الاتحاد

الملحق الثقافي

حمامات بيضاء وبلشونات سمراء

قصة: روبين داريو
ترجمة: د. طلعت شاهين

كانت ابنة عمي “اينيس” شقراء كألمانية، تربينا معا، منذ صغرنا، في بيت الجدة الطيبة جدا التي كانت تحبنا كثيرا وتجعلنا ننظر إلى بعضنا كأخوين، كانت تراقبنا بحرص، كانت ترانا سعيدين، كانت العجوز الرائعة، بملابسها ذات الزهور الكبيرة، وشعرها الأجعد والملتف، كما لو كانت ماركيزة بوتشر.
كانت “اينيس” أكبر مني قليلا، ومع ذلك، تعلمت أنا القراءة قبلها، وكنت أفهم - أتذكر ذلك جيدا- ما كانت تلقيه حفظاً، بشكل ميكانيكي، من القصائد الرعوية، كانت تغنيها وهي ترقص أمام تمثال المسيح الطفل، وتمثال مريم العذراء الجميلة والقديس سان خوسيه، وسط إعجاب البسطاء من الحاضرين من أفراد العائلة الكبار، الذين يضحكون ضحكات حلوة، ويثنون على مواهب الممثلة الصغيرة.
كبرت “اينيس”، وأنا أيضا، لكني لم أكبر مثلها تماما، كان يجب أن أذهب إلى مدرسة، داخلية مرعبة وبائسة، ويجب أن ابذل فيها جهدا للدراسة والحصول على البكالوريا، وأن آكل أطباقا تقليدية مخصصة للتلاميذ، وأن أنقطع عن رؤية الدنيا، عالمي كمراهق، وعن بيتي، وجدتي، وابنة عمي، وقطي- قط روماني رائع يتمسح بأقدامي في حنيّة ويملأ ملابسي بالشعر الأبيض.
سافرت!...
وهناك في المدرسة استيقظت مراهقتي بالكامل، واتخذ صوتي رنة أجشة، ووصلتُ إلى تلك الفترة السيئة في التحول من الطفولة إلى المراهقة، وحينها، مررت بمرحلة خاصة، بدلاً من اهتمامي بأستاذ الرياضيات، الذي لم يتمكن أبداً من أن أفهم نظرية نيوتن، كنت أفكر في “اينيس” ابنة عمي، وإن كان بشكل ضبابي وغريب.
بعدها مررتُ بعلاقات أكثر عمقا، وتعرفتُ على الكثير من الأشياء، ومن بينها، أن القبلات لها طعم لذيذ.
بعد فترة...
قرأت “بابلو وفرجينيا”، وعندما حلت نهاية السنة الدراسية وخرجتُ في إجازة، أسرعتُ في طريق عودتي إلى البيت، إنها الحرية!
لكن يا إلهي، فإن ابنة عمي في وقت قصير تحولت إلى امرأة كاملة، ووجدت نفسي أشعر أمامها بالخجل، وأحاول أن أكون جادا، وعندما أوجه إليها الحديث، كانت تبتسم لي ببساطة.
لقد كانت “اينيس” قد بلغت الخامسة عشرة والنصف من عمرها، وشعرها ذهبي لامع كالشمس، لقد كان كنزها الرائع، كانت بيضاء مع ميل إلى الحمرة، لقد كان وجهها خلقا رائعا، لو أنك نظرت إليه من المواجهة، وأحيانا بتأملها من الناحية الجانبية، كنت أفكر في صورة ميدالية صقلية رائعة، تحمل وجه أميرة. ملابسها، كانت قد بدأت تقصر، ونهدها، نافر وإسفنجي، كان حلما خبيئا ومتساميا، والصوت صاف ورنان، والعينان الزرقاوان صافيتان، والفم مليء برحيق الحياة وله لون وردي، تتمتع بصحة وعذرية الربيع.
استقبلتني الجدة بأحضان مفتوحة، ورفضت “اينيس” أن تعانقني، مدت لي يدها، بعدها لم أجرؤ على دعوتها للعب كالسابق، كنت أشعر أمامها بالخجل، وماذا! ربما كانت تشعر بما كنت أشعر به أنا!
كانت “اينيس” تذهب إلى القداس مع الجدة، مبكرا جدا.
غرفة نومي كانت ملاصقة لغرفة نومهما، عندما كانت تدق الأجراس دقاتها الصباحية، أكون أنا مستيقظا.
كنت أسمع، بأذن منتبهة، حفيف الملابس. ومن خلال الباب الموارب كنت أراهما تخرجان، كن يتحدثن بأصوات عالية، كانت تمر بالقرب مني روائح حلوى الجدة الصباحية وملابس “اينيس”، كانت مثيرة وملتصقة على جسدها، كانت كاشفة بالنسبة لي دائما.
أوه، كيوبيد!
-”اينيس”...
-...؟
وكنا وحدنا، تحت ضوء قمر أرجنتيني، حلو، قمر جميل من تلك الأقمار القادمة من بلاد نيكاراجوا.
قلت لها كل ما أشعر به، ضارعا ومتلجلجا، أقذف الكلمات، السريعة، المفعمة والمصطنعة والمرتعشة، نعم! لقد قلت لها كل شيء، الأحاسيس الغامضة والغريبة التي كنت أشعر بها عندما أكون بالقرب منها، الحب، والشوق، وقلق الرغبة والسهر الحزين، أفكاري عنها منذ كنت أتأملها وأنا في المدرسة، كنت أكرر الكلمة الكبرى كصلوات مقدسة: الحب. أوه، ربما كانت تستقبل تضرعي أمامها بتلذذ، قلت لها سنكبر أكثر، ونصبح زوجا وزوجة...
انتظرتُ.
كان الوضوح السماوي يلفنا، ويحمل المناخ إلينا روائح خفيفة، كنت أتخيل أنها مناسبة للحب الحارق، الشعر المعظم والعينان الفردوسيتان، والشفاه مشتعلة ومنفتحة!
فجأة وبإيماءة:
-أنظر إنه البله!
وجرت كقطة سعيدة إلى حيث كانت الجدة الطيبة، التي كانت تصلي في صمت بمسبحتها.
-إيه، أيتها الجدة، لقد قال لي...
لقد كانتا تعرفان أنه يجب أن “أقول”...
بضحكاتها قطعت صلوات العجوز، التي توقفت مفكرة وهي تلامس حبات مسبحتها، وأنا كنت أرى كل شيء يجري أمامي، من بعيد، وكنت أبكي، نعم، كنت أبكي بدموع مريرة، لقد كانت أول دموع خداع لي كرجل.
التغيرات الفسيولوجية التي كانت تحدث داخلي، وتطلعات روحي، كانت تحركني بعمق، يا إلهي!، إنني حالم، أنا شاعر صغير كما كنت أعتقد، ما أن بدأت الغوص حتى شعرت بالامتلاء، الأحلام في الرأس، والأشعار على الشفاه، وروحي وجسدي كراشد كانت عطشى للحب. متى تحل اللحظة السامية التي تضئ فيها أعماقي نظرة سماوية؟ ومتى تحل تلك اللحظة التي يجترح فيها خمار اللغز؟
في يوم من الأيام، تحت الشمس الوضاءة، كانت “اينيس” في الحديقة تروي القمح، الذي ينمو بين الأعراش والزهور، والتي كانت صديقاتها تسميها: حمامات الصباح، كانت ترتدي فستانا رماديا مائلا إلى الزرقة - حلمت دائما إنني كنت أراها بهذا الفستان نفسه- له أكمام واسعة، كانت تبين آخر اذرعها الرخامية، كان شعرها ملتفاً ومبللاً، ويظهر عنقها الأبيض الوردي الذي بدا لي كضوء أجعد، كانت الطيور تحّوم من حولها، وتترك أثار أقدامها على المتعرجة.
كان المناخ حارا، كانت أنا مختبئا خلف تعريشة الياسمين، آكلها بعيني، وأخيرا اقتربتْ من مخبئي، ابنة العم الرقيقة! كنت مرتجفا ومحمرا من الخجل، وتشع من عيني شعلة حية وغريبة وحساسة، وانطلقت هي تضحك بعنف، مرعب، وحسن، أوه، لم يكن ذلك ممكنا! ارتميت أمامها بسرعة! حازما، مؤكد إنه كان أمرا جيدا!، عندها تراجعت هي خطوة إلى الخلف مرتعبة.
-أحبك!
حينها عادت إلى الضحك من جديد، طارت حمامة على أحد ذراعيها، داعبتها هي بمنحها بعض حبوب القمح من خلال لآلئ فمها الطيب، اقتربتُ أكثر، تلاصق وجهي بوجهها. والطيور البريئة تحيط بنا... كانت تغمم عقلي غمامة خفية ورائحة أنثوية قوية، كنت أرى في “اينيس” حمامة جميلة وبشرية، بيضاء ومتسامية، والزمن يملؤها بالنار، والاحتراق، كنز من السحر، لم أقل شيئا!. أمسكتُ برأسها وقبلتها في وجنتها، قبلة سريعة، حارقة بعاطفة مشبوبة، هي، انطلقت هاربة، ارتعبت الحمامات وانطلقت طائرة، محدثة ضجيجا خاويا بأجنحتها على الحشائش المرتعشة، وبقيت أنا ساكنا.
بعدها بقليل انتقلت إلى مدينة أخرى، ولم تكن الحمامة البيضاء والشقراء قد بينت أمام عيني الجنة الغريبة التي حلمتُ بها.
لقد كانت ملهمة حارقة ومقدسة لروحي، لقد كان اليوم يقترب، إنها “إلينا”، خفيفة الظل، المرحة، لقد كانت هي حبي الجديد، مباركة تلك الشفاه التي همست للمرة الأولى بالقرب مني بالكلمات التي يعجز عنها الوصف.
لقد كانت هي، في مدينة تقع على شاطئ بحيرة من بلادي، بحيرة جميلة، مليئة بالجزر المزهرة والطيور الملونة.
نحن الاثنين معا، ممسكان بأيدينا، جالسان على الرصيف القديم، والذي تجري من تحته مياه عكرة منغمة بالموسيقى، كان هناك غروب رهيف، من تلك التي تطبع قصص الحب الاستوائية. وفي السماء كان المسطح الساكن يمتد ويخفت إلى أن تتغير درجاته اللونية إلى البنفسج القاتم. من ناحية الشرق، ويزداد ليصبح ذهبا ورديا في الأفق البعيد، حيث تهتز لتنحرف نحو الأحمر النابع من انهيار آخر أشعة الشمس، وكانت هي مندفعة بالرغبة، تنظر إليّ وعيوننا تقول أشياء حارقة وغريبة، وفي أعماق روحينا تغني بلحن مسكر قيثارات إلهية خفية.
أنا، تائها كنت أرى المرأة الرقيقة والحارقة، بشعرها الكستنائي الذي أداعبه بيدي، ووجها بلون القرفة والورد، وعنقها الكليوباتري، وجسدها الفارع العذري، وكنت اسمع صوتها تقول لي كلمات رقيقة، برنة خفيضة، كما لو كانت موجهة لي فقط، ربما كانت تخاف أن يحملها الريح، تركز عينيها فيّ، فتغمرني سعادة عينيها، عينان خضراوان، عينان قد يعشقهما الشعراء دائما، بعدها تهرب عينانا إلى البحيرة، التي لا تزال مليئة بالوضوح الخفي. بالقرب من الشاطئ توقفت مجموعة من البلشونات. بلشونات بيضاء، وبلشونات سمراء، من تلك التي عندما تزداد حرارة النهار تأتي لتهش التماسيح، وبمناقيرها العريضة تشرب الماء من على الصخور السوداء، يا لها من بلشونات جميلة! بعضها يخفي أعناقه الطويلة تحت الجناح فتبدو كبقع ضخمة من الزهور الحية الوردية، تبقى ساكنة وصبورة. أحيانا تقف إحداها على ساق واحدة، أو تقوم مجموعة منها بحركة طيران دائرية، وتشكل في عمق الشاطئ الأخضر، أو في السماء، رسوما غريبة، كما لو كانت شمسيات صينية.
تخيلت نفسي إلى جوار محبوبتي، من ذلك البلد المرتفع توحي إلي تلك البلشونات بالكثير من القصائد المجهولة والحالمة، فالبلشونات البيض أرى أنهن أكثر نقاء وشهوانية، وبنقاء ريشها وشهوانيتها التي تشبه الإوزات، بأظافرها وأعناقها الملكية، تشبهن السيدات الإنجليزيات اللاتي بشعورهن المجعدة يشاهدن في المقاطع التي كان يلقيها شكسبير في قصر لندن الملكي. أجنحتها الرقيقة الصافية، تدفع إلى التفكير في أحلام الزواج المحبطة، فكلها- حسن، حسب تعبير شاعر- كضربات أزميل نحات.
آه، لكن الأخريات لديهن شيء أكثر جاذبية بالنسبة لي، فإنني أرى “إلينا” مثل الأخريات، ببشرتها القرفية الوردية، شهمة وأنيقة.
تختفي الآن الشمس وتسحب من خلفها كل الألوان الوردية التي تشبه عباءة ملك شرقي، كنت قد وصفت الحبيبة برقة وجميل القسم، وبكلمات دافئة، وظللنا معا في ثنائي عاطفي عميق. لقد وصلنا إلى هناك عاشقين حالمين، وكرس كل منا الآخر.
فجأة وكما لو كانت تدفعنا قوة سرية، في لحظة غامضة، التقت شفاهنا، بقبلة بدت بالنسبة لي قدسية ومتسامية: أول قبلة من فم امرأة. أوه سليمان! لقد قلتها أنت من قبل: “عسل ولبن تحت لسانك”.
آه، معشوقتي، جميلتي، محبوبتي البلشونة السمراء! أنت لك في الذكريات وفي الروح أعلى أشكال التسامي، أنت نور خالد.
لأنك أنت التي كشفت لي سر الملذات الإلهية في لحظة الحب الأولى التي تفوق الوصف.

اقرأ أيضا