صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

أنوار التشكيل المغربي.. تحارب الظلامية

عمل فني يستلهم البيئة المغربية

عمل فني يستلهم البيئة المغربية

تستدعي الأسئلة الخاصة بالفن التشكيلي في المغرب الحفر عميقاً في المشهد التشكيلي، وإخضاعه للمساءلة للتعرف إلى أبجدياته ورهاناته وأيضاً استشراف آفاقه. فهل تحققت للفن التشكيلي المغربي شروط المعاصرة ومتطلباتها في ظل بيئة سياسية واقتصادية واجتماعية مضطربة، يسودها التخلخل ويطبعها كل شيء إلا المعاصرة الإيجابية؟
من الحداثة إلى المعاصرة
عرف الفن التشكيلي المغربي منذ بداية القرن العشرين حركة دؤوبة نتجت عنها تحولات كبرى بلغت أوجها مع الحداثة التي بدأت في ستينيات القرن الماضي نتيجة استقطاب أوروبا للكثير من الفنانين من أجل الدراسة، وأيضاً محاولة مبدعي تلك الفترة تحقيق خصوصية الفن المغربي وتأكيد هويته. وحمَل مشعل التحديث بعض الرواد كالجيلالي الغرباوي وأحمد الشرقاوي وفريد بلكاهية وبعد ذلك أكمل المشوار محمد القاسمي ومحمد شبعة ومحمد المليحي والمهدي قطبي وغيرهم. إن هؤلاء هم الذين بصموا التشكيل المغربي ومهدوا له الطريق ليحقق قفزته نحو المعاصرة ووضع أسسها الأولى، هذه المعاصرة التي تعد منعطفا من منعطفات الحداثة، حسب الباحث المغربي محمد الشيكر، وقد أكدوا من خلال أعمالهم الفنية على جدوى تحقيق المصالحة بين التراث والحداثة الغربية.
ولقد حاول بعض الفنانين التشكيليين سواء منهم الرواد أو المخضرمين أو الشباب، تحقيق خصوصية تجربتهم كنوع من إعادة صوغ الذات وكلهم وعي بأن ذلك لن يتم إلا من خلال اكتشاف الآخر (الغرب) والوعي بقيمة الموروث التراثي، فجعلوا من مفرداته أساس منجزهم البصري، ومن الذين فعلوا ذلك، فريد بلكاهية الذي كان سباقاً إلى الاغتراف من الموروث الشعبي والحرف والصنائع فانزاح عن الحامل التقليدي (اللوحة)، وعوضها بحوامل تراثية كالنحاس والجلد، ووظف الأشكال الهندسية والنقوش، وفرض عليه الجلد ملونات ذات أصل طبيعي كالحناء والزعفران والصمغ. وهناك الغرباوي والشرقاوي وأسلوبهما لا شكلي ويقوم على روحنة الخط والرموز، أما المهدي قطبي فتتشكل أعماله من بحر من العلامات الخطية فيراهن بذلك على الحرف العربي وطاقته الجمالية، ومحمد المليحي يزاوج بين الخط والتجريدية الغنائية، ومحمد المرابطي ترتكز أعماله على الأثر الصوفي والمقدس، وحكيم غزالي يستوحي الخط المهمل المكتوب على الجدران فيوظف الألوان الباهتة والترابية على شاكلة تجربة شاكر حسن آل سعيد. ويرى عبد الكبير الخطيبي في دعوته إلى استثمار التراث في الفن التشكيلي بأن: «على الفنان... أن يروض الماضي وهو يبتكر المستقبل حتى يتجرد العمل وينفلت من الزمن»، إنها دعوة لتمثل التراث بشرط استجابته لرؤى الفنان وتطلعاته.
وتنويعات الفن المغربي الحديث تشمل أيضا الفن الفطري الذي ازدهر مع فنانتين مقتدرتين هما: الشعيبية طلال والركراكية، لكن هذا الاتجاه الذي «حاباه» الغرب واعتبرته «مجموعة الدار البيضاء 65» مؤامرة استعمارية تريد أن ترى المغرب منتجاً للبدائي والساذج فناهضته لما قرنت الإبداع بالتنظير.
وهناك فنانون آخرون فضلوا مساءلة الجسد العاري بكل تجلياته كالفنان «ماحي بين بين» وقد سبقه إلى ذلك محمد القاسمي وفريد بالكاهية، وإن كانت مقاربة الأخيرين للجسد مختلفة.
واستجابة لما يعرفه المشهد التشكيلي العالمي من تطور فإن الفنانين التشكيليين المغاربة حاولوا أن لا يظلوا خارج التجربة، فاستبدل بعضهم الحامل التقليدي (اللوحة) بالفوتوغرافيا والنحت والفيديو آرت كما استخدموا وسائط وتقنيات جديدة في ظل «الفن المفاهيمي» فانفتحوا على التجارب الغربية كما حاولوا تأكيد أصالتهم من خلال النهل من الموروث التراثي.
أي أفق؟
رغم بعض الجهود المبذولة لنشر الثقافة البصرية بالمغرب والتي يصل الجهل بها حد الأمية في الكثير من الأحيان، فإن واقع الحال يخبر عن وجود هوة واسعة بين الجمهور والأعمال الفنية، لتركّز الفن التشكيلي في المدن الكبرى كالدار البيضاء ومراكش والرباط، فضلاً عن ضعف الاقتناء وقلة صالات العرض، لذلك أضحى الفنان التشكيلي المغربي راغباً في ردم الهوة بين الأعمال الفنية والجمهور الواسع من خلال الدعوة إلى جعل الفن التشكيلي في قلب العملية التربوية، وأيضا إنجاز الجداريات وتنظيم المعارض في الهواء الطلق وجعل الملابس والإكسسوارات حوامل للأعمال التشكيلية، ومن الفنانين الذين شجعوا ذلك، المهدي قطبي الذي عبر في مناسبات عدة عن طموحه لتوصيل فنه لكل طبقات المجتمع وتجريده من نخبويته وذلك بجعل الموضة والإكسسوارات حاملة لأعماله الفنية، وقد ظهر مؤخراً في حفل افتتاح متحف محمد السادس للفن المعاصر بالرباط، وهو يرتدي ربطة عنق كحامل لأحد أعماله، هذا المتحف الذي افتتحه الملك محمد السادس كإشارة قوية على تشجيع الفن المغربي المعاصر وفتح آفاق جديدة للفنانين الشباب.
ومهما سعى الفن التشكيلي المغربي للإفلات من الإكراهات التي يمور بها الواقع المغربي والعربي، فإنها تلقي بظلالها عليه؛ لأن الاضطرابات التي يعرفها العالم العربي والمتمثلة في تنامي التطرف والعنف والصراعات الدموية والإرهاب الفكري وتقلص مساحة التسامح وظهور الظلامية الجديدة التي لا تبدو نهايتها وشيكة والتي تهدف إلى إعادة الأمة العربية إلى عصور الانحطاط والهمجية وقتل الفن والحضارة، والفنان أول ضحايا هذه الأوضاع. وبما أن الفنان المغربي جزء من هذه الأمة، فإنه لم يكن يوما بمنأى عن كل ما يحدث. لذلك يمكن اعتباره ضحية منظومة غير سوية وواقع مضطرب، ويعيش مهددات فتاكة للإبداع والفن. وكنتيجة لهذه الظروف فإن الفن التشكيلي المغربي تعتريه الضبابية ويغلفه الغموض والتقلقل ومستقبله غير محدد، لذلك على الفنان أن يكون واعيا بهذه المخاطر، فيحافظ على الشعلة في داخله من خلال التمرد على الوضع السائد وتجريب وسائط جمالية جديدة تستجيب لرؤاه وترقى بالذائقة الفنية للمجتمع، ولن يتأتى ذلك إلا بتوفير مساحة أكبر من الحرية للفنان لأنها هي والإبداع متلازمين ولا يمكن فصل أحدهما عن الآخر.
ولكي تتحدد ملامح الفن التشكيلي المغربي أكثر، يجب أن ينفتح على التحولات والسياقات المختلفة، وعلى الفنان أن يستعيد اللامفكر فيه والتراثي ويجعل الصورة ترقى لتصبح وسيلة للتواصل بدل الكلمة التي لا زالت تحتل مركز الصدارة في المغرب والبلدان العربية على حد سواء، رغم التطور الهائل في مجال الصورة.
ورغم أننا نقف من خلال مساءلتنا للفن التشكيلي المغربي المعاصر على تأكيد سؤال الذات والهوية؛ فإن الإكراهات التي يعيشها جعلته لا يراكم تيارات واتجاهات تسعى إلى تثويره وتحقيق خصوصيته لتكون تلك عتبته نحو العالمية، الأمر الذي جعل «جماعة الدار البيضاء 65» لا تتكرر، فأصبح الفنان يراكم تجارب فردية لا ترقى إلى ما حققه الغرب ولا تؤثر في المسار العام للتشكيل المغربي والعربي. كما نلاحظ صعوبة تطويع الاتجاهات الغربية لخصوصية الثقافة المغربية من قبل الكثير من الفنانين، الشيء الذي يسقطهم في التقليد الحرفي سواء لما هو غربي أو لما هو تراثي والعجز عن دمج تلك المكونات وجعلها تتفاعل، وهذا لا يمنعنا من القول إن هناك بعض التجارب التي بصمت التشكيل المغربي سواء تلك المنجزة من قبل الرواد أو من قبل بعض الفنانين المعاصرين الذين لا يزالون يحفرون في أرض صلدة متسلحين بالطموح والعزيمة ورؤى متقدمة.
مشكلات بالجملة
يراهن الفن التشكيلي المغربي على الانفتاح على العالمية وبدأ يتحقق له ذلك نسبيا من خلال المشاركة في بعض البينالات العربية والدولية، لكن مشاركته لا زالت باهتة ولا يفرض حضوره فيها مقارنة بالغرب. أما بالنسبة للسوق المغربية فإنه يلفها الغموض والاضطراب وعدم الاستقرار، وإن كان هناك بعض التفاؤل وأن هناك آفاقا واعدة؛ لأن الفن المغربي المعاصر لا زال يتطور ويتبلور ليحتل مكانته المستحقة في المشهد التشكيلي العربي والعالمي، كما أنه في حاجة إلى التمويل وإلى النقد البناء بدل النقد المحابي والمجامل، ومن متطلبات تطويره أيضا تدريس الفن لمواجهة كل العراقيل واحتوائها.
رغم جدوى الثقافة البصرية وأهميتها، فإن الفن التشكيلي المغربي المعاصر في العالم العربي لا يزال أسير أسئلة متعددة لم يجب عنها بشكل نهائي؛ لأن امتداده وتطوره ليس وليد ظروف تاريخية مشابهة لتلك التي للفن التشكيلي الغربي الذي تطور ووصل إلى المعاصرة نتيجة الثورة الكاسحة للسينما والتلفزيون والعالم الرقمي بعد ذلك. من هنا كان تطوره التعاقبي أمرا طبيعيا وسلسا فحقق التفاعل الإيجابي، فماذا عن التشكيل المغربي؟


رمال
متحركة
يعرف التشكيل المغربي حركية وتجدد مستمرين ولا يمكن القبض على مفاصله وتحديد سماته بعد، إنه يبدو كرمال متحركة يعجز النقد عن استيعاب مسارب تطوره ومسارات تجديده التي تساير، ولو جزئياً، التطور الذي يعرفه العالم في كل المجالات فلا يريد أن يظل خارج التجربة، بغض النظر إن كان توفّق في ذلك أم لا.
والنقد مطالب بإعادة مراجعة تصوره للفن التشكيلي المغربي الذي يعاني هموماً شتى، وهو في حاجة للدعم والتشجيع أكثر من حاجته لمهاجمين محتملين، إنه يحاول الاستجابة لبيئته وفي نفس الوقت يحارب من أجل تأسيس موطئ قدم في عالم متسارع الخطى، واكتساب آليات تمكنه من عدم الارتماء في هذا الخضم المتلاطم من التجارب العالمية والمتعددة والمتطورة والمتغيرة في الفن التشكيلي.