الاتحاد

دنيا

جور وأتنبورو ·· رائدا الدفاع عن بيئة الأرض

ارتفاع درجة حرارة جو الأرض أدى إلى تقلص متواصل في مساحة القلنسوة الجليدية للقطب الشمالي

ارتفاع درجة حرارة جو الأرض أدى إلى تقلص متواصل في مساحة القلنسوة الجليدية للقطب الشمالي

يقول خبراء انصرفوا لمعاينة مدى الضرر الذي لحق ببيئة الأرض في السنوات العشر الأخيرة، إن مشكلة التغير المناخي أصبحت أخطر مما يمكن لأي إنسان أن يتوقع· ولا يكاد يمر يوم إلا وتشهد فيه التراكيب البيئية الأرضية المزيد من التدهور؛ ومنها الانصهار السريع لصفائح الجليد القطبي، وتوقف آلية عمل الأنهار الجليدية في الجبال المنتشرة شمال الكرة الأرضية، وتغير الأنساق الطبيعية للتيارات البحرية والهوائية، والارتفاع المتواصل لدرجة حرارة جو الأرض، وغير ذلك من المظاهر الخطيرة التي تهدد الأحياء كافة·
وكان من الواضح أن هذه المشكلة الخطيرة لم تكن تلقى أي اهتمام من قبل أصحاب القرار السياسي في دول العالم الكبرى وخاصة الولايات المتحدة· ولم يكن التصدي لها بالنسبة لهؤلاء يمثّل أكثر من تقديم تضحيات ببعض المكاسب الاقتصادية·
وطالما أن الأزمات هي التي تصنع الرجال، فلقد ظهرت العديد من الوجوه السياسية والعلمية المؤثرة التي نذرت نفسها للدفاع عن الأرض والعمل على وقف تدهور البيئة والتصدي لأسباب التغير المناخي· ولعل من أشهر هؤلاء آل جور ودافيد أتنبورو·
وركز جور الكثير من اهتمامه على إقناع الناس بعدم تصديق مزاعم بعض العلماء والسياسيين الذين يحاولون إيهام العالم بأن الارتفاع الاستثنائي في درجة حرارة جو الأرض يندرج ضمن إطار التغيرات المناخية الطبيعية والدورية التي تتكرر عبر التاريخ الجيولوجي· ويرى بدلاً من ذلك أن النشاطات البشرية هي التي تؤدي إلى انصهار صفائح الجليد القطبي بالإضافة لمعظم الأنهار الجليدية التي كانت تتدفق من الجبال المرتفعة إلى السفوح والسهول في شمال الكرة الأرضية· وكلمة السرّ في هذه المشكلة المستعصية هي غاز ثاني أوكسيد الكربون الذي ينتج عن احتراق كل أنواع الوقود من دون استثناء ويلعب دور الغلاف المسبب لمفعول البيت الأخضر الذي يؤدي إلى رفع درجة حرارة جو الأرض بشكل مستمر· وبلغت مشكلة ذوبان الجليد القطبي من الخطورة الحد الذي أدى إلى فتح ممرات بحرية جديدة على مشارف القارة القطبية الشمالية· كما يشير جور إلى أن الانصهار السريع للجليد القطبي يهدد برفع مستوى سطح البحار بأكثر من سبعة أمتار قبل منتصف القرن الجاري لو استمر تزايد معدل غاز ثاني أوكسيد الكربون في الجو على نفس وتيرته الراهنة·
ومن المظاهر الأخرى لأخطار التغير المناخي، تلك التي تتعلق بتغيّر الأنساق الطبيعية للتيارات البحرية والهوائية التي كانت محكومة بقوى طبيعية تجعل من نشاطاتها أمراً مألوفاً ومفيداً لكافة الأحياء التي تستوطن الأرض· فهذه الأنساق أصابها تغيّر وتبدّل كبيران أديا إلى إصابة المجال الحيوي بأضرار بليغة، وحرما الحيوانات والطيور من القدرة على التكيف مع ظروف جديدة تتقاطع مع ما تأمرها به ساعاتها البيولوجية· وكان من نتيجة ذلك أن اضطرت بعض أنواع الحيوانات والطيور إلى الهجرة من مواطن عيشها بحثاً عن أماكن أخرى أكثر ملاءمة لها·
ولم يعد في وسع عالم واحد أن ينكر التأثير الكبير لغاز ثاني أوكسيد الكربون على جو الأرض· وأصبح من المؤكد أن هذا الغاز الذي ينتج عن حرق كل أنواع الوقود بلا استثناء، يكون قد أسهم في تغيير طبيعة العلاقة القائمة منذ الأزل بين الأرض والشمس· ونظراً لأن جور متخصص في الدراسات البيئية، فلقد آثر أن يشرح هذه العلاقة بكل تفصيل من خلال أفلام تلفزيونية وثائقية بثّتها كبريات المحطات العالمية وكان لها أثرها الكبير في استثارة أصحاب القرار السياسي في العالم لإعادة تقييم مواقفهم من هذه المشكلة الخطيرة· ويقول جور في شرحه لهذه المشكلة إن المحيطات تمتص نسبة كبيرة من غاز ثاني أوكسيد الكربون المتزايد، ولو استمر الامتصاص وفق المعدل الراهن فإن مياه المحيطات سوف تتشبع بمادة كربونات الكالسيوم وإلى المستويات الكافية للقضاء على ما تبقى من الأحياء المرجانية والأصداف·
وهو يشير إلى أن ارتفاع درجة حرارة جو الأرض وحرائق الغابات وقطع الأشجار، تؤدي جميعاً إلى تناقص أنواع الأحياء إلى المستوى الذي يمكن مقارنته بما حدث قبل 65 مليون سنة عندما أدى هجوم صاعق للنيازك والشهب على سطح الأرض إلى انقراض مئات الأنواع من الأحياء من بينها الديناصورات· ويضيف جور قوله: (وهذه المرة لا يتعلق الأمر بمذنبات ضربت الأرض، بل بسلوكنا نحن البشر)·
وفي عام ،2007 بادرت الأكاديميات الوطنية للعلوم في أحد عشر من البلدان ذات الوزن السياسي والاقتصادي المؤثر، لدعوة بقية دول العالم إلى التصرف مع المشكلة على أساس ما أكدته البحوث من أن الخطر الكامن في ظاهرة التغير المناخي أصبح مؤكداً وواضحاً· وبات من واجب هذه الدول كلها ومن دون أي استثناء أن تعمل كل ما في وسعها للحدّ من أسبابها·
ويتساءل جور: فلماذا يبدو قادتنا وكأنهم لا يسمعون هذه التحذيرات الواضحة؟، ألا يعود سبب ذلك بكل بساطة إلى أن الاستماع إلى صوت الحقيقة هو أمر لا يروقهم؟·
وعندما يذكر المدافعون عن البيئة والأحياء الأرضية، لابد أن يكون عالم الأحياء الإنجليزي دافيد أتنبورو في رأس القائمة· وتكمن قوة تأثيره في التصدي لمشكلة التغير المناخي للأرض، في معرفته الوثيقة بمختلف أنواع النباتات والحيوانات من خلال رحلات استكشافية ميدانية دامت أكثر من 50 عاماً·
ولد أتنبورو في لندن في 8 مايو من عام ·1926 وعمل منذ عام 1950 مذيعاً ومعدّاً للبرامج التربوية والتثقيفية في هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن تمكن من تصوير آلاف الحلقات التلفزيونية حول حياة الأحياء والنباتات البرية وتأثير تغير الظروف البيئية عليها·
واشتهر أتنبورو أيضاً في تأسيسه لرابطة علماء التاريخ الطبيعي التي نجحت في تقديم سلسلة من البرامج التلفزيونية· وكان يتعاون مع علماء مشاهير في هذا الميدان من أمثال السير جوليان هكسلي· ويعزى لأتنبورو الفضل الأكبر في اكتشاف السلوكيات الغريبة للأحياء· وتتميز حلقات برامجه التلفزيونية بالإثارة والبساطة وحسن التأليف والعرض·

آل جور·· جهود لإنقاذ الأرض

ينتسب ألبيرت آرنولد جور المعروف اختصاراً باسم آل جور، إلى فئة قليلة من الناشطين العالميين الذين نذروا حياتهم للعمل على وضع حدّ لتدهور النظام البيئي للأرض· وهيأت له المهن والمناصب التي مارسها، الفرصة لتقديم طروحات جريئة وواقعية تهدف إلى إقناع الناس في العالم أجمع وخاصة منهم أصحاب القرار السياسي بالعمل على إنقاذ الأرض بالسرعة الممكنة، وركّز على الدعوة إلى رصد الطاقات والإمكانات الكافية للعمل على تخفيف الظواهر المسببة للتغير المناخي، وقال إن هذه الظواهر أصبحت تهدد بنهاية وشيكة للنظام الاحيائي الذي يستوطن الأرض·
ولآل جور تاريخ طويل كباحث علمي ورجل أعمال وصحفي وعسكري وسياسي· وهو إلى كل ذلك، من الحاصلين على جائزة نوبل للسلام· وفي عام 1985 انتخب سيناتوراً عن ولاية تينيسي وبقي في هذا المنصب حتى عام 1993 حيث أصبح النائب رقم 45 لرئيس الولايات المتحدة في إدارة الرئيس بيل كلنتون وبقي في هذا المنصب لولايتين متتاليتين حتى عام ·2001
ولد جور في مدينة واشنطن في 31 مارس من عام ،1948 وبعد إنهاء دراسته الجامعية في جامعة هارفارد عام ،1965 عمل في السياسة والصحافة والدفاع عن البيئة· وفي عام 2007 فاز بجائزة نوبل للسلام، كما فاز بلقب رجل عام 2007 الذي تمنحه مجلة (تايم) سنوياً·
ويُحسب لآل جور أنه مؤسس (التحالف من أجل الدفاع عن المناخ) Alliance for Climate Protection، وهو أيضاً عضو مجلس مدراء شركة (آبل)، ومستشار أول في شركة (جوجل)، كما يشغل العديد من المناصب الأخرى·
وفي شهر مايو من عام ،2006 كان قد أكمل 30 عاماً في التعمق بدراسة مشكلة التغيرات الطارئة على مناخ الأرض وقرر الانصراف إلى وضع أسس جديدة للسياسات البيئية· وعمد إلى إنتاج أفلام تلفزيونية وثائقية مدعّمة بنتائج البحوث والدراسات والصور والمخططات التي تشرح جميعاً درجة الخطر الذي أصبحت تتعرض له الأرض بسبب التغير المناخي·
وحقق جور شهرة عريضة في هذا المجال عندما أنتج فيلماً سينمائياً تثقيفياً حول هذا الخطر اختار له عنوان (الحقيقة المرّة) كما أنتج أفلاماً للتلفزيون كان هو بطلها الذي يتولى الشرح والتوضيح· وقال ذات مرة مخاطباً جمهور الناخبين في الحملة الانتخابية التي خاضها كنائب للرئيس المرشح بيل كلينتون: ''سواء أكنتم ديمقراطيين أو جمهوريين، أو صوتّم لي أو لغيري، فإنني آمل أن تتأكدوا بأن هدفي النهائي يكمن في مشاركتكم مشاعر القلق التي تنتابكم حول الأرض التي نعيش عليها والمصير الغامض الذي ينتظرها''·
ويركّز جور في محاضراته ومقالاته على أن مشكلة التغير المناخي أصبحت على درجة عالية من الخطورة، ويمكن القول إن العالم أصبح الآن في حالة طوارئ بيئية حقيقية· وسبق أن انصرف ألوف العلماء الذين يمثلون أكثر من 100 دولة منذ 20 عاماً على إنجاز عمل بحثي مشترك لم يشهد التاريخ مثيلاً له حول مستوى التردي الذي آلت إليه بيئة الأرض وخرجوا من ذلك بالنتيجة التي تفيد بأن إنقاذ البيئة من التدهور يتطلب عملاً دولياً جماعياً لا مبادرات فردية معزولة· وتوحي الكثير من القرائن المؤكدة بقوة أنه ما لم يبادر العالم للعمل بجدّ وبسرعة على التصدي لأسباب الاحترار المتواصل لجو الأرض، فإن عالمنا سوف يعاني من سلسلة كوارث متلاحقة تتضمن هبوب عدد أكبر وأكثر قوة من الأعاصير مثل كاترينا في المحيطين الأطلسي والهادئ· وسوف ترتفع درجة حرارة الجو حتى تصبح الحياة على سطحها لا تطاق·

حلم أتنبورو

حصل أتنبورو عن إنجازاته في مجال الدفاع عن الأنواع التي تستوطن الأرض، على لقب (سير) بالإضافة لعشرات الجوائز الأخرى· وقال ذات مرة : ''إن مستقبل الحياة على سطح الأرض أصبح يعتمد بشكل أساسي على مستوى قدرتنا على اتخاذ المواقف الصحيحة من المشاكل التي تتعرض لها البيئة· وصحيح أن العديد من الأشخاص يؤدون ما عليهم في هذا المجال، ولكنّ النجاح الحقيقي لن يأتي إلا من خلال تحقيق تغير كامل في الأسس التي تقوم عليها مجتمعاتنا واقتصاداتنا وسياساتنا· ولقد كنت محظوظاً لأنني عشت حياة عامرة بسعادة التعرف على أنواع كثيرة من الأحياء التي تعيش في عالمها الطبيعي المثالي· وأشعر أن من واجبنا الآن أن نعمل على الإبقاء على جزء ولو بسيط من هذا العــالم لأبنـــــائنا وأجيالنا المقبلة''·

اقرأ أيضا