الاتحاد

دنيا

كيد الشياطين


سعاد جواد SUAD-JAWAD@ HOTMAIL .COM: لقد أصبحت صديقتي المقربة، مع اني تعرفت عليها في الجامعة ولم اكن اعرفها من قبل، ومع انها من إمارة اخرى بعيدة عن الامارة التي جئت منها، إلا انني احسست بانني اعرفها وانها قريبة إلى نفسي، لقد اعجبتني صفاتها الاخلاقية كالحشمة والتواضع واللسان الحلو، انها بصراحة مميزة جداً، ومع سنين الدراسة والعشرة صرت اكتشف المزيد والمزيد من صفاتها الحسنة، مما ادى إلى تقاربنا اكثر واكثر، لقد اصبحنا مثل الاختين، كل واحدة منا تهتم بالاخرى وتحرص على راحتها، همست لي يوماً برغبتها بأن لا نفترق، فأطلقت حسرة طويلة من اعماقي وانا أقول لها: انه شيء مستحيل·· فبمجرد انتهاء الدراسة الجامعية ستعود كل منا إلى إمارتها ولن نلتقي إلا في الحالات النادرة، ابتسمت بمغزى وقالت: أنا عندي الحل!
قلت لها: ما هو ذلك الحل؟
قالت بسعادة: سأخطبك لاخي·
فوجئت بقولها وسكت استحياءً منها، لقد سبق وان حدثتني بان لها أخا وحيدا يكبرها بثلاث سنين وقد تخرج من الجامعة وهو يعمل بوظيفة جيدة، وقد اخبرتني بأن امها تبحث له عن عروس مناسبة، بالطبع لم اتوقع أنني انا من سيقع عليها ذلك الاختيار، لا استطيع ان انكر بانني احسست بالسعادة من أعماقي، فما أجمل ان اعيش مع اناس احبهم، مع صديقتي الغالية وأمها الحنون التي سبق وان التقيت بها عندما جاءت لزيارتنا سابقاً، لقد احببت تلك المرأة كثيراً فهي من أهل الله، طيبة وحنونة ولا يخرج من فمها إلا الخير، وكذلك فقد عرفت من صديقتي أن والدها هو من نفس طينة أمها، طيب وحنون·· ما كان يقلقني حقاً هو انني لا اعرف عن أخيها الشيء الكثير·
تمت خطبتي لشقيق صديقتي وقد بقيت أدعو ربي ليلاً ونهاراً بان يكون طيباً مثل أمه وأخته· لم تسمح لنا الظروف بالتحدث على الرغم من مرور سنة على الخطبة، فالظروف العائلية لا تسمح بذلك فبقيت أعاني من ذلك القلق وكنت أخجل ان اسأل صديقتي عن أخيها خطيبي: كيف هو وكيف يفكر وكيف يتصرف؟ عموماً فقد مرت السنة الجامعية الأخيرة وتخرجنا من الجامعة· بعد التخرج مباشرة تمت مراسيم العرس وانتقلت للعيش مع اسرتي الجديدة، لا يمكن ان اصف ما وجدته من سعادة، فقد اكتشفت أن زوجي أطيب وأروع من الجميع، لقد عرفت ذلك منذ الأيام الأولى من الزواج، فقد كان يعاملني برقة وكأنني دمية غالية، كان يدللني ويغدق عليّ الهدايا والكلمات الجميلة والمشاعر الجياشة، يا الهي كم انا محظوظة·
جاء طفلي الأول ليتوج سعادتي الزوجية، فقد ازداد اهتمام زوجي بي وتدليله لي أثناء فترة الحمل، وكذلك كان موقف والديه مني، ولكن صديقتي كانت تتجاهلني وتتظاهر بانشغالها بعملها وبصديقاتها الجديدات، كنت ألاحظ بعض نظرات الحسد والغيرة التي ترمقني بها اكثر الاحيان، وأيضاً فانها كانت تقول لأخيها وكأنها تمزح: لا تدلل زوجتك كثيراً، فالدلال يفسد الحريم، ثم تنصرف بعد ان تلقي نظرتها الغريبة تلك نحوي· لم أعر الأمر اهتماماً كبيراً، فزوجي لم يكن يكترث لها ولا يهتم بتعليقاتها، وأيضاً فقد كنت أفكر بان الأمر كله مؤقت، وانها لا تقصد شيئاً بتلك النظرات والتعليقات، ولكن كلما مرت الأيام والشهور صارت تتغير من ناحيتي وتصبح اكثر عصبية وانفعالاً كلما شاهدتني·
أنجبت طفلي الثاني والثالث وكانت السنين تمر بسرعة ولم يتقدم احد لخطبتها، كانت تزداد حدة وعصبية حتى تبدلت وكأنها اصبحت انسانة اخرى غير تلك التي كنت اعرفها وأحبها وكانت اقرب الناس إلي· صرت اخاف من نظراتها ومن انفعالاتها المستمرة ومن طريقتها في التحدث معي وانتقادي في كل ما اقوم به، اصبحت أحاول تجنبها قدر الامكان· بعد ان اصبح لدينا ثلاثة اطفال وصار المنزل لا يسعنا لكثرة المشاكل التي تحدثها الأخت - التي كانت صديقتي- في كل وقت، مما يؤثر على صحة العجوزين وعلى الأولاد لذلك فقد قررنا انا وزوجي الاستقلال في سكن منفصل· لم يعارض والداه الفكرة واستحسناها ليتخلصا من تلك الصراعات والمشكلات التي تثيرها ابنتهم فهم يفكرون بما يتعرض له الأولاد من العيش في أجواء النكد· أما هي فقد غضبت غضباً شديداً لا حدود له وبدأت بالصراخ والشتائم واطلاق الاتهامات العديدة نحوي بلا رحمة، قائلة لزوجي ان زوجتك هي عقرب سامة تريد اخذك من أهلك، لقد سيطرت عليك بسمومها واستطاعت ان تتحكم بعقلك وقلبك وهي تريد ان تحرمنا منك، لعنة الله عليها، انا المذنبة الوحيدة لانني تسببت في زواجك منها، انا نادمة على فعلتي واعترف بانني اخطأت في اختيارها واقناعك بالزواج منها· سمعت كل ذلك وبقيت ساكتة لا أرد عليها بكلمة واحدة، وانما بكيت كثيراً لانها تجرحني باستمرار ولا تكترث لمشاعري مع انني لم أخطئ في حقها·
نار الغيرة
حاول زوجي تهدئتها وكذلك فعلت أمها وأبوها، الكل يحبها ويريد ارضاءها بما فيهم انا، لانني أقدر ما تمر به بسبب تأخر زواجها واحساسها بالنقص بسبب ذلك، ولكنها لا تعي ما تسببه لنا كلنا من أذى كبير لا يمكن احتماله· بعد محاولات اقناع مستميتة بذلها زوجي ووالداه، وافقت أخيراً على انتقالنا ولكنها اشترطت على زوجي بان يحضر يومياً إلى منزلهم وبلا انقطاع، فيجالسهم لساعات كما كان يفعل سابقاً، وافق زوجي على ذلك ولم اعترض طبعاً فما الضير في ان يجالس أهله بدلا من مجالسة الاصدقاء والغرباء؟ عموماً فقد وفرت بهذا الانتقال أجواء اسرية مريحة لي ولاولادي وهذا هو المهم·
مرت سنة كاملة على انتقالنا لمنزلنا الجديد وهي لم تحاول يوماً ان تزورنا، لم اكترث وصرت انا ازورهم باستمرار لكي اكسر حاجز الفتنة والشر بيننا ولانني اعرف مقدار تعلق الجميع بالاولاد، فلا اريد ان احرمهم من التمتع بصحبتهم بشكل مستمر، أما زوجي فقد اصبح يزور أهله يومياً في المساء ولا يعود إلا متأخراً في الليل· على الرغم من ذلك كله لم نستطع ان نطفئ نار الحسد والغيرة التي اشتعلت في قلبها وكان غضبها المستمر يعطي للشيطان مدخلاً إلى عقلها وقلبها، فعششت فيهما الوساوس فأصبحت تعتقد بانني اقوم بعمل سحر لزوجي من أجل أن يحبني ويطيعني، مع انها كانت تعرفني جيداً وتعرف أفكاري التي لا تسمح لي بمثل هذه الأمور، فانا انسانة مؤمنة أخاف الله فهل يعقل ان استعين بالشياطين لكسب حب زوجي واهتمامه؟ لقد اكرمني ربي بحب زوجي لي واهتمامه بي بلا أي تدخل مني وانا احمد الله على ذلك حمداً كثيراً· اصبحت تردد تلك العبارات أمام زوجي كثيراً لتوهمه بانني اقوم بمثل هذه الأعمال من وراء ظهره، كان يضحك ويستهزىء بتلك الأفكار ويخبرني بها وهو مستاء من طريقة تفكير أخته الغريبة· ذلك الشك دفعها للذهاب إلى احد الدجالين لتتأكد من الحقيقة، فقام ذلك الشيطان بتأكيد تلك الوساوس واخبرها بانني قد قمت بعمل سحر لزوجي وأيضاً انني قد قمت بربطها عن الزواج لحسد في نفسي وغيرة منها، للأسف فقد صدقته ووضعت مالها وعقلها بين يديه من أجل ان يعمل ما يستطيعه لفك السحر المزعوم المعمول لها ولأخيها·
أثر السحر
جاء زوجي ليخبرني بما فعلته أخته، حيث انها احرقت البخور تحت قدميه واعطته ماءً ليشربه، وقد كان متأثراً بمزاعمها ويبدو وكأنه قد صدق ما قالته له، فوجئت بذلك وقلت له: أنت تعرفني جيداً، انا زوجتك أم اطفالك، هل تشك بي؟ ألا تعرف أنني انسانة مؤمنة ولا يمكن ان ارتكب مثل ذلك الشيء الذي حرّمه الله وجعل عقوبته عظيمة؟
بقي ساكتاً لا يدري ما يقول، بكيت كثيراً وحزنت على ما تقوم به صديقتي، أخت زوجي، عمة أولادي، الانسانة التي تعرف ربها وتصلي، وقد وصلت إلى مراحل العلم الجامعية، اسفت لانها يمكن ان تفكر بمثل هذه الطريقة· منذ ذلك الوقت تبدلت حياتنا الزوجية تبدلاً كاملاً، اجتاحتني مشاعر الخوف بشكل غير طبيعي، صرت أخاف الظلمة وأحب العزلة واهرب من الناس، احلامي كلها صارت مفزعة والكآبة تسيطر على نفسي وقد توترت علاقتي مع زوجي توتراً رهيباً، فأصبحت لا اطيق رؤيته وهو أيضاً لا يطيقني، تقريباً انتهت علاقتنا كزوجين وصار لكل واحد منا غرفة نومه المستقلة· انقلبت حياتنا من السعادة والاطمئنان والاستقرار إلى التعاسة والقلق والشك والخوف، وكل يوم جديد يمر علينا تزداد معاناتنا اكثر واكثر· بعد ذلك بمدة بسيطة توفيت والدة زوجي ثم تبعها والده بنفس الاسبوع، فكانت الصدمة صعبة على الجميع، صار زوجي ينام في منزل أهله مع أخته، فهل يعقل ان يتركها وحيدة؟ مرت أشهر وانا لا أرى زوجي، والأولاد يسألون عن والدهم، اتصلت به واخبرته بحق الاولاد في وجود والدهم في حياتهم، فأخبرني بانه لا يدري ماذا يفعل، فأخته ترفض ان تعيش معنا وترفض ان تترك منزل الأهل، وترفض ان نسكن نحن معها· تفهمت وضعها فطلبت منه ان يأتي ظهراً ليبقى مع الاولاد ثم يقضي الليل مع أخته· بقي الحال هكذا لفترة ثم ساءت حالتها النفسية، فأخذت تتعالج في العيادات النفسية دون جدوى، وأنا أيضاً كنت ازداد سوءاً يوماً بعد يوم لانني فقدت سعادتي الزوجية وصحتي النفسية· فكرت في حل منطقي لهذه المشكلة وطلبت من ربي ان يعينني على حلها والتغلب على مكر الشياطين الذي دمر حياتنا، هداني ربي إلى قرار حكيم، فذهبت إليها واخذت معي البوم صورنا القديمة وهداياها التي كنت اعتز بها، جلست معها وحدثتها بود، ذكرتها بصداقتنا الحميمة واقسمت لها بكتاب الله انني لم أقم بعمل سحر لها أو لأخيها واقنعتها بان نسكن معها انا والاولاد لنبدد وحشتها بعد رحيل الأحبة ولنعود اسرة متحابة كما كنا في الماضي بعيداً عن كيد الشياطين ومكرهم· أخيراً اقتنعت بالفكرة وصارت تتعافى تدريجياً من تلك الحالة·

اقرأ أيضا