تقارير

الاتحاد

نجاد في مصر... تقييم الزيارة

جيسون ريزيان وأبيجيل هوسلونر
طهران


وصل نجاد إلى القاهرة يوم الثلاثاء الماضي ليكون أول رئيس إيراني يؤدي زيارة رسمية إلى مصر منذ أن انقطعت العلاقات الدبلوماسية في عام 1980، وذلك في مؤشر جديد على التغيرات الإقليمية التي جاء بها «الربيع العربي».
لكن رغم الدفء الذي سرا في أوصال العلاقات بين مصر وإيران منذ الإطاحة بمبارك، تظل هناك اختلافات جوهرية بين الطرفين مثل المواقف المتباينة بشأن الصراع في سوريا ما يجعل من احتمال استعادة كاملة للصلات بين البلدين أمراً مستبعداً في الوقت الحالي على الأقل.
لكن هذه الخلافات على حدتها نُحيت جانباً عندما نزل نجاد من الطائرة واستقبله الرئيس محمد مرسي بالقبلات، حيث سار الرجلان معاً على سجاد أحمر محفوفين بكبار المسؤولين الحكوميين على أنغام موسيقى النشيدين الوطنيين للبلدين.
وحسب وكالة الأنباء الرسمية في مصر ناقش الرئيسان في باحة مطار القاهرة الدولي سبل تعزيز العلاقات بين البلدين وإيجاد حل للأزمة السورية المستفحلة، ويذكر أن إيران قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع مصر في 1980 لاعتراف هذه الأخيرة بإسرائيل، ومنذ ذلك الحين ومبارك الذي تقارب مع الغرب يبدي شكوكاً حقيقية من تزايد نفوذ طهران في الشرق الأوسط، هذه الشكوك سعى مرسي للتقليل منها عندما ذهب إلى إيران في شهر أغسطس الماضي لحضور قمة دول عدم الانحياز.
والحقيقة أن مصر وإيران اللتين تسعيان إلى تعزيز نفوذهما الإقليمي لهما من الأسباب ما يكفي للتقارب فيما بينهما، فالحكومتان في البلدين لا يكنّان الكثير من الود لإسرائيل، هذا بالإضافة إلى مصلحتها في حل الأزمة السورية.
كما أن مرسي الذي يسعى إلى رسم خط واضح في السياسة الداخلية والخارجية لبلده يختلف عما كان سائداً في عهد سلفه، لا يريد الاعتماد المفرط على الغرب، أو الولايات المتحدة، فيما إيران ذات الغالبية الشيعية والتي تقع في منطقة يصعد فيها الإسلام السني تبحث عن تحالفات جديدة بسبب اختلال التوازن في تحالفاتها القديمة سواء تعلق الأمر في سوريا التي تعيش على وقع انتفاضة شعبية منذ عامين ونيف، أو الحركات الأخرى التي تعتمد عليها في المنطقة مثل حماس التي نأت بنفسها عن إيران.
هذا في الوقت الذي أدى في الإطاحة بأنظمة ديكتاتورية عربية وصعود أحزاب سياسية إسلامية في البلدان العربية إلى حرمان إيران من بصمتها في العالم الإسلامي باعتبارها البلد الذي يقف في وجه الغرب ويتحدى إملاءاته، وذلك حسب تحليل «تريتا فارسي»، من المجلس الوطني الإيراني الأميركي بواشنطن، مضيفاً أن «الشارع العربي لم يعد منفصلا عن الدولة كما كان الأمر في السابق»، محيلا إلى ما تشهده المنطقة من حراك كتلك الذي قاد مرسي إلى سدة الحكم في مصر.
ويتابع «فارسي» قائلاً «إلى حد الآن لم ينسجم صعود الأحزاب السياسية مثل «الإخوان المسلمين» مع الآمال الإيرانية، فالأحزاب الإسلامية جاءت للسلطة ليس لتقودها إيران بل لتقود نفسها وتحقق نوعاً من الاستقلالية».
ويرى المحللون أن مرسي حريص على عدم تأجيج معارضة الفصائل الإسلامية الأخرى في مصر الأكثر تشدداً التي لا تريد تقارباً مع إيران الشيعية، ولا يريد إثارة قلق حلفاء مصر المتوجسين من إيران مثل الولايات المتحدة ودول الخليج العربية، لذا من المرجح أن يسعى مرسي إلى التقليل من زيارة نجاد إلى القاهرة.
وفي هذا السياق ناشد تنظيم «الدعوة السلفية» يوم الثلاثاء المنصرم مرسي بمنع نجاد من زيارة المساجد المصرية وباقي المعالم المهمة مثل ميدان التحرير، وقال عبد المنعم الشحات، المتحدث باسم التنظيم في بيان أنه على مرسي «تأكيد سنية مصر...ورفض التشيع ووسائله»، وقد أُرغم نجاد على مغادرة مسجد الحسين القديم في القاهرة بعدما رشقه معارض سوري بحذاء، كما جاء في قصاصة لوكالة «أسوشياتد بريس».
وفي وقت لاحق من يوم الثلاثاء الفائت رفع محتجون مناوئون لإيران أحذيتهم محتشدين أمام باب الأزهر، حيث عتب شيخ الأزهر على نجاد وطالبه بعدم التدخل في شؤون الدول السنية.
ويبقى وجه الاختلاف الأبرز في وجهات النظر بين البلدين التباين في المواقف من نظام الرئيس السوري، بشار الأسد، الذي تدعمه إيران وتدينه مصر، حيث قال مرسي في زيارته لطهران الصيف الماضي أن الانتفاضة السورية هي «ثورة ضد نظام ظالم»، ومع ذلك يرى المحللون أن مصر تسعى إلى الحفاظ، على الأقل، على علاقات غير متوترة مع إيران التي تعترف بها كلاعب إقليمي مهم وأساسي، وكشريك اقتصادي يستحق التعامل معه.
غير أن محللين آخرين يعتبرون بأن حسابات مرسي بشأن إيران تحركها الاعتبارات الاقتصادية بالدرجة الأولى، فمصر التي يعتمد اقتصادها المتعثر على الدعم الأميركي والسعودي ليست في وارد خسارة هذا الدعم بالتقارب مع إيران، وهو ما يؤكده «جوشوا ستاشر»، الباحث بمعهد ويلسون الدولي المتخصص في الدراسات المصرية، قائلا «ما أن يعي الناس الخسارة التي ستتكبدها مصر جراء التقارب مع إيران حتى يقل دعمهم لها»، لذا لا يرى الباحث سبباً يدعو واشنطن للقلق من تقارب مصر ودول عربية أخرى مع إيران.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا