الاتحاد

دنيا

هاني الحوراني يعلن: الشيطان يكمن في التفاصيل

يركز المصور الأردني هاني الحوراني، الذي تخرج من كلية العلوم السياسية، على التفاصيل في صوره، وتتخذ معظم الأعمال الفوتوغرافية في معرضه الجديد شكل جداريات كبيرة ومتوسطة الحجم، مؤلفة من عدد كبير من الوحدات، التي تصل أحياناً إلى خمسين قطعة، بالإضافة إلى صور منفردة ملونة وبالأبيض والأسود.
يمثل هذا المعرض الرقم 13 من سلسلة المعارض الشخصية للحوراني والتي أقامها منذ عام 1996، حيث عرضت في عدد من العواصم والمدن العربية والاجنبية أبرزها حلب، الدوحة والقاهرة وجوتنبيرج وواشنطن. بالإضافة إلى مشاركته بجداريتين بعنوان «الآخر» في بينالي القاهرة الدولي الذي افتتح في ديسمبر الماضي واستمر حتى فبراير الماضي.
يُعنى الحوراني بالتفاصيل في أعماله الفوتوغرافية، حيث غالباً ما يركز على اختيار اللقطات المقربة للأشياء التي تلفت نظره. ولا سيما سطوح الأشياء وملمسها، حيث يحتفى بالتفاصيل التي قلما تلفت انتباه المشاهد العادي، لا لشيء سوى لانصرافه البصري إلى ما هو عام وقابل للقراءة والتوصيف والتفسير. وإذا كان المشاهد العادي ينصرف إلى «رؤية الغابة لا شجرة بعينها»، فإن عين المصور تبحث أكثر عن التفصيل الذي يختزل الغابة، أي عن الشجرة. وهكذا هي حاله في المدينة، حيث للتفاصيل على الجدران أهمية أكبر مما هي للمنازل أو الشوارع أو المشاهد العامة للمدينة.
وظهر احتفاء الحوراني بالتفاصيل في معارض سابقة من خلال التقاطه صور مقدمات القوارب أو تفاصيل سطوحها الخشبية، أو انعكساتها على الماء أكثر من اهتمامه بأجسامها الطافية على سطح الماء.
لا يحتوي معرض الحوراني الجديد على فكرة واحدة بقدر ما يركز على التنوع الهائل للتفاصيل في الحياة. ولا يقل أهمية عن ذلك طريقة تنفيذه لأعماله الجدارية من خلال تقطيعها إلى وحدات منتظمة بارزة، يقطعها الفراغ الذي يضفي على الصور نوعاً من الخداع البصري، فهي تبدو واحدة رغم تباعد أجزائها عن بعضها البعض، مستفيداً من العمق ما بين كل واحدة من أجزاء جدارياته.
ميزة أخرى للصورة الفوتوغرافية في معرض «تفاصيل» هو تحريرها من الإطار وأشكال التأطير التقليدية، إضافة إلى تنوع أحجام وأشكال الصور، وابتعادها عن القياسات التقليدية وتجسيمها من خلال عرضها على سطوح صناديق متعددة القياسات والسماكات. إضافة إلى استخدام مواد مختلفة لطباعة مثل الورق والقماش وغيره من المواد.
يقول الحوراني: «الشيطان يكمن في التفاصيل، والتجربة تقول أيضاً، إن الجمال يكمن في التفاصيل. لذلك لا غرابة أن الكثير من الفنانين التشكيليين يتركون مساحات مهمة من لوحاتهم مغطاة بضربات عريضة أو مناطق لونية كاملة بدون تفاصيل ويركزون عملهم على بؤرة معينة منها، أو ما يسمى «مركز» العمل ليعملوا فيها تفصيلاً. ولا عجب ان الكتب التي تنشرها المتاحف وصالات العرض عن أعمال الفنانين التشكيليين لا تقتصر على الصور كاملة للأعمال، وإنما تختار من كل لوحة تفصيلاً معيناً وتفردها على مساحة الصفحة المقابلة».
ويضيف: «لا نقصد هنا أن يركز العمل الفني على الأجزاء الدقيقة، أو متناهية الدقة من الأشياء التي حولنا، فقد يكون مقصد التفصيلة جزءاً صغيراً أو كبيراً من الصورة العامة التي حولنا. لكن المقصود هو رؤية ما لا يرى، ليس لأنه غير ظاهر للحواس أو للبصر، وإنما لأن الذهن البشري ينشغل عادة عن التفاصيل إلى الصورة العامة أو المشهد العام. وهكذا تتوارى تلك، حتى المهمة منها، عن العين. ألسنا غالبا ندهشً لأننا لم نر من قبل شيئاً أو جسماً نمر به كل يوم دون أن نلحظه، ونسعد لاكتشافه وتأمله أو تحسسه».
ويزيد الحوراني: «توجد من حولنا متوالية لا متناهية من التفاصيل التي تبحث عن اكتشافها والتمتع بها. تمنح التفاصيل الأشياء من حولنا هيئتها العامة، لكنها تمنحها أيضاً خصوصيتها أو هويتها المميزة. ومن هنا يضفي التنوع اللامتناهي للكائنات الحية والطبيعة على الحياة من حولنا تلك الحيوية والتجدد والغنى البصري والحسي، وهو ما يمنحنا متعة التفتيش عن التفاصيل، بالعين واللمس والحواس».
ويتساءل الحوراني: «ألا يبقى في الأذن والذاكرة لحن معين أو مقطع من أغنية سمعناها في الصباح؟ لكن ذلك المقطع يظل يتردد في آذاننا، ليوم كامل أو أكثر. ألا تستحضر الذاكرة مقطعا أو مشهدا أو تفصيل امعينا من شيء وقعت عليه أعيننا، حتى خلال مرور عابر، وبقيت صورته لفترة من الوقت في ذاكرتنا البصرية؟»
يطور المبدعون، خاصة الرسامون والمصورون الفوتوغرافيون نوعاً من «الماسح الضوئي» في قدراتهم البصرية، بحثاً عن تفصيل معين، حتى حيثما يُعتقَد أن لا تفاصيل في أمكنة مثل الصحراء أو البحار أو الحقول الممتدة. لكن تدريب العين على البحث عن «التفاصيل» أو «الخاص» في الأماكن التي من حولنا يقود إلى اكتشافات بصرية مذهلة؛ وهي اكتشافات يعتبرها البعض «كنوزاً» وقعت عليها العين قبل اليد.
إلى ذلك، يقول الحوراني، وهو فنان تشكيلي من جيل الستينيات: «البحث في التفاصيل وعنها قادني إلى قلب بعض الممارسات الروتينية، مثل التركيز على ظل الأشياء قبل تأمل أجسامها الصلدة، أو إلى الانصراف إلى انعكاسات الأشياء على الماء أو الزجاج قبل رؤية مصدر تلك الانعكاسات، وحتى أحياناً دون الاحتفال بطبيعة مصدرها أو ماهيته. البحث عن التفاصيل يقود أيضاً إلى البحث في اعادة تركيبها، أي تجميعها بصورة لا تمت إلى أصلها، أو إلى استحضارها من أماكن وأزمان مختلفة وتجميعها في مشهد عام جديد».

اقرأ أيضا