الاتحاد

الملحق الثقافي

سحريّة الحكايات والأساطير

يتفق الباحثون في علم الجمال ونقد الفن التشكيلي الكلاسيكي العربي على أن للمنمنمة بوصفها فنا خصيصتين: تتمثل الأولى في أنها تروي عبر الصورة حدثا من حكاية أو جانبا من هذا الحدث يُرى بصريا فيما تصغي الأذن إلى تفاصيل الحدث مرويا من فم الراوي ليؤدي ذلك إلى الربط بين المرئي والمسموع فيجري فهم الحكاية كما يريد لها راويها تماماً أو أقرب إلى ما يريد.

إنها هنا تقوم بما تقوم به الصور التزيينية أو الإيضاحية في كتب اليافعين والأطفال مع اختلاف طفيف في الوظيفة حيث تنحو الصور الأخيرة باتجاه أن تكون تزيينية أكثر مما تستهدف نقل الحدث عبر الصورة، فضلا عن فروقات فنية ليس هنا مجال ذكرها.
أما الخصيصة الأخرى فهي فنية تقنية بالمعنى المطلق للكلمة، فالصورة في المنمنمة تخلو من البعد الثالث أو العمق، أي تخلو من التعامل مع نظرية المنظور التي تمّ اكتشافها في الغرب في العصور الوسطى، والأرجح أن هذه ليست إشارة على تقدم نوع من التعامل مع عناصر التكوين المشهدي للصورة بقَدْر ما إنها تشير إلى فروقات ثقافية جوهرية بين تكوينَيْن حضاريين.

نزوع تجريدي
نحن في المنمنمة أمام صورة تخلو من التجسيد ثلاثي الأبعاد للعنصر الذي هو جزء من التكوين، بل هناك ما يُعرف بالتسطيح أي جسد الشيء في الصورة هو مثال الشيء في الواقع وليس صورته على نحو ما هو عليه تماما، وهو أمر متعلق، في ما يبدو، بالفلسفة التي انبنت عليها الفنون الإسلامية بنزوعها الروحي نحو التجريد ما يجعل تجسيد أي عنصر ليس بتجسيد مكتمل بل هو إشاري.
وربما أن هذا الأمر قد تطور بفعل حاجة المسموع في الرواية الشفوية إلى بصري يوضح المعنى، حتى ذلك الكامن بين السطور. وهنا فإن الصورة تعين الناظر إليها على استلال المعنى من فم الغموض البلاغي الذي كان الرواة يلجأوون إليه في نقدهم للواقع الاجتماعي كما هي الحال مع صاحب “كليلة ودمنة” وما انتهى إليه. فقد سرق الرجل المعنى وأودعه في صدور سامعيه، فاستحق العقاب.
أيضا احتال فنان المنمنمة للإيحاء بالقريب والبعيد على ما يعرف في تاريخ الفن القديم بـ “التراكب” أي ان يكون العنصر القريب من الناظر وإلى أسفل الصورة عموما هو الأقرب والأكثر مركزية في الحدث بينما العناصر الأقل مركزية هي إلى الأعلى بالتالي تكون الأبعد، وربما يحدث هذا الإيحاء بحضور العنصر المركزي في العمل فالأقل مركزية بدءا من يمين الصورة إلى يسارها أو العكس إنما ضخامة هذا العنصر قياسا بالعناصر الأخرى وقربه من أسفل السطح التصويري ودوره في الحدث المروي قد جعلت منه أكثر مركزية.
وذلك علماً بأن طريقة التراكب هنا كانت شائعة وفقا لمقدرة أقل على الإيحاء في بلاد الرافدين وشبه الجزيرة ومصر وسوريا الكبرى بما هو سابق بكثير على الإسلام بقرون عديدة.

الهنود والإيرانيون
ضمن مهرجان الفنون الإسلامية، فإن هناك العديد من المعارض التي اختصت بالمنمنمات أو استفادت منها في رسومات تنتمي إلى تيارات حداثية وما بعد حداثية هي في أغلبها عربية، أما المعارض التي يمكن القول بقَدْر أكبر من اليقين بأنها قد استلهمت المنمنمات الإسلامية فهي معارض تنتمي إلى مدرستين كبريين في فن المنمنمات الإسلامية وما زالت تستفيد منها بالقدر نفسه الذي أحدثت فيه – أي في فن المنمنمات الإسلامية – تطويرات عميقة جعلته راهناً ويحيا زمنه وأحداث عصره على نحو يثير الغيرة بالفعل: المدرسة الهندية ممثلة بمعرض “منمنمات من راجاستان” لكلاوس كريستوف ورينات هاز و “منمنمات إيرانية” الذي يضم معارض لفنانين إيرانيين شهدوا افتتاح مهرجان الفنون الإسلامية: رضا بدر ساما وعلي أصغر تجاويدي وبهمن شريفي.
إن أكثر ما يلفت الانتباه في هذه المعارض هو انتماؤها إلى مدرستين راسختين في فن المنمنمة الإسلامي والحضور الشديد للافتراقات والاختلافات بينهما ثم التطوّر البادي للعيان عن المنمنمة الكلاسيكية إذ تتمثل بعبقرييها: يحيى بن محمود الواسطي وكمال الدين بهزاد.
بالتأكيد، منذ الواسطي، وربما قبل الواسطي، فإن المنمنمة قد غادرت وظيفتها الدينية وباتت نصا مرئيا موازيا لنصين آخرين أكثر تجاوراً وتعالقاً في ما بينهما: الخط المكتوب والنص الحكائي المسموع، وهذا ما أعطى فنان المنمنمات الإسلامية الهندي والإيراني تلك المساحة في التوجه نحو الموروث الحكائي المحلي والخرافات والأساطير المحلية، فجاءت المنمنمات في هاتين المدرستين أكثر عناية بالتفاصيل، والبطل في التصاوير جاء أكثر عادية ومن ما اعتادت عليه الناس في “الحكي” اليومي عن أبطالها الخاصين، أو القوميين إذا صحَّ التوصيف أكثر، كذلك تبرز الحياة اليومية ما يعني أن من الطبيعي للمرأة أن تكون هي المحور الأساسي لهذه الرسومات فهي موجودة فيها في كل حالاتها وأحوالها، اضف إلى ذلك أن فنان المنمنمات الهندي أو الإيراني بات اكثر حرية في التعبير واكثر مقدرة على الإدهاش.
لكن المنمنمات هنا قد استدخلت البعد الثالث أو العمق حتى بات التجسيد مكتملا فيشعر الناظر إلى العمل بالفعل أن أن الشخوص في المنمنمة الهندية أو الإيرانية أكثر مقدرة على التعبير الفردي واكثر حرية في أن يحب واحدة من الشخصيات أو يكرهها في التسلسل الحكائي ويقف بالنسبة للعمل ككل على المستوى نفسه مع المؤلف.
ما يلاحظه المرء أيضا هو قرب الصورة من المتخيَّل أكثر من قربها من الواقع بتفاصيلها حتى كان هؤلاء الفنانين يرسمون شيئا يشبه جنة عدن الأرضية بنعيمها ورغد العيش فيها، إنه عالم سحري فريد وجميل ويداعب المخيلة. بهذا المعنى تكون المنمنمة الإسلامية في الهند وإيران الحديثيتين قد حققتا انفصالها الكامل عن الخط بوصفه فنا قائما بذاته، وهو الخط الذي بات معبّرا عن لغة القوم الذين رسم لهم فنان المنمنمات أصلاً، واختفى الخط العربي من هذه اللوحات التي كان فيها يستخدم الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في الزخارف المحيطة بالتصاوير كي يبقى الناس على صلة بذكر خالقهم.
وحالها حال المنمنمات الهندية فقد حملت المنمنمات الفارسية الكثير من طبائع الشخصية الإيرانية؛ فهي أميَل إلى البياض في بشرتها إلى حدّ أن العيون تبدو ملونة أحيانا.. فيما الهندية ما إن تراها حتى تقول إنها تحمل سمات الشخصية الهندية ملبسا وملامح وبشرة أميل إلى اللون الترابي أو الحنطي (من لون الحنطة).
يبدو هذا الأمر واضحا أكثر في الرسومات الإيرانية المتأخرة. فقد ابتدع الفنان الإيراني المعاصر، بدلالة المعارض الإيرانية في المهرجان، شخصية إيرانية موازية في المنمنمات تشبه في دورها ووظيفتها ما ابتكره الغرب في القرن العشرين من شخصيات كرتونية طبقت شهرتها آفاق العالم شرقا وغربا حتى باتت طرازا علميا وليس محليا فحسب، غير أن الشخصية الإيرانية في المنمنمة ظلّت تحتفظ لنفسها سمة أنها عمل فني متميز بهويته الخاصة بالدرجة الأولى.
وبصفة عامة فإن من الصعب جدا الحديث عن خصائص بعينها تميّز شخصية واضحة ومتبلورة للمنمنمة الإسلامية كفن يجاور الحداثات التشكيلية المعاصرة في الثقافات التي تنتمي إلى القوس الثقافي للحضارة العربية والإسلامية، إذ أننا مثلما نسلِّم بوجود فروقات عميقة بين منمنمة الواسطي ومنمنمة كمال الدين بهزاد فإن من العسير القول بوجود خصائص جامعة بين المنمنمة الهندية والمنمنمة الإيرانية، فكلاهما ينتمي عميقا إلى فضائه الثقافي ذي الحسّ الشعبي الخاص به.

اقرأ أيضا