الاتحاد

دنيا

محمد النقبي المنحدر من الجبل إلى البحر


دبي ـ موزة خميس:
'دبا الحصن'·· تلك البلدة التي تستلقي على ضفاف الخليج وتستند على سلسلة من الجبال المحيطة، وتحتضن المزارع التي طالما كانت من أجمل البساتين التي كان المصطافون من مختلف أرجاء الإمارات يتلهفون لها كـ (مقيض) مصيف، ولا تزال دبا تلك البلدة الجميلة الساحلية ذات المزارع والبساتين كثيرة، حتى أن الكل كان قديما يقترحها كمصيف للذين لم يجربوا صيفها، فشاع بين الإماراتيين مثل شعبي متداول وهو: 'بنقيض دبا وبنشوف مقيضها'!·· حتى إن الإنسان إذا مدحه أحد أو مدح نفسه عند أحد، قيل له ذلك المثل·
محمد بن علي بن يعروف النقبي من عشيرة يعروف وقبيلة النقبيين، وهو من سكان دبا الأصليين، حيث لم يأت من منطقة أخرى من مناطق الدولة، وكان سكان دبا قلة، ولذلك كان الفرد منهم يمتلك الكثير من الأراضي في المنطقة الزراعية الحالية، وكان معظم سكان دبا ينتقلون لمنطقة المزراع كل صيف، وتسمى منطقة الشهري، في عملية تسمى بـ'التحول' وباللهجة المحليه يقولون(بنتحول إلى ·· )، وقد كان والد محمد: الشيخ علي بن يعروف (رحمة الله عليه) رجل دين، فهو المطوع الذي كان يعلم البنات والبنين القراءة وتلاوة وحفظ القرآن، ولذلك كان يحظى بمكانة جليلة بين سكان دبا والمناطق المحيطة بها، ولكن كانت مهنته الأصلية (القلافة) وهي صناعة السفن، والزوارق، والشواحيف· وعندما أصبح محمد يعي مايحدث حوله كطفل، وجد نفسه يذهب يوميا إلى مزرعة والده ليعتني بالزرع أو يزرع، وكان والده عوّده على العمل صباحا، وفي المساء كان يحرص على أن يعلمهم الكتابة والقرآن على ضوء المصباح الزيتي، ثم اشترى والده مزرعة أخرى كانت تسمى (بيبيان)، وقد حصل على رأس المال الذي يشتري به المزرعة من النقود التي جمعها في زمن الغوص، وكانت تبلغ خمسة آلاف روبية، ثم من نقود صنع السفن، ولذلك اشترى في البداية نصف المزرعة وكان النصف الثاني تعود ملكيته للراحل سلطان العويس رحمة الله عليه، وكانت تلك المزرعة بها الخير الكثير، حيث كانت تطرح سنويا مايعادل 50 إلى 70 جرابا من التمور، والجراب يحمل حوالي من 25 إلى 50 كيلوجراما، فكان والد محمد رحمة الله عليه يبيع من تلك التمور ويحتفظ بجزء منها لأهله، وحتى الأهالي الذين اعتمدوا على مهنة قطع الحطب أو التحطيب كان يبادلهم الحطب بالتمور أحيانا، حتى استطاع تكوين ثروة· زواج مبكر
تزوج محمد وعمره لا يتجاوز الأثني عشر عاما فقد كان الأهل عندما يشعرون بمظاهر الرجولة على أبنائهم يزوجونهم كي يضمنوا لهم الأستقرار والتفرغ للأسرة والعمل، وتم اختيار خديجة بنت الشيخ علي بن احمد بن غازيين، زوجة لمحمد، وقد كان والدها قاضيا وشيخ دين ورعا، وعينا من أعيان دبا، وهي أم عياله وشريكة الدرب الطويل· يتذكر محمد أن أهل لنجة والبحرين والكويت كانوا يأتون في سفنهم إلى دبا لشراء الحطب، وفي تلك السنوات، وذلك العمر الصغير بدأ محمد في العمل في البحر الذي يكرهه ولا يستطيه البعد عنه، فكان يخرج في رحلات(عامله- للضغاية) وهذه التسمية تطلق على رحلات صيد سمك السردين الصغير، الذي يسمى محليا (العومة)، وبعد فترة قصيرة استطاع محمد أن يكسب ثقة أهل البلد، فأخذ يعمل معه ستون شخصا من أهل دبا· وتستخدم العومة لصنع الجاشع بعد تجفيفها في الشمس على حرارة الرمال وتقليبها حتى تجف، والجاشع هو مسحوق السردين، كما يقوم الأهالي أحيانا بطبخ العومة كمرق، وكان كل 100منَ من الجاشع يباع بـ 35 روبية هندية، وكمية المن تعادل أربعة كيلوجرامات من الجاشع، ولكن أخذ سعرها يزداد حتى أصبحت بـ 10 دراهم، وكان يعمل على هيئة أكوام كبيرة تسمى 'فلل'، فكان بعد تجفيفه يغطى حتى يأتي الشاري فكان التجار يشحنون منه إلى سلطنة عمان قديما ليستعمل كسماد للمزارع، وأيضا للبحرين وإلى(كرمب) في سيريلانكا حيث يستعمل كوجبة ثمينة· بعد أن توقف محمد عن رحلات الضغاية في عام 1964م توجه للصيد بـ(الألياخ) وهي نوع من أنواع الشباك التي تستخدم لصيد السمك، فكان يصيد بها القباب·
اصدقاء وأسماك
ويتذكر محمد أن له صديقا يكبره بأعوام كثيرة، كان من أشد المنافسين له في البحر، وهو خليفة أحمد جابر، ويبلغ الآن من العمر حوالي 120 عاما، فيما يبلغ عمر محمد يعروف 65 عاما، وقد كان من الرجال الذين يصطادون الجاشع، وكذلك كان عبدالله راشد السلامي رحمة الله عليه من الأصدقاء المخلصين لمحمد وممن عملوا معه في البحر· كان محمد يملك محملا وهو نوع من أنواع السفن، كان قد أطلق عليه أسم عقاب، وعمل عليه لمدة 12 عاما، كما قام محمد بصنع قارب خاص له من الفيبر جلاس يعمل عليه عمال من الجنسيات الأخرى، وحين يتحدث عن الصيد تنفرج أساريره ويقول: هناك من يصيد (بالقراقير) أقفاص السمك وهي لصيد الهامور والحمرا والسكل والشعري، وعند صيده بالليخ يجلب القباب، ويحب اهالي دبا معظم الأسماك عامة، ولكنهم يفضلون النقرور والقباب والكوفر، الشعري، الجرفا، الخباط· يعتبر محمد بن يعروف من أول مؤسسي أسلوب البيع بالمزاد في دبا، ثم جاء بعد ذلك حسن بن جرش، ودخل بعد ذلك آخرون، وحاليا يدخل محمد بن يعروف المزاد ليشتريه ويقوم بتصديره لصالح مصنع في عجمان يقوم بتصديره إلى الخارج·
اولاد البحر
لا يطيق محمد بن يعروف فراق البحر الذي يكرهه، ولذلك حين انتقل معظم أهالي دبا إلى بيوت جديدة في مناطق أخرى بعيده نوعا ما عن البحر، فان محمد النقبي لم يغادر ذلك البيت المطل على ميناء دبا الصغير منذ زمن بعيد، حيث يوجد مسجد قديم وصغير بجانب المنزل، وبذلك يعتبر محمد أن أهم الأشياء في حياته قد توافرت حوله، ويقول: أن من أسباب كرهه للبحر الأهوال التي واجهته وواجهت غيره من إخوانه الصيادين في دبا، وموت الكثيرين منهم قديما في وسطه أو قاعه نتيجة عدة عوامل أهمها وجودهم في البحر ·
ومن ذكريات محمد أنه خرج ذات يوم ومعه ثلاثة من البحارة وكانت الدنيا مظلمة، فلا هي من أجواء المطر ولا الغبار ولا الرياح، بعد مرور ساعتين على فراقهم لميناء دبا طلب من أحد البحارة أن يستلم الدفة كي يصلي هو، ولم يعاين البوصلة حتى يتأكد من الأتجاه، ولم يعرف أنهم انحرفوا عن مسارهم نحو إيران، وعندما وصلوا قريبا من البر، حيث ساروا لمسافات طويلة، وجدوا رجالا يجلسون على أحد الموانئ، فطلبوا منهم المساعدة، فقال لهم أحد الرجال، إن كنتم قد ضللتم الطريق فإن أقرب ميناء لكم هو ميناء خورفكان ويبعد عن هنا مسيرة 10 ساعات· لم يستجب الرجال في ذلك الميناء لنداءات محمد بن يعروف، حيث حذروه من الرسو لتعبئة الخزان بالبترول ولم يقبلوا ببيع إحدى بوصلاتهم له، ولكن قدموا له خدمة توجيهه بالإشارة إلى الخط الذي يجب أن يسير عليه، وسار محمد في ذلك الاتجاه من الساعة الثانية عشر ليلا حتى الساعة السادسة صباحا حيث شاهد إحدى البواخر تمر بجانبهم، فتيقن أنه في الإتجاه الصحيح، إن وجود الباخرة يدل على انه في المياه الإقليمية لدولة الإمارات· وعلى الجانب الآخر، وفي دبا كانت البلدة قائمة دون قعود، والبحث جاريا عن محمد بن يعروف، بحيث انفق أهله ستة آلاف درهم ثمنا لوقود القوارب التي طلبوا من أصحابها الخروج للبحث عنه، وهي 12 زورقا، وعند وصوله وجد كل أهالي دبا يقفون بجانب الميناء لاستقباله، وأيضا يتذكر محمد أنه ذات شتاء خرج ومعه أحمد مراد في رحلة صيد، وبعد أن فارقا البلد بساعتين ونصف توقفا للصيد، وبعد فترة من الزمن جاءت لهم سمكة قرش من النوع الذي يسمى(ذيبة) وهي من النوع الذي يستطيع أن يقف مستقيما كي يلتقم بحارا من داخل سفينة صغيرة·
وكان محمد وأحمد يستخدمان المجاديف، فانقضت الذيبة وخطفت مجداف أحمد، وربما كانت تتوقع ان تخطف المجداف ويسقط البحار في البحر، وكان الجو شديد البرودة، فجلس الأثنان داخل السفينة يطلان برأسيهما على تلك الذيبة التي بقيت تحوم حولهما، ومن شدة البرد تجمدت كفوف محمد على الدفة، ولم يستطع أن يفك أصابعه عنها، حتى قام مرافقه بفك تلك الأصابع التي جمدت من الصقيع والذعر·

اقرأ أيضا