الاتحاد

تقارير

انتخابات غانا··· نموذج للديمقراطية الأفريقية

فوز ميلز بنزاهة··· ومضة ديمقراطية في القارة السمراء

فوز ميلز بنزاهة··· ومضة ديمقراطية في القارة السمراء

شهد ''ميدان الاستقلال'' في وسط العاصمة الغانية أكرا، احتشاد آلاف المواطنين يوم الأربعاء الماضي، للتعبير عن فرحتهم وترحيبهم بانتخاب رئيسهم الجديد، في معركة انتخابية اتسمت بشدة التنافس إلى درجة حسمت فيها النتيجة بفارق ضئيل للغاية دائرة انتخابية ريفية صغيرة، لصالح مرشح المعارضة ''جون آتا ميلز''، ويعد هذا الانتقال السلمي الديمقراطي للسلطة في غانا، ظاهرة إيجابية بعد مضي عام كامـــل من الممارســــة الديمقراطية المخيفـــة في القــارة الأفريقية·
ففي كينيا تجاوز عدد القتلى ألف قتيل إثر الإعلان عن نتائج انتخابيـــة متنازع عليها أجريت قبل عـــام كامل· وأعقبت الأزمة الانتخابية الكينية، انتخابات مزورة في زيمبابوي أسفرت هي الأخرى عن أحداث عنف وخلافات، حلت عن طريق التوصل إلى اتفاق مـــع قوى المعارضة، يقضي باقتسام السلطة إلا إنه لم ينفذ بعد· أمـا في موريتانيا وغينيا فقد أطاح انقلابان عسكريان بالحكومات الديمقراطية المنتخبة فيهما·
''تكتسب انتخابات غانا أهمية كبيرة إذا ما أخذنا في الاعتبار أن العام الماضي كان قد بدأ بأحداث عنف دامية أعقبت الإعلان عن نتائج الانتخابات الكينية''· ذلك هـــو تعليــــق المحلــــل ''توم كارجيل''، مساعد رئيس البرنامج الأفريقي بمجموعة ''تشاتام هاوس'' المتخصصة في الأبحاث بلندن· ومضى ''كارجيل'' إلى القول إن انتخابات ناجحـــة كانت قد أجريت في زامبيا العــــام الماضي، وقبلها في سيراليــــون العـــام قبل الماضي·
وتأتي انتخابات غانا الأخيرة استمراراً لذلك الاتجاه الإيجابي في الممارسة الديمقراطية الأفريقية· وبالنتيجـــة فقد ازداد النظــــر إلى غانا باعتبارها نموذجاً إيجابياً للديمقراطيات الأفريقية الناشئة· في الاتجاه نفسه وصف رئيس الوزراء الكيني، ''رائيلا أودينجا''، غانا بأنها تمثل نموذجاً استثنائياً نادراً لنجاح الممارسة الديمقراطية في القارة السمراء· أما ''بان كي مون''، الأمين العـــــام للأمـــــم المتحـــدة، فقــــد رأى في غانــــا مثالاً باهراً ومثيراً للإعجاب·
والحق أن مصدر هذا التميز والإبهار، كون الانتخابات اتسمت بالشفافية والنزاهة استعداداً لتحديات كبيرة أمـــام غانا بحلول عام 2010 الذي يتوقع فيه بدء تدفق النفط من احتياطي البلاد المقدر بنحو 1,8 مليار برميل، ما يعني زيادة عائدات الخزانة العامة وتزايد حدة التنافس عليها وإدارتها، إضافة إلى أن الفوز بالانتخابات نفسها لم يتحقق إلا بهامش ضئيل للغايـــة·
فقد بلغ عدد الناخبين الذين أدلوا بأصواتهم 9 ملايين ناخب، إلا إن الرئيس ميلز -مرشح حزب المؤتمر الوطني الديمقراطي، الذي يمثل ''يسار'' الوسط- لم يحقق فوزه على منافسه نانا أكوفو-آدو، الذي يمثل المؤتمر الوطني الجديد الحاكم، من يمين الوسط، إلا بفارق 41 ألف صوت فحسب·
وأثناء مخاطبته لمؤيديه الذين احتشدوا للاحتفال به في ميدان الاستقلال المذكور، قال الرئيس المنتخب جون آتا ميلز: (ليست هناك غانا مؤتمر وطني ديمقراطي، ولا غانا مؤتمر وطني جديد، إنما هناك وطن واحد لنا جميعاً هو غانا، وسوف أكون رئيساً لهذا الوطن الواحد)· ومن ناحيته قال دبلوماسي غربي مقيم في أكرا، إنه ليس بالضرورة أن تتسم حدة التنافس الانتخابي والتقارب في عدد أصوات الناخبين بالعنف· فهنا يبدو الحال أقرب إلى ولاية فلوريدا، منها إلى كينيا· والملاحظ أن أجواء الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة، كانت مسيطرة إلى حد كبير في الانتخابات الغانية الأخيرة·
وكان مؤيدو كلا الحزبين المتنافسين قد تحدثوا عن تطلعاتهم السابقة للانتخابات لأن يروا فوزاً حاسماً على غرار فوز أوباما في بلادهم، أي أن تحسم نتائج الانتخابات من الجولة الأولى، دون حاجة إلى جولة انتخابية ثانية، وهو ما تكرر حدوثه في عدد من الدول الأفريقية المجاورة مؤخراً· وفي المقابل أمل الناخبون أيضاً في أن يتقبل الخاسر في هذه الانتخابات النتيجة التي أحرزها، بروح شبيهة بروح السيناتور جون ماكين·
وكان ذلك ما فعله السيد أكوفو-آدو بالضبط· وعلى رغم حديث ''إيمانويل جيماه'' -من مركـــــز غانـــــا للتنمية الديمقراطية- عن الخصومات وانعدام الثقة المتبادل بين المرشحين الرئاسيين اللذين خاضا الانتخابات الأخيرة، إلا إنه أكد أن تلــــك الخصومــــات لم تؤد إلى اندلاع أعمال عنف بين مؤيدي المرشحين، سواء خلال الانتخابات أم عقب الإعلان عن نتائجها·
والسؤال هنا: كيف نجحت غانا في ما فشلت فيه دول أفريقية كثيرة؟ المدخل للإجابة عن السؤال أن الديمقراطية الغانية لا تزال حديثــــة إلا إنها نشأت نشأة صحيحة· فعلى رغم أن الجنرال ''جيري راولينجز'' عرف بكونه قائداً عسكرياً انقلابياً، نسب إليه تدبير سلسلة من الانقلابات في تاريخ البلاد، فإنه استعـــاد نظام التعدد الحزبي في عام ·1992 ومنذ ذلك الوقـــت شهدت غانا أربعة انتخابات رئاسية وبرلمانية ناجحة دون أن يحدث أي انقطاع بينهـــا·
ومن رأي المراقبين والمحللين أن نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة تعد بمثابة عقوبة لحزب السيد ''كوفو'' الحاكم، فرضها عليه الناخبون، بسبب عجزه عن تحسين مستوى معيشة فقراء غانا على رغم النمو الاقتصادي الذي حققته البلاد، إذ بلغ معدله حوالي 6 في المائة·

تريستان ماكونيل- أكرا
ينشر بترتيب خاص مع خدمة كريستيان ساينس مونيتور

اقرأ أيضا