الاتحاد

الملحق الثقافي

دلالات الوصف.. النحت في حجر الجمال

في الرف القريب من مكتبتي عدة كتب حديثة الطباعة، كلها إصدار وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، أعلاه مجموعة قصصية للقاص ناصر الظاهري بعنوان”منتعلاً الملح ..وكفاه رماد”. أمسكت المجموعة بتثاقل وخاصة بعد قراءتي لمجموعته القصصية “خطوة للحياة خطوتان للموت” فهو يشبه الكثير من نظائره الأدباء يضيء قليلاً في سماء الأدب، ويخفوا قليلاً في حضن الغيوم بروايته “الطائر..بجناح أبعد منه”، لكنه عاد نجماً ساطعاً في سماء السرد، قاصاً ينتعل القلم بأفكار تنحت الحجر في تلك المجموعة.
مجموعة قصصية تعج بالألوان السردية المختلفة، لتلتقط عدداً من المواقف الحياتية، والتي لا تستوقف الإنسان العادي، بل الإنسان المبدع الذي يستطيع أن يضعها أمامنا: انظر إنها حياتك..صورك... فكرك.
أول صورة كانت عنوان المجموعة الشائك والمتناقض باحتمالات كثيرة “منتعلاً الملح.. وكفاه رماد” ومن ثم الإهداء الرائع: “تذكري رجلاً من شرف.. يتعكز على قدم من تعب أو عصا من سكر..”.
إنها العتبات التي دخلها القاص بنجاح وحسب تعريف التناص “كل ما يجعل من النص كتاباً يقترح نفسه على قرائه أو بصفة عامة على جمهوره... بتعبير بورخيس: البهو الذي يسمح لكل منا دخوله أو الرجوع منه.. وهو البهو الذي نلج إليه لنتحاور فيه مع المؤلف الحقيقي أو المتخيل”.
عتبة مدهشة للدخول إلى نصوص مختلفة بالزمان والمكان، والحامل الفكري لها مواقف حياتية بسيطة تهدف إلى الوقوف أمامها، لأخذ العبر دون اللجوء إلى المباشرة أو الرمزية أو السرد غير المبرر.
استطاع القاص أن يجعل من القارئ أحد مكونات النص، بتركه النهايات مفتوحة على احتمالات يحددها المتلقي، بحسب ثقافته وذاكرته وتذوقه.
في هذه المجموعة سأمسك قلمي لا لأحفر، بل لأوضح دلالات الوصف والصور والتشابيه عند القاص في كل قصة على حدة.

مباغتة
القصة الأولى “منتعلا الملح وكفاه رماد” باغتك القاص بالعنوان الذي يأخذك إلى عالم البحر والصيد، عوالم منسية نتذكرها بياء النداء التي تستدعي البحر الصديق وخازن الأسرار والأوجاع والذكريات: “يطرأ عليه هذا النداء أو هو صيد الخاطر يهجم عليه بعد كل حين من التذكر الصامت”.
بعد أن يستدعي البحر الحاضر الغائب يقوم القاص بوصف شخصية البطل: “سيماء المحارب هذا هو الانطباع الأول حين تلتقيه؛ عضلات قوية في الصدر والوجه والكتف لأنه كان بطلاً في رمي القلة ويتصدر المسابقات الرياضية”، كل هذا الوصف ليأخذنا إلى حالة مأساوية للبطل كم كان قوياً، وكيف أصبح عندما تعرض لحادث أصابه في ظهره أثناء عمله “حين تسوقه القدمان المرتجفان تشعر بأنه جريح معركة”.
ومن ثم يصف لنا البيت والحديقة بالتفاصيل الصغيرة والدقيقة، وكأنك في عالم تشيخوفي ليدخلك عالم البطل وتتجول في تفاصيل حياته، تحزن لحزنه وتسعد لسعده “ثمة شجرات مخلصات في الصيف وأخرى يابسات في الشتاء...قد تبقى شاشة التلفزيون الكبيرة صامتة رمادية لأيام”.
أما التعابير والتشابيه فكانت للوصول إلى الحالة الداخلية والنفسية للبطل: “يقف صديق البحر .. ينظر إلى فضاء الزرقة” كل حياته فضاء لكنه يشبه لون البحر الذي لون حياته: “وحدها الأنفاس القريبة تستطيع أن تميز وتستطيع أن تعطي مسمى للحريق الذي يحدث مرة واحدة!”، تعبير عميق يلخص مأساة وحياة كاملة.
في قصة “يمشي على أربع” يأخذ الوصف عنده مجالاً أكبر وأكثر دقة وعمقاً، ليدل من خلاله على حياة البطل أحمد محمود عبد الحفيظ: “يعد نفسه شبه أدمي يمشي على أربع، على رجلين، وعلى رزقه وتحقيق حلم حياته “.
يصف غرفته الفقيرة المعدمة التي لا تعرف من أين تشرق الشمس ومتى تغرب بأثاث مهترئ وقديم: “بناطيل مهترئة ومغسولة ومتقرفصة من الماء الذي ظلت تشربه مدة يومين”.
لتعود ريشة القاص بتلوين باقي الأشياء الصغيرة والمتناثرة في غاية الدقة والعمق، لوهلة تجد نفسك ماثل أمام الغرفة تبحث عن شيء صغير أضعته: “مرآة وحيدة مغبشة... صابونة غدة كالقشرة... ثمة صدأ واضح على أنابيب السخان أما الفوطة الوحيدة والتي أصبحت مهترئة من كثرة الاستعمال...تلفزيون بهوائي مكسور...”.
لننتقل إلى صورته الوحيدة المعلقة في غرفته، والتي تعيدنا إلى حياته الماضية وحلمه المربوط على ملامحه وسمرته، كأنها ربطة عنق تنتقل من شاب إلى آخر في تلك البلدة البعيدة .
كما انتقل احمد من حياة شقية إلى أشقى وغير الأمكنة والأعمال، ليزداد شقاوة وديوناً، اضطر إلى الاحتيال والنصب ودخول السجن. وهنا يدخلنا القاص إلى عالم السياسة المزيف هذا العالم الذي يستغل النفوس الضعيفة والمأزومة، لتصبح عنده مجرد مشروع قنبلة تنفجر في أوقات وأزمنة يحددها هذا العالم ، باعتماده على الدين كغطاء: “أحاديث مختارة وتوجيه طاقة الغضب إلى عدو الدين ...أن استشهد في سبيل الحق ومال شهري..”.
من غير نصائح أو سرد مباشر فقط توصيف الحالة الاجتماعية للبطل والدخول في تفاصيل عوالمه بمنتهى الدقة الأدبية واللغوية. لينتهي البطل مربوطاً بقوائمه الأربع: “ورود اسمه في قائمة المرحلين إلى سجن جوانتانامو مربوطاً بقوائمه الأربع”.
ليست العوالم الفقيرة والمغتربة مليئة بالتناقضات فقط، بل عوالم أخرى باهتة مصطنعة مستعرضة لا احد يستطيع أن يكشفها، إلا بطل صحفي خبيث: “هناك من يستعرض بلاغته الجديدة مثلما يستعرض آخر أسنانه الجديدة.. ومن يستعرض أهميته الاجتماعية.. يستعرض ملابسه.. مهاراته في النصب.. رجولته.. من يستعرضن أنوثتهن ...”.
إذاً مجتمع النفاق والمزاودات والنصب والاحتيال: “مختلق عجيب يعج به المكان المرمري الذي يشعرك لأول وهلة بأنه بوابة شيطانية لدهليز باخوس أو فرجة واسعة لمشروع أرملة لا تطيق البكاء كثيرا”.
والدهشة الكبرى في قصة “نومة أبو سليم” هذا الكم الهائل من الصور التعبيرية والمجازية والتشابيه اللطيفة والتي تجعلك ترهف السمع إلى أحدهم يسرد ما حدث معه بكل متعة وتشوق وكأنك جالس معه، وعيناك مفتوحتان على الدهشة والضحك، لما حدث لصديقك الذي جلس بجانب احدهم وسماه أبو سليم: “ولنسمه أبو سليم أول انطباع عن الرجل”. ومن ثم يبدأ بوصف شكله الخارجي ليتناسب مع قدرة صدره على إخراج تلك الأصوات أثناء النوم : “والصدر كقربة اسكتلندية لا تعيا من النفخ والصوت الأجش والشارب الذي تلون من دخان السيجارة”.
وبعد أن يصدر أصوات شخير عالية ورهيبة: “حتى كنت أخشى عليه من انهيار أو سقوط أو توقف تلك الآلة الخرافية النائمة”، هذا التشبيه الظريف يلحقه بتشبيه أكثر ظرافة بسبب تعجب المتحدث من تلك الأصوات العالية: “تلك التي تشبه تقلية البيض أو طشاش الزيت”.
وكان لابد للمتكلم من كثرة تأثره بحالة الجالس جنبه أو لنقل النائم أبو سليم أن يشبهه بتشابيه محببة ومضحكة: “فإذا هو كله رئة مكتملة وشعب وقصبات هوائية سليمة”.
وتنتهي مسرحية النوم عند أبو سليم وكأن شيئاً لم يحصل: “شو..كنت نايم.. بريح شوي!”.
الزيف السياسي
وينتقل القاص بمشرطه الحاد ليكشف حالة الانكسار الشرقي أمام الحضارة الغربية، والتصور المسبق عن امتلاكهم الحضارة، ونحن ما زلنا إلى الوراء: “ولأنه شخصية شرقية وتربية شرقية فهو دائم الاعتذار ودائم التأسف ودائم اللوم للنفس ...”.
كم اختصر بهذا الوصف عهود الانكسار والتراجع و سنين من الانحسار الفكري والحضاري، والتي انعكست على شخوصنا ودواخلنا المضطربة دائماً.
ولان البطل شرقي التربية، أحس بعدم الاهتمام كما تفعل عائلته الصغيرة معه وأحياناً الكبيرة من الأصدقاء والجوار: “كان يشعر باليتم الدائم”.
وكذلك أحس بدونيته أمام الغرب من خلال تنازله لشخصية المرأة الانجليزية المتكبرة: “قبلته أن يكون وضعا طارئاً أو ثؤلولاً زائداً غير مضر بالصحة وشرعت في إعادة ترميمه”.
ليعيش في تلك المنطقة كان لابد له من التنازل لكنه استمر في تقديم التنازلات حتى أصبح كالحيوان: “غدا كفأر مدلل وأذناه استطالتا حتى مداهما الأخير”. و”كالتي تعلف عجلاً سميناً لتقدمه لأهلها في مناسبة محلية”.
هذا الوصف لحالة البطل وإلى أي مدى وصلت، وتلك التشابيه كثفت الفكرة ولخصتها وحمت القاص من السرد لإيصال ما يريده.
إن دلالات الوصف والتوصيف التي اعتمدها الكاتب جعلت المتلقي يدخل في متاهات الحدث وتفاصيل الشخوص للاستدلال على حالته الاجتماعية أو النفسية أو الاقتصادية، وهذا ما برع فيه الكاتب في قصة “في القرية لا أحد يبول واقفاً”.
يسقط الكاتب أوراق التوت ليعري الزيف السياسي والاجتماعي للقيم التي تحيط بنا وتملأ عقولنا، وذلك من خلال وصفه لشخصية إبراهيم المثالية والمحبوبة، من قبل أهل قريته. ولذلك حاول أن يدخل الانتخابات ضد منافسه المتخلف ونقيضه في الأخلاق والقيم: “دخل بحلم كبير أن يجعل من قريته الصغيرة وطنا مثاليا كبيراً كعادة المثقفين اليساريين حين يتورطون بمثالية الأدب وطهرانية الدفاع عن الفقراء”.
وكيف يتمتع البطل بعدة صفات: فهو مدرس لبعض الوقت..أو مشروع مدير البريد وطبيب أحيانا وقاضٍ أحيانا أخرى: “كان الأهالي يعتبرونه مثلهم وتاج رؤوسهم لسبب بسيط ووحيد أنهم لا يقدرون على مزاحمته في معارفه”.
لكن منافسه له من الصفات ما يدفعه إلى فعل أي شيء ليفوز وينهي خصمه، فكان اعتماده على إمام القرية المتواطئ معه، اللذين يشكلان الحامل الاجتماعي للتخلف والانتهازية .
“الإمام الذي أبصر المال من خصم إبراهيم وشكره عليه قدم له حيلة لعينة أخرى وتكفل بتسريبها بين الناس مدعياً إن إبراهيم يبول واقفاً مثل الكلب”.
هذه الصفة أسقطت إبراهيم سقوطا مدويا في مجتمعه، هذا المجتمع الفقير فكرياً ومعرفياً، والفقير في مواجهة آلة المال وغطاء الدين: “كانت سقطة إبراهيم التي لم يعرف عنها بعد أنها بسبب تلك الإشاعة التي أطلقها الإمام... وكبار السن رجعوا لتسميته القديمة وهو صغير: ابراهيموه!”.
“ومن هذه الخواص يمكن للإكسير أو الزئبق الأحمر ذلك السائل من حجر الفلاسفة أن يعطي شيئاً من الخلود والكثير من الرغبة”.. إنها الرغبة في الانعتاق والتحليق عالياً حراً.. الرغبة في خلق الجمال من الصخر.. تلك الرغبة نسج منها القاص صوراً نحت بها قصة أخرى رائعة فيها حالة من التوحد الإنساني والعطاء الفكري والتوصيف، الذي جعل الحجر ينطق بالحب والتمرد والرغبة: “حديقة برية متوحشة عملت عن قصد لكي تتواءم مع نزق الحجر”.
ندخل عبر عدسة القاص إلى عوالم البطلة النحاتة، وسراديب حياتها وتفاصيل معيشتها بكل جمالية نشرب القهوة معها.. ونفتش عن حجر.. وننحت معها.. لنصبح جزءا من فيلمها: “تمضي المثالة جل يومها تحاول أن تستنطق انفعالات الحجر وتفصل شجر الحديقة.. فناجين القهوة في فترة راحتها واستراحتها تنتقل معها من ركن إلى ركن”.
يصف لنا الكاتب مغامراتها بجمل تعبر عن ألق وتوهج البطلة، وحلمها الذي لا ينطفئ: “تلك المغامرات الصغيرة صوب براءة التكون والتي تعن اليوم وكأنها لم تغب طيلة هذه السنين وحده وهج النور يطفئها”.
ويصف لنا بحثها الدائم عن أفكار جديدة تعج بالحياة وعمق الإنسانية: “كانت دائماً تفتش عن حجرها الخام تبحث عن الأشياء المركبة من الناس أو تخلق تلك العلاقة بين المرأة والموجودات، كان جسد الرجل هو فرحها الحقيقي”.
وهذا الفرح جسدته بجعلها من شحاذ أعمى يطرق بابها مشروع نحت، وجعلها من ابنه الماسك بيد أبيه ليدله على الطريق، إنساناً جديداً ومشروع آخر ونحات مشهور: “في يوم اسثنائي على الأقل بالنسبة لي، كرجل تغير منذ دخل المثّالة مشدوهاً، ومعنيّاً بالأسئلة، يقود شحاذاً أعمى”.

الزيف الاجتماعي
في قصة “أمريكان كوفي” ننتقل إلى عالم آخر. عالم المال والبورصة والشخصيات المبرمجة والمصنوعة بشكل متشابه تخدم فقط مصالح شركاتها وبلغة مكثفة ووصف الشخوص يدخلنا إلى هذا العالم: “دخلنا الاجتماع ولا احد يعرف الآخر محامون ومحاسبون ورجال أعمال ومندسون ومنتفعون وخراطون وكذابون ..”.
طبعا البطل لا ناقة له ولا جمل بهذا الاجتماع فقط ينوب عن صديقه لظروفه الخاصة: “ولدوا ليكونوا صيرفيين طبعا لا سمعوا بالحطيئة ولا بأبي الشمقمق ولا بالمدرسة التفكيكية ولا بنص ما بعد الحداثة، والتي اعتقد أنني بارع فيها”.
من خلال الصور والتشابيه التي ما فتئ القاص يبرع بها ليصل إلى فكرته وهي أن نجد هذه المفارقة بين تلك العوالم عالم الأدب وعالم المال الغارق في بالكذب والدجل وحب المال فقط: “لكنهم كلهم أسنانهم تصر طالبة الفلس والدرهم باحثة عن “انترست” في أي شيء وكان هناك صف من الجلوس من الجيل الجديد الوارم الذين تشعر بأنهم لا يغادرون مطاعم البيتزا مطلقاً”.
من عالم المال والحاسبات والمناقصات والمرهنات إلى عالم المراهنات، لكن من نوع آخر أكثر ظلمة وقلق وخوف، إلى حيوات أحد الحراس في بناية خضراء وكيف يبدأ بوصف شكله وحركته وتعمله مع الآخرين من سكان البناية حتى تتعاطف معه كثيراً: “أسمر يشعرك بالقتامة ضعيف البنية تكاد عظمتا ركبتيه تبينان من خلف البنطال الواسع”.
راتبه لا يتعدى 800 درهم بالإضافة إلى غسل سيارات الساكنين ومساعدتهم بنقل أغراضهم كلها إضافات لكنها هزلية: “تعتقد إن هموم الدنيا واقفة عنده وحده وتحتار فيما يفكر وكيف سيوزع هذا الراتب الضئيل”.
قصة تجدها عادية هناك الآلاف من هؤلاء البشر ينتشرون في عوالمنا، لكن جوهر القصة والمفاجأة أن هذا الحارس الفقير يملك عمارة في بلده ويشارك جاره في البقالة: “حارس يملك عمارة .. ايوه الحارس الذي هو شريك صاحب البقالة “.. والأدهى من ذلك أنه يلعب القمار “كان يلعب القمار..وكان هناك شجار!!”.
هذا هو فن القص: أن تمسك بالحدث العادي واليومي بقبضة من فكر، لُتخرج من داخله التناقضات غير المرئية وغير الملموسة، ولتجعل من المتلقي جزء لا يتجزأ من تلك الأحداث.
أخيراً نقول إن القاص استخدم الوصف والتشابيه بلغة جزلة وممتعة، كوسيلة ليدخلنا إلى تفاصيل البشر وحياتهم، بشكل غير مباشر وعميق وموجز، وباستخدام المفارقات المضحكة أحياناً والمبكية أحياناً أخرى، لأنها الحياة تضج بالتناقضات والمفارقات المختلفة.
فالمجموعة انتعلت الملح ونحتت في الحجر، لتصبح عصفوراً ملوناً يطير في سماء الفكر والإبداع.

اقرأ أيضا