تنشقُّ الجاذبية عن جاذبيات أكثر جمالاً

كان يتمشّى على الكورنيش حيث تنشقُّ الجاذبية عن جاذبيات أكثر جمالاً

أحمد فرحات

في 3 أبريل الجاري صادفت الذكرى العاشرة لرحيل الشاعر والمسرحي الكبير محمد الماغوط (1934 - 2006)، هو الذي كان عاش سنوات بحالها في الإمارات، بدءاً من مطالع الثمانينيات من القرن الفائت، عمل خلالها مسؤولاً للقسم الثقافي في الزميلة «الخليج» في الشارقة، ومؤسساً لـ«الملحق الثقافي» فيها، بالتعاون مع الإعلامي المرموق د. يوسف عايدابي. وقد ترك هذا الملحق بصمات رياديّة في المشهد الإبداعي الإماراتي الحديث، خصوصاً لجهة تدعيمه ولادة جيل شعري وقصصي جديد ومستأنف، جسّدته أسماء إماراتية برزت بقوة في ما بعد في المشهدين الأدبيين، المحلّي والعربي. على المستوى الشخصي، احتفظ الماغوط بذاكرة طيّبة، غنية، ملؤها المحبة والشغف بالإمارات، إنساناً ومجتمعاً وأرضاً وجماليات لا تحصى، عكستها تجلّيات التقاء الصحراء بالبحر، أو التقاء الأصفر بالأزرق كما يُوصّف، ثم يُعيّن بأنه «هناك فقط كنتُ أنتصر على طيور الهمّ في رأسي، وأرغمها على التحليق منه فوراً».. و«هناك فقط كنت أجد أعماق قلبي أبعد من أطراف العالم كله».
هنا قراءة مكثفة في شعرية الماغوط وشخصيته وعلاقته بالإمارات كشاعر صافي الذهن، حادّ المزاج، لطيف المعشر وكبير النفس.

سعيد الجزائري، رئيس تحرير مجلة «النقاد» الأسبوعية الثقافية التي كانت تصدر في دمشق في الخمسينيات من القرن الفائت، هو أول من غامر ونشر له قصائد نثرية، اعتبرت في حينه خروجاً على القواعد والأعراف الشعرية والأدبية التي «يعاقب» عليها «قانون» الموروث الشعري وحراسه التقليديون.
لكن بيروت، هي التي احتضنته وأطلقت شهرته مدويّة في الآفاق الشعرية والثقافية العربية، ولاسيما بعدما اطلع على أشعاره في البدايات كل من ألبير أديب ويوسف الخال وجبرا إبراهيم جبرا وأدونيس، وقالوا إن هذه نقلة نوعية وتاريخية مفارقة في الشعر العربي.
لكن الشاعر الكبير محمد الماغوط، والذي تصادف مطالع هذا الشهر ذكرى مرور عشر سنوات على رحيله، سرعان ما التقط اللحظة، وأثبت جدارة إبداعية غير مسبوقة، فرضت نفسها على الجميع.. جميع المعنيين بالشعر العربي الحديث، ولاسيما منهم جماعة مجلة «شعر» اللبنانية، الحاضنة الأساس لأول ثورة شعرية عربية حديثة شقّت طريقها بتحدٍّ واقتدار جريئين في دنيانا الثقافية العربية، والتي انخرط الماغوط فيها وفي اجتماعات «خميسها» الأسبوعي الدوري الشهير.

سخرية إلى آخر القلب
دخوله السجن في العام 1955 ولأسباب سياسية، هو الذي فجّر نقمته على الحال السياسية في بلده وفي معظم الدنيا السياسية العربية، التي لا تحتاج إلى شرح، فشرع يكتب قصائد ذات عصب نقدي ساخر وضارب، حتى آخر النخاع وآخر القلب.
منذ البدايات، كره الشاعر محمد الماغوط الانتماء السياسي المباشر، أي الانخراط في العمل الحزبي على الأرض، لأن ذلك من شأنه الحدّ من حريته ومواقفه العفوية.
محمد الماغوط كتلة توتر وحساسية وسوداوية مضاعفة، لكنها، وهنا الأهم، محفزّة ورائية ومُنذرة بما سيحدث.. ولذلك سمّوه بـ«الغراب» في الخمسينيات، لأنه تنبأ بسيل الهزائم العربية المرعب والمفتوح قبل الأوان.
أعماقه وغريزته وشراهته الحسيّة، هي دوماً مجال تبصّره. إنه يؤلف، وفي استمرار، مشاع انتمائه للجميع.. شعراً لا يفقد البتة خصوبته وحيويته القادرة على الغزو والامتلاك. تراه ينسّق غربته في دوائرها بنوع من نزويّة أسلوبية لا تستعصي على الأفهام، فالماغوط شاعر الصدق المتطرف والتقاء الإحساس بالمصادفات. إنه نتاج تسجيلاته اليومية اللاقطة والمؤلفة ببراعة لمتناثرات الحياة، وهو وإن كرّر موضوعاته في البؤس والهزيمة والإخفاق والحرمان والقمع... إلخ، فإنه يعرف في النتيجة كيف يتحرر من التشابه والمقارعة والنزال إياه، وذلك ببثّه صوراً مغرية ومتجاوزة لأفكاره كشاعر.
لا يحب الماغوط التساؤل بعناية عما يكتب، فمجهودات حدسه هي التي تملي عليه، تقرر وتلزم اللغة بالتعبير، وتضمين الحكم في قصيدته، هو قمة ماهية التجربة الشعرية ومعناها لديه؛ فالماغوط شاعر اعتباطي، عابث، عنيد وتعسفّي، لا يعرف التأليف التجريبي المتقن، ولا الخلاصات الذهنية التثاقفية المركّبة.. لا يعرف التدلّه بالرموز والأساطير والنبوآت على أنواعها وسائر متطلبات التشييد الانتقائي للقصيدة، التي يلجأ إليها بعض أقرانه من شعراء الحداثة العرب. يتعلّم الماغوط التعرّف إلى ذاته، وإلى ما حوله في كل لحظة. إنه يترجم قانونه الشخصي، الفائض، هكذا بالتهكّم والتفكّه والسخرية المرة، وذلك في مناسبة أي واقعة سياسية أو انحراف حياة يستبدّ به، ولا يستريح إلاّ بعد أن ينال من كل ما هو غاشم، محبط ومؤذ لنا، وهو قادر حتى في أدق الظروف حراجة على إعطاء دفعات منعشة لمنظوره الشعري، الذي يُمسك بتلابيبنا، ويُنمّل منّا الرقاب والرؤوس.. لكأنه يزرع ضميراً من دم في كل ما يكتب.. يستخلص الروح البسيط، الضارب أيضاً، وكذلك وجع الأعصاب ودرس القلب، ولكنه يظل يتداعى بالشكاوى المرّة في أرض الواقع المر، الذي يظلّ يفترسه بالكآبات والوحشات المتمادية:
«إنني مريض ومشتاق إليها/‏‏‏‏ إنني ألمح آثار أقدام على قلبي/‏‏‏‏ دمشق يا عربة السبايا الوردية/‏‏‏‏ من قلب السماء العالية/‏‏‏‏ أسمع وجيب لحمك العاري/‏‏‏‏ عشرون عاماً ونحن ندقّ أبوابك الصلدة/‏‏‏‏ والمطر يتساقط على ثيابنا وأطفالنا/‏‏‏‏ ووجوهنا المختنقة بالسعال الجارح/‏‏‏‏ تبدو حزينة كالوداع، صفراء كالسل/‏‏‏‏ ورياح البراري الموحشة تنقل نواحنا/‏‏‏‏ إلى الأزقة وباعة الخبز والجواسيس/‏‏‏‏ ونحن نعدو كالخيول الوحشية على صفحات التاريخ/‏‏‏‏... وافترقنا/‏‏‏‏ وفي عينيك الباردتين/‏‏‏‏ تنوح عاصفة من النجوم المهرولة/‏‏‏‏ أيتها العشيقة المتغضّنة/‏‏‏‏ ذات الجسد المُغطّى بالسعال والجواهر/‏‏‏‏ أنتِ لي/‏‏‏‏ هذا الحنين لكِ يا حقودة»..
شاعر التجربة الحازمة، الحامضة، الساخطة محمد الماغوط.. شاعر التفاهم الضمني الكبير مع القارئ والامتزاج محض الطوعي به. هو أيضاً.. وأيضاً شاعر جِراح ملحمة الهزيمة، بل الهزائم العربية كلها.. شاعر ترسّل الحواس والهذيانات المترنّحة، المتقطّعة إلى آخر حدود وحشيتها وبدئيّتها.

في مقهى «الهورس شو»
المرة الأولى التي التقيت بها الشاعر محمد الماغوط، كانت في بيروت سنة 1970، وتحديداً في مقهى «الهورس شو» في شارع الحمرا، حيث كان يحتسي القهوة بمعيّة صديقه الفنان التشكيلي اللبناني الكبير رفيق شرف، والذي كان الماغوط يهفو إليه في كل صغيرة وكبيرة في الجو الثقافي المحلي والعربي. قدّمني إليه الفنان شرف، وكان في غاية اللطف والكياسة معي، خصوصاً حين حدّثته عن دواوينه: «حزن في ضوء القمر» و«غرفة بملايين الجدران» و«الفرح ليس مهنتي»، وذلك كقارئ شغوف بها وبتفاصيلها الحارقة، التي عصفت بكياني كله وقتها، فما كان منه إلاّ أن سألني على الفور: وما الذي لم يعجبك فيها؟ أربكني السؤال للوهلة الأولى، غير أنني استجمعت قواي كلها وأجبته على الفور: عذراً أستاذنا الكبير، ليتك تتخلّى عن كثرة استخدامك «كاف التشبيه» فيها؛ فما كان منه إلاّ أن علّق قائلاً، والبسمة الماكرة تطفر من عينيه أكثر من شفتيه: «يبدو لي أنك قارئ محترف وخطير، ويُحسب له ألف حساب». أطرقت، ولم أعلّق على ما ذهب إليه؛ غير أنني سرعان ما تابعت الكلام قائلاً: إنك فتحت باباً في الشعرية العربية الحديثة غير مسبوق، هو باب قصيدة النثر الشعبية والنخبوية في آن معاً؛ فالكل تقريباً معجب بتجربتك ومأخوذ بما تكتب، بمن فيهم الشاعر الكبير سعيد عقل، وإن لم يسلم، البتة، بأن ما تكتبه ينتمي إلى الشعر أو «القصيد» كما يعبّر.
الحقيقة أن محمد الماغوط لم يكن يوماً يأبه للنقد والنقاد، ولا للتقييم والتقييمات. كان يكتب، هكذا، على سجيّته، من دون الاهتمام بتصنيف ما يكتبه، أو التسميات التي تُطلق على نصوصه، وهو لديه مفهوم خاص للشعر يسوقه في أحد لقاءاته الصحافية قائلاً: «الشعر نوع من الحيوان البري. الوزن والقافية والتفعيلة تدجّنه؛ وأنا رفضت تدجين الشعر، تركته كما هو حراً؛ ولذلك يخافه البعض. وأعتقد أن «قصيدة النثر» هي أول بادرة حنان وتواضع في مضمار الشعر العربي، الذي كان قائماً على القسوة والغطرسة اللفظية، كما أن هذه القصيدة مرنة، وتستوعب التجارب المعاصرة بكل غزارتها وتعقيداتها؛ كما أنها تضع الشاعر وجهاً لوجه أمام التجربة، وتضطره إلى مواجهة الأشياء دون لفّ وراء البحور، أو دوران على القوافي. ليس لديّ مزاج لأبحث عن قافية وبيت»... «أنا لا أجيد التنظير مثل أدونيس، ولست خبيراً زراعياً، كي أقول ما نوع هذه الشتلة، وكم تحتاج من أسمدة كي تحيا، لكن ما أعرفه هو أن قصيدة النثر جاءت كضرورة حتمية لإلغاء ديكتاتورية الشعر الكلاسيكي. إنها أشبه بعملية بتر لكل الأطراف والزوائد كي تصل إلى الصدارة، من دون زكاة من رأسماليي الأوزان والقوافي، باعتبارها رؤية جديدة للعالم وسط زحام الاعتبارات الشاحبة وتقاليد الطرب ورقص الكلمات».
ولعل أجمل من عكس فهم موقف الشاعر محمد الماغوط هذا من التقييم والتقييمات إزاء شعره، هو الناقد الكبير عصام محفوظ الذي قال: «مع الماغوط أفضِّل أن أنفعل كشاعر على أن أحلّل كناقد، فهو الصوت الذي يختصر كل أصوات الذين لم يستطيعوا أن يكونوا شعراء».

الماغوط في الشارقة
تعدّدت لقاءاتي بعدها بالشاعر محمد الماغوط، خصوصاً بعدما انخرطت في العمل في الصحافة اللبنانية، وتحديداً في الجانب الثقافي فيها، أوائل العام 1975؛ وكنت أتردّد على دمشق للقاء به في منزله، ومن ثمّ لاحقاً في المقهى الشهير لفندق الشام وسط العاصمة السورية، وفي بعض المقاصف التي كانت يختارها هو بعيداً عن زحمة المدينة، ومنها مقهى أبو شفيق على نهر بردى، والذي كتب فيه أغلب مسرحياته وأعماله السينمائية والروائية، ومنها مسرحيات: «غربة» و«شقائق النعمان» و«كاسك يا وطن»... إلخ.
ذات يوم في العام 1979 أخبرني الماغوط أنه سيسافر إلى دولة الإمارات للعمل في صحافتها، وطلب مني مراسلته من بيروت، وهذا ما حصل بالفعل، إذ التحق بالزميلة «الخليج» في الشارقة أوائل الثمانينيات من القرن الفائت، وأسّس «الملحق الثقافي» فيها، بالتعاون مع الإعلامي والمثقف القدير د. يوسف عايدابي، والذي، ولا شك، كانت له، ولا تزال، بصمات بيض اعتبارية على الحراك الثقافي في إمارة الشارقة خصوصاً، وسائر إمارات الدولة عموماً.
أما تأثير الشاعر محمد الماغوط في المحيط الثقافي الإماراتي، فقد حدّثني عنه مطولاً الشاعر الإماراتي الراحل أحمد راشد ثاني، الذي كان يعتبر نفسه «تلميذاً حرّاً» للماغوط، وأنه تعلّم منه الكثير، كما تعلّم غيره من شعراء الإمارات، وكذلك الشعراء والأدباء العرب ممن أقاموا، ولا يزال البعض منهم يقيم في البلد، بخاصة على مستوى مواكبة مسار الحداثة الشعرية العربية، عبر روّادها الكبار المعروفين، ولاسيما من كان منهم منخرطاً في مجلة «شعر»، كالشاعر الكبير أنسي الحاج، شريكه في ريادة قصيدة النثر وترسيخها عربياً، ومما قاله لي الصديق أحمد راشد: «علّمني الماغوط كيفية ضبط كتابة القصيدة النثرية، والألفاظ التي ينبغي استخدامها، وتلك التي يُستحسن تجنّبها في مندرجها. كان أستاذي في كل شأن أدبي آخر أكتبه أو أتولاّه، من دون أن يجعلني أحسّ يومأً بشعور التلمذة أمامه.. على العكس، كان يكره ويتحاشى دوماً، وعن قصد، أن يقوم بدور المُعلّم الشعري أو الأدبي لأحد، لكنه، من جهة أخرى، كان متعاوناً للغاية مع الجميع، من شعراء وكتّاب إماراتيين وعرب، ممن كانوا يدفعون إليه بنصوصهم لنشرها في «الملحق الثقافي»، ومنهم القاصة الإماراتية سلمى مطر سيف، حيث نوّه الماغوط بتجربتها أكثر من مرة أمامي، ودفع بها إلى الأقصى، وكذلك كان شأنه مع الشاعرة الإماراتية ظبية خميس، وبالنسبة إليّ، على الأقل، (والكلام لأحمد راشد) كان يعرف كيف يمرّر ملاحظاته على أي نصّ لي كنت أعرضه عليه، وبذكاء عجيب، وبعيداً عن أي خلفية نقدية ادّعائية متغطرسة، فأقبل الملاحظة منه وكأنها ليست ملاحظة».
وكان الماغوط – والكلام بعد للشاعر الصديق الراحل أحمد راشد ثاني - يساوي إبداعياً بين الشعر بالعامية والشعر بالفصحى، مع ميل أحياناً إلى القصيدة العامية (النبطية)، التي كان يستوعبها بتحبّب ظاهر وعميق جداً أيضاً، كيف لا وهو يفتخر بأنه ابن بيئة ريفية بدوية قح؛ وقد «اعترف أمامي أكثر من مرة، بأن القصيدة باللهجة العامية هي أقوى وأبدع من مثيلتها بالفصحى، لأن الصور والمعاني فيها أكثر سخونة وصدقاً انسيابياً، فضلاً عن «عجائبية» التركيب الطبْعي لبنية عمارتها النفسية واللغوية».
ويردف أحمد راشد: «دفعني الماغوط إلى الانخراط في الكتابة المسرحية، من دون أن يدري هو، كونه زاول الكتابة المسرحية الشعبية الساخرة أيضاً، إلى جانب تآليفه الشعرية والأدبية الأخرى المعروفة. وبالفعل عمدت أنا لاحقاً إلى كتابة المسرحية بنَفَس شعري، وعمارة شعرية شديدة الكثافة، خصوصاً بعدما غادر محمد الماغوط الإمارات بسنوات، وكذلك نشرت دواويني الشعرية بعيداً عنه، لكنني ظللت مهجوساً به، ومنفلتاً بخصوصيتي الكتابيّة في آن معاً، حتى اللحظة».

الماغوط والمكان الإماراتي
وعن مرحلة الماغوط الإماراتية، مكاناً وإنساناً وثقافة، سألت الماغوط نفسه، خصوصاً وأنني كنت مراسلاً لـ«ملحقه الثقافي» يومها من بيروت (باسم مستعار، وبإصرار منه شخصياً على هذه المراسلة دونما ادّعاء)، فأفادني بأنه «أحبّ الإمارات بإخلاص، وشغف بالإقامة فيها حتى الثمالة»؛ ورأى فيها «بلداً عربياً جديداً وحيوياً بنهضته، ورمزية هذه النهضة، التي هي مفخرة لكل عربي يريد أن يرى أمامه ترجمة عملية للتنمية البشرية والمدينية الحقيقية»، وقد أسرّ لي في ذلك الزمن، (وهو ليس من عادته أن يمدح أو يقدم الولاءات لأحد، كما يعرف الكثيرون) قائلاً وبالحرف الواحد: «تقتضيني أمانة الشجاعة، أو شجاعة الأمانة، أخي أحمد، أن أقول لك بأنه لا يوجد بلد نفطي، عربي أو أجنبي، في العالم كله، يُنفق مال النفط بسخاء على الإنسان وتنميته وتطوير بلده وتعزيز رفاهه، كما يحصل في الإمارات، وعن سابق خطط وسياسات وقرارات رسمية عليا. تعرفني كم أنا صعب الاقتناع بشيء، ولكن كلمة الحق هنا يجب أن تقال يا صديقي، وقولها أحياناً، يكاد يكون معادلاً للشعور بالحرية والامتلاء بها.. وربما أكثر».
كما أشاد الماغوط بأهل الإمارات وكرمهم وطيبتهم وحسن معشرهم، ولذلك «لم أشعر يوماً بغربة في وسطهم، بل كنت، وعلى الدوام، موضع حفاوة وترحيب لا أستحقهما. ولولا ظروف مرض زوجتي لما اضطررت إلى ترك البلد». (توفيت زوجته الشاعرة سنية صالح بالمرض الخبيث في العام 1985).
وأفاض لي الصديق محمد الماغوط حين زرته في منزله في شارع أسامة بن زيد في حي المزرعة في دمشق ربيع العام 2003، قائلاً بأنه كان «مسحوراً حتى الذوبان بالتقاء الصحراء بالبحر في الإمارات»، وأن أجمل نزهة له هناك، كانت تكون حين يجلس وحيداً إلى تقاطع انبساط الأصفر مع الأزرق في الشتاء الإماراتي الدافئ، «فهناك فقط، كنت أنتصر على طيور الهمّ في رأسي، وأرغمها على الخروج منه فوراً».. و«هناك فقط، كنت أجد أعماق قلبي أبعد من أطراف العالم كله».. «في الصحراء فقط، يا صديقي، تنفصل المعرفة عن جهامتها، وتتحوّل إلى ينبوع من اللطف واللين والرقة والدعة، فتقرأ بفرح، وتستوعب بفرح، وتأكل بفرح، وتشرب بفرح، وتتجوّل فيك كائناتها (أي المعرفة) أيضاً بفرح، فتنفض عنك كل الكهنوتيات اليابسة المغلقة، وكل أسباب الحزن الجامد والمتحرّك؛ ويتساوى فيك المدى الأدنى بالمدى الأعلى، على قاعدة من السمو غير المجرّد هذه المرة، يزهر فيك حبّاً وورداً ميزته الأولى والأخيرة، أنه لا يذبل، بل يظل نضراً، جلياً، ساطعاً في مهمته المتجسّدة، وعلى مهل، بإسقاط كل الأقنعة فيك.. قناعاً وراء قناع.. وراء قناع».

على كورنيش أبوظبي
وأخبرني الماغوط أنه كان يزور أبوظبي بين الفينة والأخرى، يتمشى على كورنيشها المعبّأ بخضرة الأشجار الداكنة ومدى البحر العظيم، «هناك، حيث تنشقّ الجاذبية عن جاذبيات أكثر أناقةً وجمالاً، وتكون واحدة من مهماتها، تحويلك إلى مجرد حلم يمشي بوعي منه أنه حلم استثنائي يقظ ومستمر، والذي يتعيّن عليك وحدك في ما بعد أن تترجمه لنفسك قبل أن يترجمه الآخرون لك، لا لشيء إلاّ لأنهم يرونه متجلياً عليك فور التقائك بهم. إنه فعلاً الحلم الاستثنائي الأجمل، وبأضعاف، من ذاك الحلم الاعتيادي الذي يُدركك ليلاً من حيث لا تحتسب».
وإذا كان الشاعر الفرنسي بول فاليري قد عرّف علم الجمال بأنه «علم الحساسية في التقائها الأوليّ بالأمكنة الجميلة، الطبيعية منها وتلك المجعولة على يد الإنسان»، فإن لمحمد الماغوط وِحده حساسِيّته المفرطة، وشعوره الخصوصي المباشر والمفارق هنا، لدى التقائه الأوليّ بمدينة أبوظبي، فقد قال موجّهاً الكلام إليَّ ذات جلسة ندمائية في منزله بدمشق، كان فيها فاتح المدرس ومصطفى الحلاج وجوزيف حرب: «خسرنا أندلساً لنا في أوروبا من زمان، وها نحن نعوّض عنها بأندلس جديدة وأبدية في الخليج اسمها أبوظبي».. أجبته على الفور: نعم، إنها أندلس جديدة، وعلى نحو أكثر تنويعاً بالجماليات والابتكار الإنساني الذوقي الرفيع فيه، (آخذين بالاعتبار طبعاً فارق اختلاف الأزمنة).
لقد دمج محمد الماغوط، كشاعر هنا، الصورة الأنيقة الخارجية للمكان الإماراتي، بالصورة المرآوية الحضارية الداخلية فيه، بحيث تَظَهّرت على الفور، وجوداً أندلسياً جديداً، تنبت صورته هذه المرة، من طرف آخر من خريطة الوطن العربي اسمه أبوظبي؛ هذه المدينة الأنيقة الرائعة وذات الجلال البهي؛ ولا نملك إزاء هذا التخريج الصوري الجديد مع الشاعر، إلاّ أن نستسلم لرؤياه الإدراكية الباطنية، وبأبعادها المتعاكسة كافة.
وكم كان يُؤنس الماغوط، ويُغبطه، أن يتناول العشاء في مطاعم «الخالدية»، حيث يحلو السهر، وتعيد اللغة مجدها ورواءها فيه. ولقد حدّثني قائلاً عن جو الخالدية بأنه كان «جواً سياحياً راقياً، ينافس الأجواء السياحية المماثلة في باريس وروما وأثينا ولندن».
و«الليل في أبوظبي، هو ليل لآلئ من ذهب مصفّى تنافس لآلئ السماء».. أسرّ لي الماغوط بذلك وأردف: «أي عقل هندسي بلور كل هذي التوازنات الضوئية العظيمة، والمتآلفة فيما بينها، انشباكاً مذهلاً مع رصانة الواقع، ورصانة الخيال، ورصانة التعيين، ورصانة الذوق المضاء حتى أقصاه؟».
والإمارات أيضاً.. وأيضاً، أدخلت السرور إلى قلب محمد الماغوط، وقلب عائلته، عندما منحته جائزة سلطان بن علي العويس الثقافية. لقد جعلت الإمارات «الفرح مهنته» على حد تعبيره، بعدما كان هذا الفرح، ولعقود طويلة، «ليس مهنته» على حدّ تعبيره أيضاً. يقول الماغوط للزميلة «الخليج» بعدما وصله نبأ فوزه بالجائزة في العام 2005: «صحتي «مخربطة»، لكن خبر فوزي بجائزة العويس، أدخل السعادة إلى قلبي وقلب أسرتي. نعم، أنا الذي كنت أصدرت مجموعة: «الفرح ليس مهنتي»، تمكنت هذه الجائزة الإماراتية، وبعد هذه».
وأردف: «لولا صحتي المتدهورة (كان على كرسي نقّال ولا يستطيع الوقوف أبداً) لزرت بيتي القديم الدافئ في الشارقة، والتقيت بالدكتور عبدالله عمران، وشربنا الشاي معاً. إن ً؛ وللثقافة في الإمارات أن تفخر بجائزة العويس».
هكذا لا يستذكر الشاعر جماليات الأمكنة وتداعياتها فيه، إلاّ بعد أن يكون قد ابتعد عنها، فتصير في ذاكرته حالة إضمارية أثيرية لا تتحطّم من شدّة رسوخها فيه. ومحمد الماغوط شاعر حسيٌّ بامتياز، لا تضلّله عيونه ولا حواسّه كلها. كان بالفعل صادقاً في حبّه للإمارات، صدقه في حبّه لبيروت؛ وكذلك لمدينته «السلمية» التي عاد إليها «موشّحاً بكفنٍ أبيض كالنساء المغربيات» على حدّ تعبيره في القصيدة التي رثا فيها صديقه في التسكع: بدر شاكر السياب.
محمد الماغوط، أيها المؤهّل الدائم لحراسة الشعر بالشعر. قلت لي ذات يوم بأنك ستستمر في كتابة الشعر، حتى من قبرك، وها أنت بالفعل تكتبه، ولكن بلغة أخرى، هي لغة الصمت والتأمل فينا حتى الثمالة. ألا فلتسمح لي بأن ألوذ معك بصمت مقابل، يُشكّل هو الآخر لغة بليغة جداً.

جنازة النسر
أظنُّها من الوطنهذه السحابةُ المقبلةُ كعينين مسيحيتين،
أظنُّها من دمشق

هذه الطفلةُ المقرونةُ الحواجب

هذه العيونُ الأكثر صفاءً

من نيرانٍ زرقاءَ بين السفن.

أيها الحزن.. يا سيفيَ الطويل المجعَّد

الرصيفُ الحاملُ طفله الأشقر

يسأل عن وردةٍ أو أسير،

عن سفينةٍ وغيمة من الوطن...

والكلمات الحرّة تكتسحني كالطاعون

لا امرأةَ لي ولا عقيده

لا مقهى ولا شتاء

.ثمانية شهور

وأنا ألمسُ تجاعيد الأرضِ والليل

أسمع رنينَ المركبة الذليلة

والثلجَ يتراكمُ على معطفي وحواجبي

فالترابُ حزين، والألمُ يومضُ كالنسر

لا نجومَ فوق التلال

التثاؤب هو مركبتي المطهمةُ، وترسي الصغيرة

والأحلام، كنيستي وشارعي

بها استلقي على الملكاتِ والجواري

وأسيرُ حزيناً في أواخر الليل.

محمد الماغوط

وطني..
أحب التسكع والبطالة ومقاهي الرصيف
ولكنني أحب الرصيف أكثر
.....
أحب النظافة والاستحمام
والعتبات الصقيلة وورق الجدران
ولكني أحب الوحول أكثر.
***
فأنا أسهر كثيراً يا أبي‏
أنا لا أنام‏
حياتي سواد وعبوديّة وانتظار‏
فأعطني طفولتي‏
وضحكاتي القديمة على شجرة الكرز‏
وصندلي المعلّق في عريشة العنب‏
لأعطيك دموعي وحبيبتي وأشعاري
***
وطني
.......
على هذه الأرصفة الحنونة كأمي
أضع يدي وأقسم بليالي الشتاء الطويلة
سأنتزع علم بلادي عن ساريته
وأخيط له أكماماً وأزراراً
وأرتديه كالقميص
إذا لم أعرف
في أي خريف تسقط أسمالي
وإنني مع أول عاصفة تهب على الوطن
سأصعد أحد التلال
القريبة من التاريخ
وأقذف سيفي إلى قبضة طارق
ورأسي إلى صدر الخنساء
وقلمي إلى أصابع المتنبي
وأجلس عارياً كالشجرة في الشتاء
حتى أعرف متى تنبت لنا
أهداب جديدة، ودموع جديدة
في الربيع؟





اقرأ أيضا