الاتحاد

تقارير

ميزانية الحرب الأميركية: إنفاق كبير ومعدات ناقصة!

ميزانية الحرب الأميركية: إنفاق كبير ومعدات ناقصة!

ميزانية الحرب الأميركية: إنفاق كبير ومعدات ناقصة!

تعتبر الميزانيات من أكثر الوثائق بروداً وبعدا عن العاطفة، فهي في جوهرها ليست سوى عالم من الأرقام المجردة، والبيانات المحايدة· مع ذلك، سمعنا وزير الدفاع الأميركي ''روبرت جيتس''، المعروف بدقته وعقليته النقدية، يتحدث في معرض إشارته إلى جذور الميزانية الدفاعية الأميركية المقترحة مؤخراً، بلغة مشحونة تكاد تشرف على العاطفية عندما قال: ''إن ما دفعني للسير في هذا الطريق -تتبع أصول الميزانية الأميركية- هو ما حدث في والتر ريد''، وهو يشير هنا إلى منشأة ''والتر ريد'' الطبية التي كان الجنود الأميركيون الجرحى في العراق يعالجون فيها داخل عنابر شديدة القذارة· وأضاف جيتس إلى ذلك قوله إن ما حدث في تلك المنشأة الطبية يرجع في حقيقة الأمر إلى ''تلك الطائفة من الافتراضات التي سادت في السنوات الأولى للحرب، والتي كانت ترى أن الحرب لن تدوم طويلا، وبالتالي ليس هناك ما يدعو لبناء منشآت جديدة لن تكون هناك حاجة حقيقية لها بعد انتهاء المعارك''·
والحقيقة أن ذلك النوع من الافتراضات، وما انبنى عليه من سياسات وإجراءات، ظل سائداً بالنسبة للعديد من المشكلات الأخرى المتعلقة بالحرب، ومنها مشكلة دروع الجسد الواقية المعيبة، وضعف العربات المدرعة وعدم قدرتها على تجنب خطر المواد المتفجرة التي كان يتم وضعها على جوانب الطرقات، وقلة عدد الطائرات بلا طيار، رغم الحاجة الماسة إليها· فبالنسبة لكل مشكلة من تلك المشكلات، كان جيتس يواجه وزارة دفاع تركز على أولوياتها المستقبلية، بدلا من التركيز على خوض تلك الصراعات غير التقليدية التي كانت أميركا تخوضها في العراق وأفغانستان· فالحرب في ذينك البلدين، كان يتم التعامل معها باعتبارها حرباً مؤقتة، لا يجب بحال أن تصرف أنظار البنتاجون عن مهمته الحقيقية، والتي تتمثل في الاستعداد والتجهيز للحروب التقليدية التي قد تخوضها الولايات المتحدة في المستقبل·
على ضوء هذه النظرة، كان من المحتم أن تكون العلاجات التمهيدية التي تم اللجوء إليها عشوائية··· ومنها على سبيل المثال تزويد القوات المقاتلة في العراق بعربات مقاومة للألغام، وتحسين نوعية المعلومات الاستخبارية التي يتم الحصول عليها· لكن، وكما قال لي ''جيتس'' نفسه، فإن ''المشكلة كانت تعالج في كل حالة من الحالات من خلال تجاوز النظام البيروقراطي القائم، وبدون ذلك كان يتعذر الوصول إلى حل لتلك الحالة''·
والميزانيـــة التي قدمهــــا ''جيتـــس'' كانت تمثل استجابة أكثر منهجية مقارنة بالاستجابات السابقة التي كانت تعتمد على الالتفاف على البيروقراطية، وذلك من خلال حرصه على ''توفير مكان في كل طاولة اجتماعات للرجال الذين يخوضون الحرب بالفعل''، حسب تعبيره·
وفي الوقت الذي اعتمدت فيه الميزانية الجديدة على التقليل من حجم، أو إلغاء، بعض برامج التقنية الفائقة الباهظة التكاليف، فإنها عملت على زيادة حجم الموارد المالية المخصصة للرعاية الصحية، والاستخبارات، والاستطلاع، والقوات الخاصة، والمنظومات الدفاعية لمسارح العمليات، والمروحيات، والمركبات الجوية غير المأهولة (طائرات بدون طيار)· والميزانية الجديدة، في نظري، هي نوع من التحول أكثر من كونها ثورة، حيث يقدر جيتس أن 10 في المئة فقط من الميزانية مخصص للحرب غير النظامية تحديداً·
ورغم أن التحرك في هذا الاتجاه يعد أمراً ضرورياً للغاية، إلا أن هناك اعتراضين رئيسيين على هذه النظرية: الأول، أن المستوى الإجمالي للإنفاق ليس كافياً كما يرى بعض الخبراء· فقد أظهر النجاح الذي حققته سياسة ضخ أعداد إضافية من القوات، حقيقة أن حجم القوات يعد عاملا مهماً عندما يتعلق الأمر بعمليات مقاومة التمــــرد· يضـــاف إلى ذلك أيضاً، أن الميزانية الجديـــدة لـــن تـــؤدي إلى توسيع الجيش بشكل كـــافٍ لتلافي الحاجة لنشر قوات من الحرس الوطني وقوات الاحتياطي·
أما الاعتراض الثاني، فيتعلق بصعود الصين الذي يعتقد البعض أنه قد يقود إلى صراع تقليدي مع الولايات المتحدة مستقبلا· وجيتس لا يقلل من أهمية صعود الصين التي تعمل حالياً على توسيع نفوذها البحري، وعلى تركيز مواردها على الحرب الفضائية وحرب المعلومات··· لكنه يرى أن ''الصينيين يبدون انتقائية واضحة فيما يفعلونه وذلك بعد أن استفادوا من تجربة الاتحاد السوفييتي الذي تسببنا في إفلاسه من خلال سباق التسلح· فهم يتطلعون إلى مجالات الحرب اللامتماثلة مما يجعلهم حريصين على تجنب الانخراط في سباق تسلح شامل''· وجيتس يرى أن هذا النهج الصيني يسمح لأميركا بأن تكون هي الأخرى انتقائية في استجابتها· وهو يعتقد، في هذا السياق، أن المزيج المقترح من طائرات إف -،22 وإف-35 المقاتلة جنباً إلى جنب مع المركبات الجوية غير المأهولة المتطورة، سوف يكون بمثابة استجابة مضادة فعالة يصبح فيها وجود قوات برية ضخمة أمراً غير ذي شأن·
وبعض الجمهوريين في مجلس الشيوخ يريدون استقطاب النقاش حول الميزانية وتحويل دفته لصالحهم، وهو ما يتبين من التصريحات التي أدلى بها بعض أعضائهم مثل السيناتور ''ساكباي تشامبليس'' (جمهوري من جورجيا) الذي قال: ''إن إدارة أوباما على استعداد، كما يبدو، للتضحية بأرواح الجنود من الجنسين في القوات المسلحة الأميركية لصالح برامج محلية يفضلها الرئيس أوباما''·
إن اتهاماً كهذا يشي بأن إدارة أوباما غير مسؤولة، وهو أبعد ما يكون عن الحقيقة· ذلك أنه في الوقت الذي يجب أن تكون فيه الميزانيات الدفاعية أكبر حجماً في أوقات الحروب، فإنها يجب أن تركز الموارد والاهتمام على المجالات التي تحتاج تحديداً، وهي في حالتنا هذه مقاتلونا في العراق وأفغانستان والأماكن المشابهة لمنشأة ''والتر ريدز''·

مايكل جيرسون
محلل سياسي أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا