ثقافة

الاتحاد

سؤال عن مستقبله في عالم جديد.. هل يمكن أن يموت الشعر؟

سؤال عن مستقبله في عالم جديد.. هل يمكن أن يموت الشعر؟

سؤال عن مستقبله في عالم جديد.. هل يمكن أن يموت الشعر؟

محمود قرني

1- يذكر ابن رشيق القيرواني في كتابه «العمدة» أن الأعشى قَدِمَ إلى مكة وكان لرجل اسمه «المُحَلَّق» امرأة عاقلة فقالت له: إن الأعشى رجل مُفَوهٌ مجدودٌ في الشعر، ما مدح أحداً إلا رفعه وما هجا أحداً إلا وضعه، وأنت رجل فقير خامل الذكر ذو بنات، فلو دعوته ونحرت له لرجوت لك حسن العاقبة. ففعل المحلق. ولما تذوق الأعشى طعامه وشرابه وعرف ببؤسه وبؤس عياله قال: كفيت أمرهن. وفي اليوم التالي ذهب إلى عكاظ وأنشد قصيدته التي مطلعها: أرِقتُ وَما هَذا السُهادُ المُؤَرِّقُ/‏‏ وَما بِيَ مِن سُقمٍ وَما بِيَ مَعشَقُ. حتى وصل إلى قوله في مدح المحلق: «يَداكَ يَدا صِدقٍ فَكَفٌّ مُفيدَةٌ/‏‏ وَأُخرى إِذا ما ضُنَّ بِالزادِ تُنفِقُ. تَرى الجودَ يَجري ظاهِراً فَوقَ وَجهِهِ/‏‏ كَما زانَ مَتنَ الهِندُوانِيّ رَونَقُ». فما إن أتم الأعشى قصيدته حتى انسل الناس إلى المحلق يهنئونه والأشراف من كل قبيلة يتسابقون إليه جرياً يخطبون بناته حتى تزوجوا بمن هم أفضل من المحلق بألف ضعف.
وما من شك في أن ما يقصد إليه ابن رشيق من تلك الرواية هو التأكيد على الوظيفتين الجمالية والاجتماعية للشعر، وذلك في إطار أخلاقي أشارت إليه كل الفلسفات والمراجع النقدية التي تناولت وظيفة الشعر. لذلك بدا الشعر عند كافة الأمم غناء بمكارم الأخلاق وطيب الأعراق والفروسية والمروءة. وقد وصلت مكانة الشعر في الحياة العربية مبلغاً لم يبلغه فن آخر.. وليس مدهشاً أن ينام الشعر تحت مخدات الحرائر وتلهج به ألسنة الحكماء ورجال الإمامة ورجال القبائل ومن والاهم من العارفين. وقد كان عبد الملك ابن مروان يقول لمؤدب أولاده: «أدبهم بشعر الأعشى فإن له لطلاوة.. قاتله الله». كان هذا حال الشعر قديماً فما هو حاله الآن؟ سؤال أظنه لم يعد يؤرق الشعراء فحسب بل يؤرق جمهور الشعر نفسه وربما تعاظم السؤال بحيث بات سؤالاً عن مستقبل تلك الثقافة في جملتها. لأن السؤال الذي يمكن أن ينتهي إليه مثل هذا الحديث: هل يمكن أن يموت الشعر؟ قد يبدو السؤال مفزعاً لكنه ليس بعيداً تماماً عن مظانه. مظاهر التراجع واضحة لا مراء فيها. والمتأمل لأرقام توزيع الأعمال الشعرية حسبما تعلنه دور النشر الحكومية وغير الحكومية مفزعة لكنها تسبق مظنة السؤال، رغم أن الأمة لم تنقطع عن إنتاج الشعر الجيد ولم تعدم شعراءها المجيدين. لكن علينا أن نتأمل أولاً انهيارات عصرنا والمواقع المتراجعة التي تقف فيها ثقافتنا، هذا إذا كنا نؤمن بأن الشاعر يأخذ قدر أمته. وقد ران التشدد في كل عصور الانهيار على ما سنرى، وكان الانتصار للقديم ومحاولات استدعائه يمثل ولعاً مقيماً. وإذا تأملنا الموقف النقدي، مثالاً، لـ «حازم القرطاجني» أحد أهم مؤسسي النقدية العربية، سنجد أنه بالغ في تشدده تجاه ما يسميه «العلم بالشعر». فقد عايش حازم لحظات انكسار الدولة الأموية لاسيما في آخر صورة لها بالأندلس، وشاهد كيف تتساقط أبنيتها يوماً بعد آخر. وقد أشار الدكتور جابر عصفور في كتابه «مفهوم الشعر» إلى أنه كان على حازم أن يواجه بمزيد من التشدد الإحساس العام بهوان الشعر وقلة جدواه في مجتمع ينهار في كل مناحيه، لذلك ذهب مذهبه في التشدد فكان ينفي صفة الشعر عن كثير من منظومات عصره. ربما لأنه كان يربط بين نهوض المجتمع بكامله ونهوض الشعر معه. ويقول عصفور إن الشعر عند حازم ليس بالشيء الهين، وإنما هو وسيلة بالغة الأثر في استثارة ما يسميه «الأفعال الجمهورية»، يقصد الأفعال التي يعلمها خاصة الناس وعامتهم باعتبار أن الشعر تعبير عام عن كل هؤلاء. من هنا يرى حازم أن مفهوم الشعر يتعالى على الزمان والمكان بمعنى أنه قيمة مطلقة غير مرتهنة في وجودها لأي عناصر خارجها.

2- لم تفارق صورة الشعر في القديم صورته في عصرنا الحديث سوى بالقدر الذي تغير به زمننا بما منحنا من أعطيات في التقدم والتأخر والعلم وغير العلم. لذلك لم يكن مدهشاً أن تحمل كلمة الشاعر الفرنسي «سان جون بيرس» في حفل جائزة نوبل للآداب التي حصل عليها عام 1960 كل هذا الأسى على مستقبل الشعر، رغم أنه بدأها بالقول إنه يسارع إلى رد التحية المرفوعة إلى الشعر، رغم أنه لا تحية باتت ترفع له هنا أو هناك. فالحظوة كما يقول لم تعد دائماً للشعر، لأن المسافات تتزايد يوماً بعد يوم بينه وبين بشر تستعبدهم الضرورات. وإذا كان هذا الانفصال، حسب «بيرس»، يقبله الشاعر فإنه قطعاً لا يطلبه، لذلك كان يرى أن تكريم الشعر هو تكريم للفكر الخالص للشاعر ورجل العلم على السواء، في محاولة للجمع بين من يراهما أخوين عدوين. لكنه لم ينس، رغم هذا، أن ينبه إلى استغاثة مهمة وجهها «ألبرت أينشتاين»، رائد علم الكونيات الحديثة، للاستعانة بالحدس لنجدة العقل وهو يعلن أن الخيال هو التربة الحقيقية لانبثاق النبتة العلمية، ذاهباً إلى حد المطالبة بأن يعترف للعالم برؤية فنية حقيقية. فقد كان الرجل شاهداً على اكتشاف مبدأين علميين قلبا معايير العلم الحديث رأساً على عقب. المبدأ الأول حول النسبية في علم الفيزياء ويمثل النسبية العامة التي استوت قوانينها، وثانيهما النسبية الكمية وهو مبدأ يعني الشك واللا حتمية ويحد إلى الأبد من دقة القياسات الفيزيائية، وهي إشكالية لم تزل قائمة بعد حوالي ستين عاماً من كلمة سان جون بيرس. وهنا يتساءل الرجل: أليس من الحق بعد ذلك كله أن نعتبر الأداة الشعرية في مثل مشروعية الأداة المنطقية؟! لكن يظل السؤال عالقاً بلا إجابة: هل العداء الأخوي بين الشعر والعلم هو المهدد الوحيد لبقاء الشعر حياً؟ لا أظن أن المتابع لحركة تطور الشعر الإنساني سيتجاهل الحلقات المتنامية من الازدهار والتدهور التي أصابت الشعر، لكن المشكلة أن ثمة ربطاً ميكانيكياً يتصوره النقد بين نهوض الشعر ونهوض العناصر الاجتماعية للأمة، أية أمة، في مقابل الذبول الذي يرونه يشمل كل مناحي الحياة. لكن ما يبدو أنه حقيقة يقابل باستهانة شديدة من عدد من مفكري التنوير وعلى رأسهم «كارل بوبر» الذي ينفي أن يكون هناك قوانين مطلقة للتقدم. هذا يعني أن أزمنة الجدب والانهيارات قد يصاحبها أدب عظيم وفنون عظيمة، وهذا ما حدث مع أفول الإمبراطورية الرومانية التي شهدت صعود أعظم شعرائها، في المقابل كان القرن السابع عشر عصر اضطراب كبير واكتشافات كبيرة في بريطانيا لكنه كان عصر الجدب الذي شهد تراجعاً حاداً للفنون رغم أنه عصر الاكتشافات الجغرافية والعلمية لكن سيطرة البيوريتانيين والمحافظين في جمهورية «كرومويل» ثم الصراع على إلغاء سلطة الأساقفة بعد عودة الملكية أضعف الشعر وتراجع كثيراً بمكانته. ورغم أن هذا العصر شهد صدور ملحمة «الفردوس المفقود» لـ «جون ميلتون» التي قوبلت باحتفاء بالغ إلا أنها وجدت من يصفها بأنها أيضاً تعبير عن عصر الانحطاط، وهو عصر وصفه الناقد «إبراهام كاولي» بقوله: إنه عصر الشعر الذي يستنزف ثرواته الطائلة من براعة الذهن ورشيق العبارة في كتابة المدائح الآثمة الحقيرة للعظماء، وفي التشبب المخنث بالنساء أو بإثارة الضحكات الماجنة بسلاح الهجاء. لقد كان ازدهار العلم الطبيعي سبباً مباشراً في الهجوم على الشعر بصفة عامة لما كان يتصور فيه من مجافاته للواقع وعالم المحسوسات، وهي المفاصل التي يعالجها العلم بحكم طبيعته البرهانية. أين إذن يكمن أعداء الشعر؟

3- في العام 1942 استقال الشاعر والناقد الإنجليزي ستيفن سبندر من الحزب الشيوعي البريطاني، لكنه أصدر عقب استقالته كتاباً مهماً هو«الحياة والشعر»، كشف فيه عدواً قديماً جدياً للشعر ألا وهو السياسة. ويروي أنه عندما استوقفه قيادي على باب الحزب ليسأله عن سبب استقالته رد عليه بمثل شعبي بريطاني يقول: «خُلق السبت للإنسان، ولم يخلق الإنسان للسبت»، وكان يعني أن يقول له: خلق النظام السياسي ليخدم الإنسان ولم يخلق الإنسان ليخدم النظام السياسي. كان الموقف في جملته راجعاً لذلك الامتهان الذي تعامل به ساسة صغار وكبار مع سبندر كشاعر، حيث اعتبروه مجرد واحد من جنود الشيوعية الستالينية. وكان سخف ما يراه يدفعه للتساؤل: لماذا تجري الأمور على هذا النحو بينما يمكنها أن تجري على نحو آخر؟ إن أصل الأشياء ألا تتعارض الأنظمة الاجتماعية مع الأسئلة التي يوجهها الشاعر للحياة، ويبدو أن هذا هو التصور الوحيد الممكن لجعل الشاعر حياً وقادراً على تأمل أسئلة الموت والميلاد والوجود جملة. من هنا يرى سبندر أن الشعرية لا يمكنها أن تكون حزبية اللهم إلا بمعنى أن تتحول الحياة نفسها إلى حزب. ويقصد هنا، حسب تعبيره، أن ما تفعله الشاعرية هو أنها تنبذ الأشكال الزائفة اجتماعياً وسياسياً.
وهنا يكشف سبندر عن أعداء جدد للشعر الذي لا يمكنه أن يتعيش على تقديس الأرباح في المدنية الجديدة وهي الأقنوم الذي يمثله رجال المال. وإذا كنا صادقين، في رأي سبندر فعلينا أن نقاوم قبح الأقبية والأبواب الحجرية الهائلة وقاذفات القنابل، وإلا سيتحول الشاعر إلى فريسة للآلات والمخترعات والنظم الحكومية ونظم المعرفة، وهي أنظمة جُعِلت لتفهمها المؤسسات ولم تخلق للعقل الفردي. ربما يذهب سبندر هذا المذهب لأنه يرى، من خلال ماركسيته، أن الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية التي نعيش في كنفها تنمو وتتطور مستقلة عن مصالح البشر، غير أنها يمكن أن تأخذ بيدهم في فترات الرواج وإن كانت تعود وتتركهم للبطالة وشبح الحروب المدمرة. الشعر وسط هذا كله يبدو غريباً لكنه يقاوم مقاومة العارفين. يقاوم من يرى سبندر أنهم ورثوا المال لكنهم لم يرثوا مسؤولياته الاجتماعية. وبالقدر هو يحارب أيضاً الكهانة والسياسة والحروب اللا أخلاقية. وما ينتهي إليه سبندر في هذا الصراع هو أن الشاعر لا بد من أن ينتزع حريته. وحرية الشاعر والشعر معاً في حرية التفكير بالوجود، وبما أن الوجود لانهائي فلا يمكن لرجل السياسة أو رجل الدين أن يحدد الصورة التي يجب أن يكون عليها الشعر، حتى وإنْ استطاع أن يحدد الطريقة التي يجب أن تكون عليها أحلام الناس ومشاعرهم. ولا أعتقد أن شاعر اليوم بحاجة إلى منظار جديد ليتبين المسافة بينه وبين أعداء الشعر، أقصد المسافة التي تحول بينه وبين حريته.

 

اقرأ أيضا