الاتحاد

تقارير

إصلاح القضاء··· تحدٍّ في روسيا

قضية خودوركوفسكي تداخلت فيها أبعاد سياسية

قضية خودوركوفسكي تداخلت فيها أبعاد سياسية

منذ انطلاق المحاكمة الثانية لرجل الأعمال الروسي ''ميخائيل خودوركوفسكي'' وشريكه ''بلاتون ليبيديف'' في الأسبوع الماضي، كان واضحاً أن العدالة ستأخذ مرة أخرى مجرى خاصاً، كما حدث في المحاكمة الأولى· وفيما كانت قضية ''خودوركوفسكي'' وما ألحقته من ضرر بالغ بسمعة روسيا إحدى مخلفات تركة السنوات الماضية، إلا أن ما ستنتهي إليه المحاكمة الثانية لاشك أنه سيؤثر على المشهد السياسي، بل ربما يساهم في إعادة صياغة مسيرة الرئيس الحالي، لاسيما بعد الوعود التي قطعها بفرض سيادة القانون وضمان استقلالية القضاء، والتي لم تتجسد بعد على أرض الواقع على رغم مرور عام على تقلده السلطه وإطلاقه تلك الوعود· وفيما يتعلق بقضية ''خودوركوفسكي'' يرى المحامون الذين يتولون الدفاع عنه أنها عبثية ولا أساس لها من الصحة، فعلى رغم أن الرجلين أدينا في المحاكمة الأولى بجريمة التهرب الضريبي وعدم أداء مستحقات الدولة من أرباح شركة النفط العملاقة ''يوكوس'' التي يملكانها، إلا أنهما اليوم يواجهان تهماً ثقيلة تضمنتها وثيقة من 3500 صفحة من بينها سرقة النفط الذي أنتجته الشركة طيلة الفترة التي استغرقتها المحاكمة الأولى، لتتحول اتهامات السرقة وعدم أداء المستحقات الضريبية للدولة إلى محاكمة مزدوجة ومكرورة بسبب التهمة نفسها·
وفي تعليقها على المحاكمة قالت ''سابين لوثسر''، وزيرة العدل السابقة في ألمانيا: ''لقد صُدمت بما يجري لأن التهم الجديدة قائمة في الحقيقة على الأفعال نفسها التي حوكموا عليها في المرة الأولى''، وقد كانت ''لوثسر'' حاضرة في الجلسة الأولى للمحاكمة وفحصت الإجراءات القانونية المتبعة ومدى مطابقتها لأعراف المحاكمة العادلة باعتبارها مقررة المجلس الأوروبي، حيث أكدت وجود ''العديد من الثغرات في مجال سيادة القانون''· فقد لوحظ منذ البداية انحياز واضح للقاضي المشرف على القضية بإقصائه العديد من ملتمسات الدفاع وتحفظاته المتصلة بخروقات إجرائية، لكن إلى حد الآن اكتفى القاضي بالتجاوب فقط مع ملتمسات الادعاء متجاهلا تلك الصادرة عن الدفاع· والحقيقة أن جريمة ''كودوركوفسكي'' الأساسية ليست سوى اعتقاده بأنه قادر على اتخاذ قرارات مستقلة بشأن تطوير الشركة وتوسيع أعماله، لتبقى جريمته الأخطر اجتراءه على تبني رؤية خاصة لمستقبل البلاد مستقلة عن مخططات الرئيس السابق، الذي ما كان ليسمح بطرح تصورات مغايرة تتحدى أفكاره· ففي نظامه السياسي الذي صاغـــه طيلــــة فترته الرئاسيـــة لم يكــــن مسموحـــاً للمنافسة السياسية بالتجذر ليظل الأمر كله محصوراً في يدي النظام محتكراً القرارات المهمة سواء تلك المتعلقة بالقرارات السياسية، أو الاختيارات الاقتصادية الكبرى للبلاد·
ومما زاد الطين بلة استعداء ''خودوركوفسكي'' لبعض المقربين من بوتين الذين سعوا إلى تأجيج الخلاف بين الرجلين وتحريض الرئيس السابق على رجل الأعمال، وهو ما أشار إليه ''خودوركوفسكي'' نفسه في حديث أدلى به لصحيفة ''صاندي تايمز'' بلندن العام الماضي اتهم فيه ''إيجور سيشين''، أحد كبار موظفي بوتين في الكرملين ونائبه الحالي في الوزارة، بالوقوف وراء القضيتين اللتين رفعتا ضده· وكان ''خودوركوفسكي'' قد أوقف في عام 2003 ودمرت شركته الناجحة بسبب المزاعم المتوالية بالتهرب الضريبي والمناورات القانونية التي طالبت ''يوكوس'' بتسديد مستحقاتها بالكامل إلى الدولة، الشيء الذي سرع في تداعيها وفقدانها لقيمتها· وتشكل القضية بالنسبة لروسيا ما بعد الشيوعية منعطفاً حقيقياً أثر على كافة الوعود بترسيخ حكم القانون والتأسيس لنظام قضائي قائم على استقلالية المحاكم، لاسيما بعدما أثبتت الاتهامات وقرارات المحكمة أن النظام القضائي معرض لتدخل السلطة التنفيذية خدمة لمصالحها· وقد تأثرت أيضاً آمال تكريس مبادئ احترام حقوق الملكية الخاصة، ومراعاة أخلاقيات عالم الأعمال عندما ساند ساسة نافذون صفقات مريبة لأعضاء مقربين من دائرتهم الداخلية تهافتوا للاستفادة من شركة ''يوكوس'' وسعوا إلى اقتسام الغنائم بعد اعتقال مديرها·
وفيما سعى من دبروا قضية ''خودوركوفسكي'' إلى إقصاء الخصوم السياسيين ليخلو لهم المجال، أصبحوا مع مرور الوقت رهائن لحالة ضعف القانون نفسها التي ساهموا في ترسيخها، فبعد خمس سنوات ونصف قضاها ''خودوركوفسكي'' وراء القضبان مازال الرجل صلباً ومتماسكاً في تحد واضح لأي مسعى سياسي قائم على ترهيب النخب وحملها على الخضوع· ولعل الجهود التي تبذل حالياً لإبقائه في السجن ورفض ملتمسات إطلاق سراحه تدل بوضوح على أن الذين سلبوه حريته مازالوا خائفين من إعادتها له ورؤيته طليقاً خارج السجن، وهو ما عبرت عنه المقررة الأوروبية ''لوثسر'' قائلة: ''لقد تولد لدي انطباع بأن كافة الجهود تبذل لإبقاء خودوركوفسكي وليبيديف خلف القضبان أطول فترة ممكنة''· ومن جهته أصبح الشارع الروسي أكثر تململا بسبب المحاكمة، حيث تصاعدت العديد من الاحتجاجات من قبل الصحفيين والقوى الليبرالية من المشرعين وحتى داخل المؤسسة الحاكمة تطالب بإنفاذ العدالة وإحقاق الحق، وفي خطوة غير متوقعة نظمت إحدى الوكالات الرسمية للأنباء مؤتمراً صحفياً لمحامي ''خودوركوفسكي''، لكن مع ذلك مازالت مشاعر الاستياء المتصاعدة والأصوات الغاضبة في المجتمع الروسي ضعيفة ومشتتة ما يجعلها غير قادرة على إحداث التأثير المطلوب·

ماشا ليبمان
باحثة بفرع معهد كارنيجي في روسيا
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا