الاتحاد

دنيا

آثار العنف الأسري تبقى مع الصغار طوال العمر

لم تكن الطفلة الإماراتية «نوف»، 9 سنوات، أول طفلة تتعرض للضرب والتعذيب على يد زوجة أبيها، كما أنها لن تكون الأخيرة، غير أن هذه الحادثة المؤلمة قد حركت مشاعر وقلوب كلّ من قرأ وسمع عنها ليتعاطف مع الفتاة، وأولهم الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، لدرجة أنه هبّ مسرعاً لزيارة الطفلة في المستشفى حيث تقيم، مبدياً دعمه لقضيتها، مستنكراً مثل هذا السلوك العدواني من قبل زوجة الأب، ومؤكداً أنَّه لا يمت للدين الإسلامي أو العادات العربية بصلة.
الحادثة المريرة التي تعرضت لها «نوف» جرّت الكثيرين إلى الحديث في مجالسهم عن هذه النوعية من زوجات الأب، المتهمات بإساءة معاملة أبناء أزواجهن، وخيانة الأمانة التي وضعها الزوج عندهن ألا وهي أولاده، كما فتّحت جراح وآلام أشخاص آخرين كانوا في يوم من الأيام أو ما زالوا ضحية زوجة أب ظالمة جائرة.
«زوجة الأب غضب من الرب، لا تُحِب ولا تحَب».. بهذه الكلمات المستوحاة من مثل عربي قديم بدأ جمال شفيق حديثه، ليروي معاناته المستمرة مع زوجة أبيه، يقول جمال: «كنت طفلاً صغيراً عندما تزوج والدي بامرأة أخرى مع والدتي، ورغم أننا، أنا وأخوتي السبعة، كنا نقيم في منزل آخر مع والدتي إلا أن ذلك لم يمنع زوجة أبي من إشعال نار المشاكل في منزلنا كلما هدأت، وذلك لكي تحتفظ بوالدي لها وحدها ولأطفالها الذين أنجبتهم فيما بعد». يتابع: «عشنا طفولة قاسية فقدنا معها حنان الأب الذي أصبح يعاملنا كأعداء له، وخاصة أنا، ما جعلني أقضي نصف حياتي مطروداً من المنزل، ولولا بقاء والدتي على رأس البيت وصبرها من أجلنا، لكنا عشنا مع زوجة أب لا ترحم.
معاناة أخرى مع زوجة الأب يحكيها شيرين عبدالمعطي، ما زالت أحداثها مستمرة إلى اليوم، حيث يقول: «ماتت أمي منذ كنت في الثالثة من عمري، فتزوج والدي بامرأة ثانية لكي تعتني بي وتحنو علي كأمي، لكنها في الحقيقة كانت أكبر عدو لي، فلقد داومت على إساءة معاملتي من أول يوم لها في المنزل، ثم زادت قسوتها عليّ بعد أن أنجبت من والدي أبناء آخرين، وحتى الآن بعد أن كبرت وأصبحت لدي عائلة فما زالت تلاحقني ولو بالهاتف، تحرّض والدي ضدي وضد زوجتي وأطفالي».. يتابع شيرين: «لقد نغّصت علي زوجة أبي حياتي منذ صغري وحتى اليوم.. إنها سبب تعاستي في الدنيا».
أما معاناة الطفلة تقوى مع زوجة أبيها فتشبه في أحداثها قصة «سندريلا» التي عاشت مع زوجة أب قاسية جعلت منها خادمة لبناتها، تقول تقوى التي لم تتجاوز الثانية عشرة من عمرها: «لقد انفصل والداي بعد مشاكل كبيرة وقعت بينهما، ثم تزوج والدي بأخرى وكذلك تزوجت والدتي برجل آخر.. منذ ذلك الوقت عشت حياة قاسية، فأبي لا يراني ولا يهتم لأمري، فيما يعامل أخواتي من زوجته الثانية معاملة رائعة جداً.. أما زوجته فتعاملني وكأني خادمة المنزل إن لم يكن أسوأ، لدرجة أنني أتمنى الموت في كثير من الأحيان حتى أرتاح من قسوة زوجة الأب وظلمها».
وتبدو هذه الحالات بسيطة متواضعة أمام حالات أخرى اشتهرت في السابق وتناقلتها وسائل الإعلام، من بينها قصة الطفل السعودي الذي تركته زوجة أبيه لينام في الخارج مخبرة والده بأنه في سريره، وفي الصباح الباكر وجد الطفل ميتاً أمام المنزل من الخوف وشدة البرد. وكذلك توفيت إحدى الفتيات في مصر نتيجة تناولها طعاما مسموما وضعته لها زوجة الأب وأجبرتها على تناوله. أما القصة الأشهر فقد حدثت في الأردن حيث قامت زوجة أب بقتل طفلة زوجها بطريقة بشعة، حيث كانت تضع النمل في أذنها، مما أدى إلى تآكل تدريجي في مخّ الطفلة ووضع حداً لحياتها.
غيرة وإسقاط
ويعزو الدكتور مصطفى عبدالعظيم، أخصائي الطب النفسي، سلوك زوجة الأب العدواني تجاه أبناء الزوج لأسباب تتعلق بغيرتها الشديدة من زوجته السابقة، سواء أكانت طلّقت منه أم توفيت عنه أم ما زالت على ذمته، ورغبتها في التخلص من أي ذكرى أو ارتباط يذكرها بها، وكذلك التخلص من أي شخص أو شيء ينافسها وينافس أبناءها، ناهيك عن نزعتها للتسلط وتملك الزوج أي الأب. بالإضافة إلى أنها قد تفعل ذلك من باب «الإسقاط»، تلجأ له لتفريغ ما في قلبها من غلّ تجاه الزوجة الأولى، وغالباً ما تقوم هؤلاء الزوجات بتمثيل دور المرأة الحنون أمام الزوج، أما في غيابه فيظهرن بصورتهن العدوانية تجاه الأبناء. يستدرك عبدالعظيم، لكن ومع ذلك، فمن الظلم أن تعمم هذه الصورة السلبية على جميع زوجات الأب، فهنالك أمثلة رائعة، ونحن نشهد حالات تأتي إلينا، تعمل على الأخذ بيد ابن زوجها أو ابنته وتعالجه من المشكلات النفسية التي تعتريه.
من جهة أخرى يشدّد عبدالعظيم على دور الأب أو الزوج في المنزل، فيجب أن يكون متواجداً فيه كلما أمكن يراقب ويسأل ويراعي الجميع لاسيما أبناءه، ليشعر زوجته الأولى بحبه لهم وحرصه عليهم، وأنها موجودة لمساعدته في العناية بهم كما العناية به. وفي حال شعر الزوج بعدم الانسجام بين زوجته وأولاده فعليه أن يتبع معها أسلوب الثواب والعقاب، وإذا لم يجد نفعاً، فعليه أن يهددها ويخيّرها بين تغيير أسلوب تعاملها معهم أو الانفصال عنه، وأما إذا ما توفرت لديه القدرة على الفصل بينهم في المعيشة فهو حلّ أفضل للجميع.
وفي الوقت الذي استنكرت فيه إنعام المنصوري، استشارية أسرية، حادثة الاعتداء التي تعرضت لها الطفلة «نوف» جملة وتفصيلاً، فقد طالبت باتخاذ أقسى العقوبات بحق زوجة أبيها، حتى تكون عبرة لأمثالها من زوجات الأب، اللواتي يفترض فيهن أن يكن أمهات بديلات للأبناء الذين اضطرتهم ظروف الحياة للعيش بعيداً عن أمهم الحقيقية. فقد تساءلت عن دور الأب في هذه الأسرة، والذي وصل به الضعف والجبن إلى حد غضّ الطرف عما تتعرض له ابنته من تعذيب، قائلة إن على الرجل أن يكون حاسماً أمام زوجته ويشعرها بأن كرامة أولاده من كرامته، وأنها إذا كانت تحبه بالفعل فعليها أن تحب أولاده أيضاً وتعاملهم معاملة رحيمة، معتبرة أن الزوجة التي تمارس هذا الدور الشرير هي مريضة نفسياً وتحتاج إلى معالجة.
كما توضح المنصوري أن ثمة حالات كثيرة تأتي إليها تعاني من ظلم وجور زوجة الأب، ومن بين هذه الحالات تستذكر المنصوري سيدة قالت إنها عانت كثيراً من زوجة أبيها ما أثر عليها نفسياً، لدرجة أنها فشلت في حياتها مع زوجها وكذلك في تربية أبنائها بسبب الأزمة النفسية التي خلفتها زوجة أبيها في حياتها حتى دمرتها بالكامل. ومن هنا شددت المنصوري على دور المراكز الأسرية والدعم الاجتماعي في هذا الموضوع، إذ يجب تنظيم دورات ومحاضرات تثقيفية حول مهارات التعامل مع الأطفال، وعدم اتباع أسلوب الضرب والعنف الجسدي معهم، فالضرب لا يولد سوى العناد والعنف. موجهة النصيحة لكل أمّ وزوجة بأن لا تترك أبناءها وتغادر منزلها لأي سبب من الأسباب، وذلك حتى لا تربي أولادها امرأة أخرى.
انتقام وشعوذة
من جهته يقول حامد سليمان عباس، إمام مسجد، إن هناك حالات كثيرة لأبناء وبنات يأتون إليّ للعلاج من السحر الذي صنعته لهم زوجة أبيهم للانتقام منهم وتدمير حياتهم، مشيراً إلى أنها عندما لا تقوى على أذيتهم مباشرة تلجأ للسحر والشعوذة، فتسلّط بواسطته والدهم عليهم حتى تدب المشاكل فيما بينهم، وتصل إلى مبتغاها بالتفريق بينهم، وبذلك يصبح الزوج في النهاية ملكاً لها ولأبنائها وحسب. مضيفاً أن كثيراً من الأبناء والبنات يأتون إلينا للرقية والعلاج من السحر، في الوقت الذي لا يعلم فيه الأب بمكر زوجته ومكائدها. ثم ينصح الشيخ حامد النساء عموماً وزوجات الأب خصوصاً بالرحمة والعطف على أبناء الزوج، فهذا من أخلاق ديننا، وأن تقتدي الزوجات وكذلك الزوج بحياة الرسول عليه الصلاة والسلام وزوجاته اللواتي كنَّ يعيشن معا، تسع ضرائر وأربع بنات وأحفاد، في ودّ وانسجام وتراحم. إلى ذلك فهو ينصح زوجات الأب وكل النساء والرجال عموماً بقراءة كتابي «تحفة العروس» لمحمود مهدي الاسطنبولي، و»الزواج الإسلامي السعيد» للشيخ محمود المصري، اللذين يظهران العلاقة الزوجية على أصولها كما يحتويان على حلول كثيرة للمشاكل الزوجية بمختلف أنواعها.
يختم الشيخ حامد بقوله، لا نريد أن نعمم هذه الظاهرة أو نظلم بعض زوجات الأب الصالحات، اللاتي يقمن بتربية أبناء أزواجهن برحمة وتفان، لكن يبقى هذا هو الأصل في شرعنا وقيمنا العربية الأصيلة، وهو الأصل في المرأة أنها رؤوم حنون، أما الشاذ منها فهو مرفوض ويحتاج إلى تقويم وردع.

اقرأ أيضا