الاتحاد

الملحق الثقافي

سُلطان!

كانت حلماً رائعاً جداً خالج فكري منذ أن ودّعت الإعدادية وأودعت ذكرياتها داخل قلبي, كنت أتوق لهذا اليوم لأني سأكون على مشارف عالمٍ جديد و حياة جديدة. سوف تكون مرحلة انتقالية و لابد من خوضها، و بالنسبةِ لي هذا العام سيكون مصيرياً إما أن أتغلب على شهواتي أو تغلبني فتنقض على حلمي الجميل. كان هذا العام يعني لي أكثر من ذلك، فقد كان هو العام الذي سيجمعني بصديقة الطفولة التي لطالما دسست ذكراها في كتابتي. مضت الأيام و ها قد انقضى العاشر كابوساً مرعباً و الحادي عشر مر ثقيل الأيام, مر بؤساً يشوبه بعض من الفرح, كان ممتعاً بقدر ما كان متعباً, وبالرغم أني كنت انتظر هذا العام, إلا أنها قد قررت اللحاق بركب الثانوية التكنولوجية بتشجيعٍ مني, فتهاوت إحدى ركائز الحلم, ثم جاءني الصيف محملاً بالمفاجآت, بأخبارٍ تسرني وتغيّر مجرى حياتي, تلاشت غمامة الإجازة و بدأت سُحبها بالانجلاء, وأزلفت أبواب الثانويّة العامة للناظرين.
قبيل بداية العام أحسست بوجع يسري في عروقي و يلسع أوردة انتظاري و شعرت بالبرد يقرص أضلاعي و يلفها ألماً, فقد بدا لي أن الحادي عشر من سبتمبر سيأتي حاملاً الوداع على أكفّه, سوف يكون خريفه باهتاً كما اعتاده البشر وسوف تتساقط سعادتي من على أكفّه, سيحضن دموعي و شهقاتي في آخر الليل وعند مطلع الفجر, في سبتمبر سوف تتهاوى جميع الأماني, في سبتمبّر ستموت جميع الأحلام.
كان إحساساً مقيتاً يجلب الأسى و يجرني لمهاوي الردى, كدت أئد بنات أفكاري, صار اليوم الأول في العام الأخير أشبه بالإقلاع على متن طائرة تحلق للمنفى, حيث لا درب للرجوع, و لا حق في اللجوء, صار الليل هواجساً سرمديةً و أنيناً, و الصباح كأساً مراً أحتسيه وينساب لجوفي زمهريراً, كانت الذكريات نتوءات مؤلمة في طيّات الذاكرة, و جراحاً ملتهبة متورمة ممزوجةٍ بدمٍ فاسد و كأن الدراسة بعد أن كانت جحيماً يستساغ, غدت نعيماً لا يطاق, صارت سرادق نارٍ يضيق علي بلظاه ويشوي الأيام شيّاً, انزويتُ بعيداً, و كأني لم اشرئب يوماً بشغف من شرفة الانتظار لذلك اليوم, فقد كان القلق سُلطان عرش وجداني يهيمن على أطراف حياتي و يحكم ببطش فيقيّد سعادتي بقيدٍ من نار.
قررت أمي انتشالي من يأسي العميق وخوفي المرعب فأخذتني في رحلةٍ للمراكز التجارية وبدأت بالإنفاق وانتشر وباء التسوق في أنحائي دون أدنى رغبةٍ مني بمقاومته, و بعدها قررت إهدائي رحلةً لحيث أجد الراحة, حيث تستقر نفسيتي وتشد الطمأنينة رحالها لتعود لدياري ويشد الضيق شداده ليرحل بعيداً تاركاً إياي, لقد أخذتني على جناح الحب إلى منزل جدتي شمّا وأطلقت العنان لرغباتي الجنونية في تلطيخ وجهي بمساحيق الفرح و فرد شعري بالتفاؤل ونقش يدي بالحماس وتغميس قدمي في الاجتهاد, زرعت بين شغاف قلبي شعوراً لا يوصف من الاهتمام فقط لأتحرر من سيطرة القلق ذلك الشعور الذي خطف من مقلتي الكرى فلا عاد يداعبني النعاس ولا يمر قربي, مرت أزمتي بسلام وغمرني حماسٌ لا مثيل له في ليلة و ضحاها, فلا عاد لي فكر أشعث ولا أفكار منكوشة.
هُناك, نُفثَت الروح في حلمي من جديد, أزهرت فيافي الروح فجأة!, و بُثت الحياة في كل أنحاء قفاري, بدت نفسي أنيقةً جداً في تلك الليلة, فقد كانت لا تشبه توأمها الرث مطلقاً ولا أدري ما سبب ذلك التغيير المفاجئ إطلاقاً, ربما لأني وأخيراً قررت إيقاظي من سباتي العميق, الذي أوشك على قتل ما تبقى لي من أمنيات.
صباحاً ضجت مشاعري داخل نفسي وانتشر الصخب هنا و هناك, فقد كانت تحيي عرساً بداخلي, كان صباحاً غير اعتيادي من أشخاص غير اعتياديين, أشخاصاً منحوني أملاً بأن غداً سيكون أجمل معهم, تراقص قلبي على بلاط السلطان فملأني شعور بالطمأنينة وأنا في أوج الخوف, وبالحريّة رغم القيد. لن تكون الدراسة حملاً ثقيلاً يحني كاهلي فتركع أكتافي, كان يتوجب عليّ رؤيتها من هذه الزاوية طالما أن لا سقف يعصمني من ودقها, علي العدو خلف أحلامي لا الهروب منها كمن فر من قسورة, علي البدء بحماس شديد لأنه هناك من يستحق ذلك, فكان يومي الأول مميزاً يعنونه الحب ويختمه اللقاء, يوماً جميلاً جداً ارتكزت فيه أول حروف اسم صديقتي على نظارتي حتى لا تفارقني مطلقاً وحبست تلك الذكرى بين الأضلاع التي خنقها البرد يوماً ما.
اليوم أحسست أن خريف سبتمبر سوف يكون مزهراً مخضر الأوراق مشعاً. ربما يبقى سُلطان القلق مسيطراً على وجداني, ربما يظل حرّاس بلاطه يقرعون أبواب قلبي وبعنف, و لكن مهما حصل فإني أصبحت أرى أن في سبتمبر سوف تصحو الأحلام ونسير لا نهاب شيئاً لأجل تحقيقها, فقد حان الميعاد لننطلق, وغداً سوف نتوسد صدر السماء, فيكون النجاح ظلنا الذي لا تغيب شمسه وأحلامنا تغدو صغاراً ولدوا من رحمِ الاجتهاد, في سبتمبر سوف تنتعش الحياة!.

اقرأ أيضا