الاتحاد

الملحق الثقافي

«أشواك» سيد قطب

منذ نهاية الأربعينيات من القرن الماضي توقف الإنتاج الأدبي للكاتب والناقد سيد قطب، حيث اتجه إلى الدراسات الإسلامية ومن يومها جرت قطيعة معرفية مع الإنتاج الأول له، حيث تتم طباعة كتبه ودراساته الإسلامية فقط، وأسقط الإنتاج الأدبي من قائمة أعماله.
سيد قطب الذي عاش بين عامي 1906 و1966 تخرج في كلية دار العلوم وله ديوان شعر وكتب القصة القصيرة وله روايتان والعديد من الدراسات النقدية، كما حاول الكتابة للأطفال وإنتاجه القصصي والروائي تم تجاهله تماما، حتى أعاد الشاعر شعبان يوسف المولع بالتنقيب عن الكتب القديمة إصدار رواية سيد قطب “أشواك” بتقديم جديد لتصدرها الهيئة المصرية العامة للكتاب كأول عمل يصدر باسم قطب من الهيئة. اهتم شعبان في المقدمة التي اعدها بأن تكون حول سيد قطب عموما ومكانته في الحياة الثقافية وتناول الدارسين والباحثين الذين شغلوا بأعمال قطب، سواء الذين اتخذوا موقفا نقديا من أفكار قطب أو أولئك الذين اعتبروه النموذج والمثل الأعلى، لم يكن التقديم إذن للرواية ولا للنص بل للكاتب وعنه.
“أشواك” رواية نفسية بمعنى أنها تتناول حالة وموقفا نفسيا خاصا بالبطل “سامي” وهو شاب من أصول ريفية جاء إلى القاهرة ثم تقدم لخطبة فتاة قاهرية من أسرة متدينة، وخطبها بالفعل، الفتاة اسمها “سميرة” وصارحت “سامي” بأنه كان هناك من تقدم لها قبله ورفضته أسرتها، رغم انه كان يحبها وكانت تحبه، كانت هذه الواقعة قبل تقدم “سامي” إليها بحوالي عامين، لكن ما حكته له تحول إلى عقدة أو “أشواك” سممت علاقته بها، رغم أنها أكدت له أنها تحبه هو وأنها نسيت الموضوع القديم تماما، لكنه تذكره وافسد علاقته بها، وانتهى الأمر بالقطيعة بينهما وفسخ الخطبة، بعد أن رأت أسرتها انه سمم العلاقة بذلك الهاجس الذي يسيطر عليه، وظل عدة شهور مرتبطا بها ويتردد على البيت يوميا، وأسرتها تثق به وتتركه يختلي بها أحيانا لينعم بالحب معها، وما بين هذا الحب وذلك الشك مضى الأمر، حتى انتهى كل شيء، وبينما تألم هو، بعد أن تركها كانت هي اقوى منه، إذ اقتنعت بأنه لا مستقبل لعلاقته بها، كانت هي الحاسمة والواضحة وكان هو المتردد، يريدها ولا يحتملها، وكان البطل “سامي” واعيا بمشكلته هو “تراه اخطأ طريقة في هذا المشروع كله؟ وان هذه الفتاة ليست له، لا هي ولا فتيات القاهرة جميعا؟ انه يريد في فتاة أحلامه مفارقات لا تجود بها الحياة يريد الحورية القاهرية المغمضة العينين، والفتاة العذراء القلب والجسد، في زي قاهري” ثم يتساءل من جديد مع نفسه: “تراه اخطأ الطريق فطلب الحورية العذراء في بنت من بنات القاهرة، أم تراه اخطأ الطريق من اوله، فطلب حياة زوجية لا تصلح له بحال؟”.
كانت نشأته الريفية تجعله يشك في أهل القاهرة وتصور له “أن الناس هناك أحسن أصلا واكثر مروءة وأنقى ضميرا”.
كان البطل مترددا طوال الرواية، يجلس مع نفسه فيشعر بالضيق واعتزم أن “يرحل عن العاصمة الكريهة إلى جهة ما، وان ينجو بنفسه من هذا الضيق لكنه بعد ساعات يقرر من جديد ان القاهرة حبيبته، وان الحياة في هذه المدينة جميلة”. بعد القطيعة بعام ونصف العام يلتقي فتاته في شارع سليمان باشا مصادفة، وكانت تزوجت وانجبت فيدور حوار عابر بينهما فتقول له “إنني اعرف الحقيقة وأعيش فيها وانت تبقى هكذا في الأحلام”.
كتب سيد قطب روايته “أشواك” على غرار رواية عباس محمود العقاد “سارة” والموضوع واحد تقريبا، وهو العلاقة بالمرأة، في حالة قطب كانت الخطيبة والحبيبة وفي حالة العقاد كانت العشيقة فقط، وبينما كان العقاد يشك في العشيقة، كان قطب يشك في الخطيبة، نحن إذن بإزاء رواية نفسية تماما، ليس فيها سوى شخصية البطل وبقية الشخصيات ظلال له، ملحقة به ولا توجد شخصية مستقلة في العمل، حتى البطل نفسه ليس مستقلا، فهو أسير ظنونه وتربيته الأولى، المحافظة والتقليدية.
من يقرأ “أشواك” جيدا يدرك أن حكايتها كان يمكن أن تصبح اكثر جمالا لو كتبت في قصة قصيرة، ذلك أن موضوعها والقضية فيها لا تتحمل ذلك التطويل، ولكن يبدو أن الكاتب كان مصمما على أن يكتب رواية طويلة، هي تنتهي عند فسخ الخطبة، لكنه يواصل بعدها وعلى مدى خمسة فصول، حوالي ثلث الرواية في استطراد عبارة عن استعادة للأحداث السابقة ومحاولة تحليلها مع نفسه، بطريقة نقدية وليست بأسلوب روائي.
فيما بعد وعلى طريقة التعامل مع كثير من الروايات ذهب بعض النقاد والمحللين إلى أن هذه الرواية جزء من سيرة سيد قطب في بداية حياته، وأنها تعبر عن مرحلة في حياته الشخصية، وكثيرون يحاولون تطبيق أحداث كل رواية على كاتبها، وبالتأكيد في كل رواية شيء من شخصية كاتبها، وفي “أشواك” نجد البطل “سامي” يعمل في ديوان الوزارة ويكتب مقالات نقدية في الصحف ويسكن الضاحية “حلوان” ويستقل القطار يوميا ذهابا وعودة، وجاء من القرية وأقام مع أسرته التي يرعاها في القاهرة، هذه كلها ملامح من حياة سيد قطب لكن لا يمكن الجزم ان موضوع القصة يتعلق بحياته هو.
في الأربعينيات كان الكاتب يحاول أن يجرب نفسه في مختلف مجالات الإبداع والكتابة، وجدنا العقاد يكتب الشعر والنقد والرواية والدراسات الفكرية ثم الإسلاميات، وهكذا كان د. هيكل والمازني وغيرهم، وسيد قطب حاول الشيء نفسه، بدأ شاعرا ثم ناقدا وكتب القصة القصيرة وحاول في الرواية وكذلك حاول الكتابة للطفل، قبل أن يتجه إلى الدراسات الإسلامية منذ نهاية الأربعينيات، وبعد عودته من رحلته إلى أميركا في أغسطس 1950.
إعاده نشر رواية “أشواك” يعيد النظر والبحث مجددا في إنتاج سيد قطب الأدبي والذي تم تجاهله تماما لحساب كتاباته الإسلامية.

اقرأ أيضا