الاتحاد

دنيا

مهارة الصبر

الصبور صفة تطلق على الشخص الذي يتحمل الشدة والمحن وأذى الناس وغيرها، فهناك من يُبتلى بأمر ما فلا يصبر وتضيق عليه الدنيا بما رحبت، ومنهم من يصبر لأيام ثم ينهار أو يفكر في الانتحار، ومنهم من يصبر لسنوات لحكمة ما واحتساب الأجر، ولنا في قصة سيدنا أيوب ونبينا محمد عليهما أفصل الصلاة والتسليم عبرة، وبالرغم من أنها صفة إلا أننا نطلق عليها «مهارة» ليدرك الإنسان أنه يمكن تعلمها واكتسابها. فهي تُعد من أقوى المهارات التي تساعد الإنسان على تحقيق أهدافه، وتجاوز الصعاب والمشاكل والآلام؛ لأن الصبر مطية لا تكبو، كما قال الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه. فللصبر قوة عجيبة تُظهر مدى تحمل الإنسان الظروف التي تلم به، ومعاناته في الوصول إلى مبتغاه المادي أو المعنوي أو النفسي؛ خاصة لمن يسعى دائماً لتحسين حياته (العلمية والمهنية والأسرية وغيرها) وتطوير ذاته. فالصبر للحظات يكون في أحيان كثيرة أبلغ من أي حل قد يُعطى في حالة انفعال أو استخدام للقوة. فهناك من السيدات من يصبرن على أذى أزواجهن وسوء معاملتهم لهن، كما تصبر الأمهات على تربية أبنائهن وتصرفاتهم وسلوكياتهم. ومن الفتيات من يُغصبن على الزواج ممن لا يرغبن بهم لأسباب معينة، فيصبرن لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا. وهناك من الموظفين من يتحمل قساوة بعض الزملاء أو العملاء. وهناك من المدرسين من يكتم غيظه من بعض الطلبة ليتمكن من إكمال مسيرته التربوية نحو تحقيق الغاية من التعليم. يقول الإمام ابن الجوزي في كتابه (صيد الخاطر): «البلايا على مقادير الرجال. فكثير من الناس تراهم ساكتين راضين بما عندهم من دين ودنيا. وأولئك قوم لم يرادوا لمقامات الصبر الرفيعة. أو علم ضعفهم عن مقاومة البلاء فلطف بهم..». يعجب البعض من تفاؤل وسعادة أناس ابتلوا بعاهة أو حرموا من نعمة، فلم يقف ذلك حائلاً أمام أن يتمتعوا بحياة جميلة. حقيقة عندما يقف الإنسان السليم المعافى أمام أناس مثل أولئك يجد نفسه قزماً أمام صبرهم وهممهم العالية التي لم تتوقف أمام أمر أراده الله. فلو عرف الإنسان حقيقة الصبر لأدرك خيراً كثيراً. قال عليه الصلاة والسلام عن الصبر: (والصبر ضياء). وقال كذلك: (ما أعطي أحد عطاء خيراً له وأوسع: من الصبر). وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «خير عيش أدركناه بالصبر». ومن القصص اللطيفة التي تروى عن الصبر، يُحكى أنّ أحد مشايخ العلم كان كل يوم يردد على مسامع طلابه: «عليكم بالصبر لتكونوا علماء». ومن كثرة ترديده لها علقت في ذهن أحد طلبة العلم، فذهب ذات يوم إلى أحد دكاكين العطارة وقال له :«أريد كيلوجراماً من الصبر». فاشتراه وأخذ يأكل منه كل يوم. ومرت السنون وأصبح طالب العلم هذا عالماً، فذهب إلى شيخه ومعلمه يشكره على تلك النصيحة التي كان يرددها وقال له: أشكرك يا شيخ على نصيحتك، فقد أخذت بها وأصبحت اليوم عالماً». فقال له الشيخ:» وأي نصيحة تلك؟!» فقص عليه القصة، فضحك الشيخ وقال له: «لقد أصبحت عالماً بسبب صبرك على أكلك الصَّبِرَ».

د. عبداللطيف العزعزي
dralazazi@yahoo.com

اقرأ أيضا