الاتحاد

تقارير

الهند ومعضلة الإجهاض

كان لابد للمزارع الهندي "بابولال ياداف" البالغ من العمر 50 عاماً مراجعة تصوراته حول الزوجة المثالية قائلًا: "لم أعد أهتم من أي طبقة تنحدر، ولا الديانة التي تؤمن بها، بل حتى هيئتها لا تهمني كثيراً، إني فقط أريد زوجة تهتم بي وتنجب لي ولدا".
والحقيقة أن ما صعب الأمور بالنسبة للمزارع الهندي وعطل رحلة البحث عن زوجة هو موقفـه هذا بالذات المنحاز للذكـور على حسـاب الإنـاث، فقد أدى تبني هذه المواقف على نطاق واسع في الهند إلى ندرة الزوجات، كما ساهم توفر التكنولوجيا الطبية التي تسمح بالإجهاض في حالة تبين أن الجنين أنثى إلى اختلال التوازن بين الذكور والإناث على نحو غير مسبوق، فحسب التعداد السكاني الأخير الذي أجري في العام 2001 تبين أنه مقابل كل ألف رجل هناك 933 امرأة وهو ما يتسبب في مشاكل اجتماعية كبيرة.
وبالنسبة للمزارع "باداف" فإن الأمر أكثر صعوبة لأنه يعيش في ولاية "هاريانا" المزدهرة والتي تضم أكثر النسب تفاوتاً بين الذكور والإناث في الهند، إذ لكل ألف رجل هناك 861 امرأة.
واللافت أن الولايات الأكثر ازدهاراً هي التي تشهد اختلالا كبيراً في نسب الإناث المتناقصة أعدادهن بشكل ينذر بالخطر؛ وخلافاً لما يعتقده البعض ليست هذه الظاهرة وليدة التقاليد الهندية، أو الممارسات المتخلفة الموروثة عن الماضي، بل تنتشر في المناطق الأكثر نمواً في الهند، وفي المدن التي تشهد وتيرة مرتفعة من التحديث، وعلى سبيل المثال تشهد العاصمة نيودلهي اختلالاً يفوق المعدل الوطني بنسبة 821 امرأة لكل ألف رجل، بل إن الاختلال يزداد حدة في أحياء العاصمة الغنية.
وتشير الإحصاءات التي أجريت مؤخراً في المستشفيات والمراكز الطبية أن عمليات الإجهاض التي تستهدف الأجنة من الإناث هي في تصاعد مستمر، فحسب الاستطلاع الذي أجرته كل من "أكشن إيد"، المنظمة الكندية للأعمال الخيرية، والمركز الكندي الدولي للأبحاث تبين أنه أربع من بين خمس ولايات تمت دراستها انخفضت فيها نسبة الإناث مقارنة بالذكور على نحو خطير تدلل عليه نسبة الإناث في بعض مناطق البنجاب التي لا تتجاوز 300 لكل ألف من الذكور، ويكمن السبب وراء هذا الاختلال إلى نظرة الأسرة إلى الإناث.
ففي المجتمعات الزراعية تنتقل الأرض إلى الذكور، فيما تركز الأسر في المناطق الحضرية على إنجاب الأولاد لأنها تتبنى سياسة العائلات غير الممتدة وتكتفي بمولود وحيد تفضل أن يكون ذكراً.
كما أنه وحسب التصور الهندي تبقى الإناث عبئاً ثقيلاً ومسؤولية كبيرة يتعين أولا الدفاع عنها وحمايتها، وثانياً إعداد المهور المناسبة لتزويجهن، فرغم الجهود التي تبذلها الحكومة الهندية في هذا السياق بحظرها على الأسر دفع المهور للزوج منذ العام 1961 مازالت ظاهرة العنف المرتبطة بالمهور مستمرة بسبب تعرض الزوجة للعنف على يد أقرباء الزوج، لأن ما قدمته من مهر لا يفي بالغرض.
وحتى في الأسر المتعلمة التي لا تدفع مهوراً لتزويج بناتها، وحيث الإناث أكثر تعلماً تبقى النظرة إليهن قاصرة باعتبارهن حملا ثقيلًا يتطلبن الحماية، وهو ما يؤكده "بانيت بيدي"، طبيب هندي وأحد النشطاء المناوئين للإجهاض على أساس الجنس بقوله "الجميع في الهند يفضل الذكور وليس فقط الأغنياء، لكن فقط من يملك المال يستطيع الذهاب إلى الطبيب وإجراء المسح الإشعاعي للتعرف على جنس الجنين.
ورغم وجود قوانين في الهند تعاقب الأطباء على إجراء عمليات إجهاض على أساس الجنس، لم تشهد السنوات الأخيرة أي محاكمة لطرف متورط، كما أن الحملات التي تقوم بها الحكومة والمنظمات غير الحكومية في أوساط المجتمع الهندي للحد من ظاهرة الإجهاض على أساس الجنس واستهداف الإناث على حساب الذكور لم تؤت النتيجة المرجوة ومازال الاختلال بين الذكور والإناث مستمراً ما يهدد بتفجر الوضع الاجتماعي وتعطيل مؤسسة الزواج.


ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»

اقرأ أيضا