الاتحاد

دنيا

«استسلام» مشروع!

الساعة تقترب من الثالثة والنصف صباحاً، هممت بإغلاق جهاز الكمبيوتر، قبل أن أتذكر فجأة أنني لم أكتب هذه الزاوية الأسبوعية، وأن علي أن أقاوم النعاس واستعيد التركيز لأكتب.
الرغبة في النعاس تشل تفكيري، أعظم ما أحلم به الآن هو «الاستسلام» لسلطان النوم.. الطريف أنني لم أعتقد، قبل الآن، أن الاستسلام، أياً كان نوعه، يمكن أن يكون حلماً عظيماً.
اقترح أحد الزملاء، بعد أن لاحظ رأسي المترنح وعيني الحمراوين، أن أخلد قليلاً إلى النوم.. اقتراح عبقري، لم أكن أعرف أن من يغالبه النعاس عليه أن ينام.
تحولت المعركة غير المتكافئة التي أخوضها مع سلطان النوم إلى مادة لنقاش مفتوح حول أبعاد الظاهرة ومجمل تأثيراتها على الأداء الفكري للناعسين في مواقع العمل. أكد زميل، بعد أن «هرش» رأسه، ممهداً الطريق لفكرة عبقرية، أن المشكلة تكمن في الخلل الذي أصاب الساعات البيولوجية غير السويسرية، وأن السهر الطويل والأرق الاختياري جعلا الجسم البشري ـ بالتأكيد جسمي أنا هو المقصود ـ لا يعرف متى ينام ومتى يستيقظ.
أصاب الزميل كبد الحقيقة واحشاءها، رغم اعترافه بأنه لا يعرف الفرق بين الساعة البيولوجية وساعة بج بن، فقد أثبت العلماء أن معظم مشاكلنا تبدأ من الساعة البيولوجية وتنتهي إليها، أصابع الاتهام تشير إلى هذه الساعة الغريبة العجيبة، مجهولة المكان والملامح، باعتبارها المسؤول الأول عن الكثير من الكوارث غير الطبيعية ذات الصبغة البشرية، بدءاً من سقوط الطائرات المدنية، وصولاً إلى انفجار المفاعلات النووية، مروراً بالقرارات والتطبيقات العلاجية الكارثية في أقسام الطوارئ بالمستشفيات خلال المناوبات الليلية. أما أحدث الاكتشافات وأخطرها فهي أن هذه الساعة الخالية من العقارب تلدغ في مقتل، وأن العبث في المواقيت الطبيعية للنوم واليقظة، المبرمجة عليها أجسامنا، يتصدر العوامل المساعدة على الإصابة بقائمة مخيفة من أمراض العصر، تشمل أنواعاً من الأورام وأمراض المناعة.
المشكلة أن سهر الليالي لم يعد قاصراً على العشاق ولا أصحاب القلوب الموجوعة بسبب فراق الحبيب أو غدر الحبيبة.. فقد أصبحت أسباب السهر أكثر من مبررات النوم.. وأصبحت أمراض العصر أكثر بكثير من صفاته الأخرى.

صلاح الحفناوي

اقرأ أيضا