ثقافة

الاتحاد

عن خطر التنميط والتغييرات الجذريّة.. شبح العولمة ونهاية الثّقافات

شبح العولمة ونهاية الثّقافات

شبح العولمة ونهاية الثّقافات

بقلم بول فالادييه
ترجمة أحمد حميدة

في مستهل البيان الشّيوعي، كان ماركس قد أكّد بأنّ «شبحاً مرعباً بات يهدّد أوروبا، ألا وهو شبح الشّيوعيّة». ولو قمنا بمحاكاته بصورة ساخرة اليوم، لأقررنا بوجود شبح مخيف بات هو الآخر يهدّد العالم: إنّه شبح العولمة في أبعادها اللّيبراليّة المفرطة. لا شكّ في إنّ مؤلّف كتاب «رأس المال» كان سيفاجئ بمثل هذا الانقلاب، ولا شكّ أيضاً أنّ هذا الانقلاب كان سيرسّخ لديه القناعة بأن«الرّأسماليّة الجريئة والنّشيطة سوف تجرف في طريقها، وبصورة حتميّة، البنى العتيقة والمتقادمة، وتجتثّ البشر والشّعوب رغما عنهم.. من ثقافاتهم وعقائدهم وأعرافهم».
ولسنا بحاجة هنا إلى إثبات هذه العولمة أو تشخيصها، لأنّ آثارها غدت اليوم، وأينما توجّهنا، بيّنة ومرئيّة، وإن كانت، وككلّ البديهيّات، تجرّ معها عدداً غير قليل من الالتباسات والغموض، ومن التّثمينات التّقريبيّة. ولا أقلّ من تلك الالتباسات وذلك الغموض، ما هو وثيق الصّلة بطبيعة تلك الظّاهرة: فأيّ حقيقة تراها تتخفي وراء العولمة؟ ألم تعد هذه المفردة بمثابة الجراب الذي يحشر فيه كلّ شيء، فتدفع البعض إلى تمجيد طابعها«التقدّمي»، فيما تحمل آخرين على شيطنتها بشكل جازم وباتّ؟ والحال أنّ العولمة.. ظاهرة معقّدة، لها مداخل عديدة وتلامس مستويات مختلفة من الحقيقة، حتّى أنّه ليتعذّر علينا اختزالها في ماهية واحدة.
قد تومئ العولمة إلى نزعات اقتصاديّة شرسة (تتّخذ شكل تبادل متزايد للبضائع والخدمات، يتخطّى الحدود القوميّة ويعمل على تنسيب تلك الحدود)، وانتقال مكثّف للرّساميل، يضاعف على نسق حثيث ومتصاعد الصّفقات الحقيقيّة والافتراضية على نطاق العالم بأكمله، كما تشمل العولمة أيضاً المبتكرات التّكنولوجيّة التي تدمج في شبكاتها العالميّة وسائل الاتّصال البالغة التنوّع (وشبكة الإنترنيت هي في هذا الخصوص العلامة الأكثر وجاهة لتلك المبتكرات)، فضلاً عن ظاهرة الموضة وأنماط الحياة الجديدة في الغرب، التي لا تني تنتشر وتكتسح العالم، وغير ذلك من المظاهر الأخرى. بالنّهاية.. تكون العولمة هي اندماج لكلّ الممارسات والسّياسات القائمة على ازدراء الحدود القوميّة والثّقافيّة، وعلى الاستخفاف بكلّ الاعتبارات الأخلاقيّة والقانونيّة.
لا بدّ لنا حينئذ من التساؤل عن أبعاد هذه الظّاهرة التي باتت تشهد نمويّا مذهلاً متسارعاً: فهل أنّها غدت تتطوّر اليوم وفق منطق صارم لا رادّ له، أم أنّها باتت قدراً مقدوراً يعصف بإنسانيّة مسلوبة الإرادة وعاجزة عن المواجهة وردّ الفعل؟ هل تكون الابنة الشّرعيّة للحداثة، تلك التي دشّنها عصر النّهضة وتواصلت مع فلسفة الأنوار، أم أنّها انحراف ابتداعيّ ضلاليّ؟ ثمّ.. أيّة نتائج تسفر عنها بالنّسبة لثقافات العالم التي تعمل العولمة على زعزعتها، بل تصفيتها، لفائدة نموذج أوحد من النموّ، مهيمن وبالغ الإغراء؟

ردود فعل متضاربة
تثير العولمة لدى البعض حالة قصوى من الحماس، مردّها إلى الثّقة التامّة في أدواتها التّكنولوجيّة الحديثة (خاصّة على مستوى الإعلام) وفي طاقة الخلق والإبداع التي أوتيها الإنسان في كلّ المجالات، ويرى أنصار هذا الرّأي أنّ الإنسانيّة سوف ترتقي أخيراً إلى منزلة العالميّة التي طالما كان ينشدها بعض الفلاسفة، أو أنّها ستساعد، على الوجه الأدقّ.. في إقامة مجتمع مدنيّ يشيع فيه على أوسع نطاق، التبادل الحرّ للمنافع بين الأفراد والجماعات. وتبعا لذلك، يرى أنصار هذا الرّأي أنّ كوكبنا المقسّم والمشرذم سوف تتلملم أجزاءه ليغدو قرية كبيرة، يصبح بإمكان المرء فيها النّظر إلى الآخر على أنّه قريبا منه أو مماثلا له. وهذا الانفتاح الكونيّ، بعيداً عن مكبّلات الحدود، هو الذي قد يساعد في نظرهم على حلول حريّة لا محدودة في مجال التّبادل وبالتّالي الدنوّ من نموذج مجتمعي يكون أكثر إنسانيّة.
على أنّ العولمة تثير عند البعض الآخر المخاوف الأكثر حدّة، فيتساءل أعداؤها: أفلا يقود التّنميط التّكنولوجي إلى استئصال الأنظمة السّياسيّة القوميّة التي باتت عاجزة، وإلى تنسيب الثّقافات التي تتراجع مكانتها لفائدة نموذج أوحد، النّموذج الغربي، الذي سوف يكون نموذجاً لعموم النّاس ولا لأحد؟ ألا نقبل بذلك على تعويض أناس حقيقيّين.. متجذّرين في ثقافاتهم وعقائدهم، بكائنات افتراضيّة، يجعلها التنقّل السّريع.. بلا مرسى في الأرض، فيتحوّلون بذلك إلى«كائنات غير واعية، ومحلّ تلاعب ماكر.. لأنّه غير ملموس؟ لذا.. سوف تكون العبوديّة في نظر هذا الفريق، الاسم الجديد الأنسب لهذا التّبادل، الذي لا يلتقي فيه أحد في الحقيقة بأحد».
هل تكون حافزة إلى الحريّة أم تراها تهيئ للاستعباد؟ لسنا بحاجة إلى أن نكون حكماء كيما ندرك أهميّة هذا التّضارب في الآراء، ولكن ينبغي لنا أن نتساءل: ألا يكون المتحمّسون القطعيّون، كما المنتقدون الشّرسون للعولمة، ضحيّة غواية هذه الظّاهرة؟ ونحن نعلم أنّ الغواية هي العلامة المؤكّدة للإغراء الذي يكون مدخلا إلى الخطأ. يبدو أنّ هؤلاء وأولئك غدوا مذعنين لهذه الظّاهرة التي باتت في نظرهم ظاهرة اعتياديّة، أفلا نكون بحاجة حينئذ إلى مسائلة تلك البداهة المزعومة؟ هل ينبغي لنا أن ننخدع بمدى انتشار هذه الظّاهرة حدّ اعتبارها حتميّة ولا مفرّ منها؟
وفي هذا الخصوص، تظلّ دروس إيتيان لا بوويسي، بالغة الوجاهة: إنّ العبوديّة الإراديّة، أي الرّكوع أمام القوى الظّاهرة والمزيّفة، هو في نظر هذا الصّديق لمونتاني، موقف عفويّ وبليد للإنسان، أي ذلك الذي يعتقد في ضرورة الخضوع والانحناء، فيما يكون باستطاعته التّسائل عن نفوذ قد يكون مستعارا وذا سطوة مصطنعة. ألا نكون متى رأينا في العولمة أمراً لا مفرّ منه، قد أسبغنا عليها بعداً جبريّا، وتحاشينا دقّ هذا الشّبح الجديد بمطرقة النّقد؟ ثمّ.. ألا نكون بذلك قد قنعنا بذلك الشّكل من العبوديّة الإراديّة؟
وقد نضيف إلى هذا التّساؤل تساؤلاً آخر. يبدو أنّ العولمة باتت مقترنة بالحداثة ذاتها، أوليست هذه العولمة مرتبطة بالبرنامج العلميّ والتّقنيّ العظيم الذي يَسِمُ زمننا الرّاهن.. وبمشروع التّغيير الجذري للعلاقات البشريّة المرافق لها؟ ثمّ.. أولا تكون العصرنة والحداثة وجهين لعملة واحدة؟ ذلك افتراض ينبغي أن نتركه جانبا، فليس التّحديث التّكنولوجيّ في النّظام اللّيبرالي وحده هو الذي يشكّل قاعدة الحداثة، بل إنّه لمن المحتمل ألاّ يكون ذلك التّحديث غير عامل مدمّر لمبادئ الحداثة ذاتها. ذلك أنّ الحداثة تتحدّد من خلال القدرة النّقديّة للعقل في كلّ المجالات.
إنّ تلك القدرة النّقديّة التي تشكّل عاملاً ثابتاً في تشكّل الحضارة الغربيّة، تفترض وجود عقول مؤهّلة لإصدار الأحكام والتّعاطي مع مصائرها عبر آليّات الدّيمقراطيّة بشكل خاصّ، وتكون يقينا.. غير مستسلمة لقدر لا يردّ. ولو عرّفناها كذلك، لغدت الحداثة مطمحاً أنتروبولوجيّا ومرتكزاً فلسفياًّ أكثر رحابة من حداثتنا اللّيبراليّة الرّاهنة. يكون بإمكاننا حينئذ الدّفاع عن الحداثة ونحن نقاوم الآثار الشاذّة لعصرنة ليبيراليّة منفلتة، إن كانت هذه الأخيرة ستنتهي بالتّنازل عن التّفكير النّقدي للعقل والخضوع لنموذج أوحد.. يقدَّم لنا بصورة تعسّفيّة على أنّه النّموذج الوحيد المتوافق مع الحداثة.

تفاوت بين الثّقافات
قد نحتاج إلى طرح سؤال آخر، يكون موجّها هذه المرّة إلى منتقدي العولمة. فهل يكون هؤلاء على صواب حين يرون في تطوّر تقنيات الاتّصال، التي باتت متشاكلة وكاسحة.. وفي سطوة النّماذج التي تقوم بإشاعتها (أنماط التّفكير، اللّغات المتماثلة، السّلوكات المعلّبة..) خطر لتنميط محتمل ومبرمج للثّقافات، بل خطر انتهاك لتلك الثّقافات والدّفع بها إلى مهاوي الزّوال والتّلاشي؟ تلك مخاوف مبرّرة ومؤسّسة عند الكثيرين على التطوّر اللاّهث لشبكات الاتّصال عبر العالم. وفضلا عن التّنميط الاقتصادي، ألا تشكّل السّيطرة على تلك الشّبكات في أيّ نقطة من العالم، تهديداً لا نزال نجهل أبعاده وتداعياته بالنّظر إلى حداثته؟ بل إنّ البعض لا يتوانى عن التّلويح بشبح إحلال الإنسان الآلي محلّ الإنسان الحقيقي، وهو الإنجاز الذي يذهب أبعد من تعليب أنماط السّلوك والتّفكير(...).
قد يتولّد الوهم هنا من الخلط بين الثّقافة من ناحية والأشياء المنتجة بصورة يوميّة.. الأشياء المؤقّتة والقابلة للتّلف، فيما تمتاز الثّقافة بالثّبات والدّيمومة قياسا إلى موادّ الاستهلاك. وكانت حنّا أردندت قد نبّهت في الماضي إلى خطورة المماثلة بين عالم المنتجات التي تمليها ضرورات الحياة، والعالم الذي يعود إليه الإنسان، فيتجذّر فيه.. وبفضله يتلمّس وجهته، ويعثر على العلامات التي تيسّر تموقعه، والتي بها يحدّد موقفه من الحياة والموت، وبما وراء هذه الحياة، لأنّ الثّقافات هي التي تبني وتهيكل علاقة الإنسان بالعالم الذي يحيط به. إنّها تحفل بفيض من الابتكارات التي تساعد الإنسان على تنشئة ذاته، وتدفعه إلى مباشرة عمل يعطي معنى لحياته، وذلك عبر توضيب سكنة وتنظيم عائلته، وتحديد نظمه الاجتماعيّة والسّياسيّة، وضبط نواميسه الأخلاقيّة وعلاقاته بالفنون والدّيانات. وحتّى إن وجد تفاعل بين تلك الظّواهر واقتحام التّقنيات للثّقافة، فإنّ ذلك لن يتمّ من دون ترك آثار عميقة في العلاقات البشريّة، ولكن ينبغي لنا عدم التّغافل عن أنّ الثّقافة في مجملها لا تتأثّر بالضّرورة، وأنّ الثّقافات الاستثنائيّة تمتلك قدرة بالغة على الاستيعاب تزدريها الأيديولوجيا التقنوقراطيّة.
وبهذا المعنى، ليس من المؤكّد أنّ العولمة تعني تسوية الثّقافات وتنميطها، حتّى وإن ساهمت في تغييرها على نحو متفاوت تبعا لقابليّة تلك الثّقافات على تملّك تلك التّقنيات. أفلا تمتلك الثّقافة الإسلاميّة أو البوذيّة مثلا، من الموارد ما يمكّنها من هضم إسهامات خارجيّة سطحيّة، من دون أن تفقد بذلك أصالتها. فاستعمال الحاسوب مثلا لا يؤدّي بالضّرورة إلى تغييرات جذريّة في علاقات مستخدميه بالكون أو بالأسلاف أو المعتقدات. قويمة هي هذه القراءة لظاهرة الثّقافات، لأنّها تقود إلى تنسيب صيحات الإنذار بخصوص الهيمنة التّقييسيّة للعولمة. ولعلّنا نكون بحاجة إلى القيام بخطوة أخرى، فنطرح سؤالا آخر: أليس من المتوقّع أن نرى بعد فترة من الانبهار، الثّقافات المتأثّرة بالعولمة تردّ الفعل، فتستعيد حيويّتها وخصوصيّاتها؟ وينبغي ألاّ ننسى، أنّه في الماضي.. كثيرون تحدّثوا عن نهاية الثّقافات والحضارات، على إثر ظهور آلة الطّباعة أو الكهرباء أو السيّارة. ومن دون الوقوع في تفائل مبالغ فيه، قد تستوقفنا قدرة الإنسان المدهشة على الاستيعاب، واقتداره على التوثّب إلى الأمام وعلى التّأقلم مع كلّ مستحدث جديد، وهي الصّفات التي لا ينبغي أن نستخفّ بها، لأنّها تنخرط بعمق في تلك الثّقافات، وتمنح الإنسان ما يجعله يقيم بإنسانيّة في هذا العالم.

 

 

 

 

اقرأ أيضا

حيدر التميمي لـ«الاتحاد»: «علم الكلام» ضروري لتجديد الثقافة والفكر