الاتحاد

تقارير

أوباما وعملية الإنقاذ النظيفة

أوباما وعملية  الإنقاذ  النظيفة

أوباما وعملية الإنقاذ النظيفة

على رغم أن المهمة في هاييتي في بداية التسعينيات كانت تمثل اختباراً من بين الاختبارات المبكرة للرئيس الأميركي الجديد في ذلك الوقت، ولا تزيد عن كونها مجرد عمليـــة بحرية صغيرة قبالة ساحل دولة من دول العالم الثالـــث، إلا أن تلك العملية أثبتت لبيل كلينتون في أكتوبر ،1993 أنه حتى العمليات الفاشلة الصغيرة يمكن أن تكون لها عواقب بعيدة المدى بالنسبة لدولة عظمى مثل الولايات المتحدة· فما حدث هو أن المحاولة التي أمر بها كلينتون لإنزال وحدة صغيرة من القوات الأميركية في هاييتي قد صُدّتْ، أمام أنظار العالم كله، من قبل عدة مئات من الجنود المسلحين ببنادق عادية، مما اضطر البارجة الأميركية الضخمة ''يو· إس· إس· هارلان كاونتي'' التي كانت مكلفة بهذه العملية للتقهقـــر إلى الوراء، ومعها، بطبيعة الحـــال، سمعـــة الرئيس نفسه·
وبالنسبـــة للرئيس أوبامـــا، كانت المواجهة التي تمت خلال الأيـــام القليلـــة الماضية مع القراصنة الصوماليين لإنقاذ القبطان المختطف، تمثــل خطراً سياسياً مماثلا بالنسبـــة لـــه كقائــد عــام جديد للقوات المسلحة الأميركية، يتعين عليه إثبات جدارته أمام جنرالاته، وشعبه، من البدايـــة· ولكن النتيجة، التي تمثلت في عملية إنقاذ ناجحة ودراماتيكية خيضت ضد القراصنة الصوماليين، حققت لأوباما نصراً مبكراً يمكن أن يساعد على بناء الثقة في قدرته على توجيه العمليات العسكرية في الخارج·
وخلال تلك الأيام الأربعة ظل مسؤولو البيت الأبيض يقللون من دور أوباما في درامــا الرهائن، ومــا ساعدهم على ذلـــك أن الرئيس نفسه لم يكن قد أدلى بأي تصريحــات حول عملية القرصنة· ولكن في الحقيقة أن مساعدي أوباما -كما قــال أحدهم أمــس- كانوا قد قدموا له 17 إيجازاً منذ عودته من رحلته الخارجية، منها عدة مرات في ''غرفة الموقــف'' بالبيت الأبيض· وبدون الدخول في تفاصيل كثيرة أوضح أحد المستشارين في البيت الأبيض أن أوباما هو من أصدر التفويــض اللازم للقيام بعمليــة الإنقـــاذ، بعــد تحديث بالهاتف للمعلومـــات تلقــاه تليفونياً من مجلس الأمن القومي، ليمنح ما أطلق عليه مساعدوه ''سلطة استخدام القوة المناسبة لإنقاذ حياة القبطان''· وفي يوم السبت الماضي، وعند الساعة التاسعــة وعشرين دقيقــة صباحـــاً على وجــه التحديد، ذهب أوباما إلى ما هو أبعد من ذلك حيث منح السلطة اللازمة ''لمجموعة أخرى من القوات المسلحة الأميركية، للاشتبــاك في أي عمليات طارئة محتملة''·
وفي سياق متصل شرح الأدميرال ''ويليام جورتني'' قائد الأسطول الأميركي الخامس أن أوباما أصدر أمراً ثابتاً يخول القوات المسلحة التصرف إذا ما تعرضت حياة القبطان لخطر وشيك· وأكد الأدميرال: ''إن سلطتنا مستمدة من الرئيس مباشرة··· والتفويض الأول كان يتعلق بالرد إذا ما كانت حياة القبطان عرضة لخطر مباشر، وهذا هو الموقف الذي تصرف بحارتنا على أساسه''· وبعد أن انتهت العملية قدم المسؤولون في البيت الأبيض عرضاً مفصلا للدور الذي لعبه أوباما في العملية على رغم أن الرئيس نفسه قد اكتفى بإذاعة بيان امتدح فيه أداء قواته وعبر فيه عن فخره بشجاعة القبطان نفسه·
ولا شك أن هذه العملية الموضعية تتضاءل أهميتها بالطبع من حيث النطــاق والتعقيـــد إذا ما قورنت بالعمليات التي تدور في نطاق الحربين اللتين تدور رحاهمــا في العراق وأفغانستــان، كما أن همة خصوم أوباما لن تثبت -على الأرجح- بسبب أدائه الجيد في عملية تحرير رهائن درامية لم تستغرق سوى أربعة أيام· ومع ذلك يمكن لتلك العملية أن تلعب دوراً قوياً في التخفيف من حدة النقد الموجه إلى أوبامــا، والذي يتركز على أنه رئيس ''ديمقراطي'' جاء إلى البيت الأبيض بأجندة مناوئة للحرب· وهو ما يعني مبدئياً أنه غير راغب، أو غير مستعد، لاستخدام القوة العسكرية إذا ما لزمت الضرورة· ولكن تثبت تجربة الرئيسين ''الديمقراطيين'' السابقين، أن النصر مهما كان صغيراً أفضل كثيراً من الفشل·
فالقرار الذي اتخذه بيل كلينتون بإرسال البارجة ''يو· إس· إس· هارلان كاونتي'' وهي بارجة حربية ضخمة ملأى بالجنود إلى جزر هاواي، اعتبر في ذلك الحين على أنه لم يكن يمثل حلا كاملا من الناحية العسكرية، وإنما يمثل نصف حل فقط لجأ إليه رئيس كان لا يزال مطارداً في ذلك الوقت بأشباح عملية إسقاط طائرة هليكوبتر أميركية من طراز ''بلاك هوك'' أثناء عملية سيئة الطالع في الصومال· وبعد فشل البارجة ''هارلان'' في الوصول إلى الشاطئ سطر كاتب العمود المحافظ ''تشارلز كروثامر'' مقالا حينها جاء فيه أن ذلك الحادث قد جعل الإدارة الأميركية ''تبدو متهاونة· وجعل أميركا نفسها تبدو ضعيفة''· وقبل تلك العملية بثلاثة عشر عاماً، كان كارتر قد منح تفويضاً بتنفيذ عملية إنقاذ عسكري لعدد 52 رهينة يحتفظ بهم الإيرانيون في طهران·
ولكن العملية التي تمت عام ،1980 والتي أطلق عليها عملية ''مخلب النسر'' انتهت بتحطم طائرتي هليكوبتر في الصحراء ومصرع أفراد طاقمهما الثمانية· وطيلة ولاية كارتر ظل هذا الحادث يمثل وصمة عار في سمعته·
ومع أن مساعدي أوباما يقولون إنه من الواجب النظر إلى تلك العملية على أنها تمثل نجاحاً، إلا أن بعض الخبراء يقولون إنها لو كانت قد انتهت على نحو سيئ مثل عملية البارجة ''هارلان'' في عهد كلينتون، أو عملية ''مخلب النسر'' في عهد كارتر، لكانت الخسائر السياسية التي ترتبت عليها فادحة جداً لأوباما· يذكر أن مسؤولا كبيراً بالبيت الأبيض قال تعليقاً على العملية: ''إنها تعتبر أحدث مؤشر على أن أعضاء فريق الأمن القومي الأميركي يعملون معاً بشكل جيد· لقد أمضى هؤلاء الناس وقتاً طويلا مع بعضهم بعضاً، ومع الرئيس، خلال الشهرين الأولين له في الحكم، ويمكن القول إنهم الآن يمتلكون علاقات عمل جيدة ومنسجمة''·

مايكل شير
محلل سياسي أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا