صحيفة الاتحاد

دنيا

آسية آمنت بموسى وماتت تحت تعذيب زوجها فرعون

أحمد مراد (القاهرة) - كانت آسية بنت مزاحم تعيش في أعظم قصور زمانها، يخدمها المئات من الجواري والعبيد، زوجها فرعون طغى وتجبر، ونصب نفسه إلهاً على شعبه، وأمر عبيده بأن يعبدوه ويقدسوه هو وحده ولا أحد سواه، وأن ينادوه بفرعون الإله، وهي تلقت النبي موسى من اليم، وأقنعت فرعون بالاحتفاظ به، وتربيته كابن لهما، في البداية لم يقتنع بكلامها، ولكن إصرار آسية جعله يوافقها الرأي وعاش موسى عليه السلام معهما وأحبته حب الأم لولدها.
قصة آسية مع موسى
ويروي ابن كثير قصة آسية مع موسى عليه السلام، فيقول: «ذكر المفسرون أن الجواري التقطنه - أي سيدنا موسى - من البحر في تابوت مغلق عليه، فلم يتجاسرن على فتحه، حتى وضعنه بين يدي امرأة فرعون «آسية بنت مزاحم». فلما فتحت الباب وكشفت الحجاب، رأت وجهه يتلألأ بتلك الأنوار النبوية، فلما رأته ووقع نظرها عليه، أحبته حباً شديداً جداً، فلما جاء فرعون قال: ما هذا وأمر بذبحه. فاستوهبته منه ودفعت عنه «وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ»، فقال لها فرعون: أما لك فنعم، وأما لي فلا. أي: لا حاجة لي به والبلاء موكل بالمنطق. وقولها: «عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا»، «القصص: الآية 9»، وقد أنالها الله ما رجت من النفع، أما في الدنيا فهداها الله به، وأما في الآخرة فأسكنها جنته بسببه. «أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا»، وذلك أنهما تبنياه، لأنه لم يكن يولد لهما ولد. قال الله: «وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ» أي: لا يدرون ماذا يريد الله بهم.
وعندما دعا موسى عليه السلام إلى توحيد الله تعالى آمنت به وصدقته، ولكنها في البداية أخفت ذلك خشية فرعون وما لبثت حتى أشهرت إيمانها بدين موسى عليه السلام، وجن جنون فرعون لسماعه هذا الأمر المروع بالنسبة له، وحاول عبثاً ردها عن إسلامها وأن تعود كما كانت في السابق.
تحدي فرعون
ويروى أن فرعون قتل الماشطة التي كانت تمشط ابنتها بعد أن قالت له متحدية: ربي وربك الله. ونتيجة لذلك التحدي قذفها في النار هي وأولادها، فلم ترض زوجته آسية لأنها أختها في الله والأخوة في الله، تنعدم فيها الطبقية بين الحرة والأمة وبين الرئيس والمرؤوس، فأرادت أن تنتصر لأختها في الله فقالت لزوجها فرعون عندما أخبرها عن أمر الماشطة: الويل لك ما أجرأك على الله. فقال لها: «لعلك اعتراك الجنون الذي اعترى الماشطة». فقالت: ما بي من جنون ولكني آمنت بالله تعالى رب العالمين. وبعد ذلك دعا فرعون أمها. وقال لها: «إن ابنتك قد أصابها ما أصاب الماشطة. فأقسم لتذوقن الموت أو لتكفرن بإله موسى، فخلت بها أمها وأرادتها أن توافق فرعون، ولكنها أبت، وقالت: أما أن أكفر بالله فلا والله. وعندما رأى فرعون تمسكها بدينها وإيمانها خرج على الملأ من قومه فقال لهم: ما تعلمون من آسية بنت مزاحم فأثنى عليها القوم، فقال: إنها تعبد رباً غيري فقالوا: اقتلها. ثم نادى فرعون زبانيته وأوتدوا لها أوتاداً وشدوا يديها ورجليها ووضعوها في الحر اللاهب تحت أشعة الشمس المحرقة ووضعوا على ظهرها صخرة.
وظل فرعون يتلذذ بتعذيبها، وفي أثناء ذلك نظرت آسية إلى ما عند الله ودعت الله أن يبني لها بيتاً في الجنة. قال تعالى «وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ»، «التحريم: الآية 11». وكشف الله عن بصيرتها فأطلعها على مكانها في الجنة ففرحت وضحكت وكان فرعون حاضراً هذا المشهد. فقال: ألا تعجبون من جنونها إنا نعذبها وهي تضحك فقبض الله روحها إلى الجنة رضي الله عنها.
أفضل نساء الجنة
وقال علماء عند تفسيرهم لقول الله تعالى: «وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ»: لقد اختارت آسية الجار قبل الدار، واستحقت أيضاً أن يضعها الرسول صلى الله عليه وسلم مع النساء اللاتي كملن، فعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خط خطوطا أربعة في الأرض. وقال أتدرون ما هذا قلنا: الله ورسوله أعلم فقال صلى الله عليه وآله وسلم: أفضل نساء الجنة أربع خديجة بنت خويلد، وفاطمة الزهراء، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون.