الاتحاد

الملحق الثقافي

جلَبة العباسي..

قبل ثلاثين عاماً تقريباً، بدأت في سماع مصطلح “الحركة الثقافية”، وفي الإمارات، وبدأت أفكر بها، وإذا ما كانت هذه الحركة “نشاطاً” فلقد نشطت فيها، خاصة في سنوات الثمانينات، وإذا ما كانت مفهوماً، فإنني فكرت في هذا المفهوم، وكتبت كثيراً عن تفكيري ذاك.
وقبل أيام، وحين تلقيت الدعوة للمشاركة في هذه الندوة، تساءلت ولربما للمرة المليون، وبعد كل هذه السنين: يا ترى ماذا نعني بالحركة الثقافية؟ وهل ما يسمى - إعلامياً على الأقل - بالحركة الثقافية، هو “حركة” و”ثقافية” حقاً؟ وهل نعيش بالفعل حراكاً ثقافياً؟
وفي الحقيقة فشلت، ومن جديد. في الوصول إلى أجوبة مقنعة على أسئلة مثل هذه غدت عند أمثالي مزمنة كالأمراض، وفشلي ذاك هو الذي دفعني إلى كتابة هذه الورقة: لمَ لا أحاول فهم ما لم أفهمه طوال هذه السنين؟
ورفقاً بنفسي حاولت الاقتراب من هكذا معضلة بالتذكر، والمشاهد، وتلك الأجواء العاصفة التي عاشها رأسي في سنوات الثمانينات، هنا على شوارع الشارقة، في مقاهيها وملاهيها والتكوينات الأولى للمؤسسات الثقافية الأهلية، أو التي صارت تسمى مدنية.

شخصية استثنائية
قفزت إلى ذاكرتي هنا شخصية استثنائية، إنه الأستاذ عبدالله العباسي، وهو بحريني عمل لفترة في الشارقة، ومن ثم عاد إلى البحرين.
وبغض النظر عن شبكة دوافعه، نفسية كانت أو أيديولوجية، أو حب ما فوق مرضي للظهور، فإن العباسي كان ينتقل كالفراشة، رغم جسمه البدين، من هذا المكان إلى ذاك، ومن هذه الإمارة (خاصة الشارقة و عجمان ودبي) إلى تلك، كي يقنع من لا يقتنع بأهمية عقد ندوة أو محاضرة أو أمسية، متكبداً في هذا الإقناع عناءً شديداً لا يتوانى عن التعبير عنه بشكل مسرحي فاضح، وبالفعل نجح العباسي في عقد الكثير من هذه المناسبات، ولو راجع أحد قائمة المحاضرات والندوات والأمسيات في أواخر السبعينات وبداية الثمانينات، لوجد الكثير منها، إن لم أكن أبالغ، من تنظيم ودعاية ورعاية العباسي. ولا أقول هنا إن العباسي هو مُدخل هذا الشكل الثقافي إلى الإمارات، فبالطبع كانت هناك مؤسسات رسمية وغير رسمية أو أهلية كانت تمارسه، وإن بشكل قليل متباعد.
إذ ما الذي أراده العباسي من سعيه المحموم ذاك، وما الذي قدمه، وما الذي أضافه؟
أولاً: كان العباسي حريصاً على حضور هذا الشكل في الحياة الاجتماعية، تماماً كما كان حريصاً على حضوره هو شخصياً في هذا الشكل ( كان العباسي المتحدث الرئيسي في أغلب النشاطات التي عمل على إقامتها)، وبظني فإن ندرة تلك النشاطات كانت تقيد طاقته على الحضور.
ثانياً: فإن العباسي، وعلى ما يبدو لي الآن كان مليئاً بكلام محظور يحاوله قوله، وإن كان عبر ألسنة الآخرين، وهذه النقطة بالذات حساسة ومهمة، فالعباسي وعبر نشاطه ذاك أحيا بعض النوادي الأهلية التي كانت توشك على الرميم، كما أنه ساعد تجمعات جديدة على الظهور، ورغم أن العباسي كان يجمع جمهور نشاطاته كما كان يجمع المعلمون الأوائل تلاميذهم من غبار الطرقات، إلا أن تلك النشاطات كانت نضرة ومستكشفة، وكثيراً ما كانت تطرح أسئلة أولى. هذا ناهيك عن محاولتها الخروج من التفكير المحلي الضيق، إلى الهواجس التي ينشغل فيها رأس العالم.
كانت حالة العباسي، حالة فرد من أفراد المجتمع يُفعل حراكاً ثقافياً في المؤسسة، سواء كانت رسمية أو أهلية، إن المجتمع الأهلي هنا كان قادراً على المطالبة بدوره في الحديث عن العام كما عن الخاص، بل أنه هو من يُفعِّل المؤسسات ويحييها ويكونها، وأنا غني عن القول إن تلك السنوات كانت مفتوحة بشكل ما، وأن يكون برّياً، لمثل هكذا مشاركة. وقبل أن أتوغل في النقطتين السابقتين، عليّ أن أمرُّ على سينوغرافيا، أو مسرحة هذا الشكل، فالعباسي لم يكن يجلب المتحدثين فقط، والجمهور ويتفق مع الجهات المختلفة، وإنما يعد ديكور المناسبة.
فهناك الطاولة والتي من الأفضل أن تكون مفروشة وليست عادية، مع التأكد من عمل الميكروفونات، هذا بالطبع إضافة إلى باقة من الزهور وإن تكن اصطناعية، وزجاجات ماء مع الكؤوس.
مقدم المحاضرة أو الأمسية أو الندوة جزء مهم من هذا “الديكور”، لكن ذلك لم يكن ليشكل معضلة للعباسي فهو موجود دائماً، كما كان من الأفضل أن يُعقد النشاط في مكان مغلق (= لم يكن أحد يُفضل المكان المفتوح) وواسع، ومن الأفضل أن تكون كراسيه كثيرة، والتعلق بالمكان الواسع ذو الكراسي الكثيرة انتاب معظم الحالمين بالوجود، أو الحضور بين “الجماهير”، وهو حلم من أحلام اليقظة الطفولية ونرى تمظهره هنا في الملاعب المهولة لكرة القدم، وفي قاعات المسرح في المراكز الثقافية، رغم إدراك الجميع لقلة عدد السكان، أقصد السكان المرئيين، أما عن الجن فلا أعرف الكثير عن ميولهم الرياضية أو الثقافية، كما ومن العناصر الرئيسية في هذا “الديكور” حضور الإعلام وخاصة التلفزيون، فالإعلام، كما أسرّ لي العباسي ذات يوم هو المستقبل، وهو من سيوصل قضايانا للجماهير.
والعباسي نموذج فعال، فقد تكون لديه أجوبة مبتسرة على كل الأسئلة كما هي حالة أغلب أيديولوجيي ذلك الزمان، ولكنه بظني كان يميل إلى الجلبة، إلى حالة المسرحة التي يُحدثها هو أو يشارك بها، أكثر من إصراره على إجاباته، ثم أن حركته في الحياة كانت قد علّمته، شاء أم أبي، تقنيات المراوغة.

المحاضرة.. والخطبة
وسنترك الأمسيات الشعرية والندوات (أي تلك التي يقدمها جمع، أحيان يكون غير محدود، من الملقين والمنتدين) ونكتفي بالحديث عن المحاضرة، شخص يتقدم إلى الطاولة يحمل أوراقاً أو لا يحمل، وينتظر أن يقدمه أحدهم تقديماً معتبراً ومن ثم يبدأ في إلقاء كلمته.
وسينوغرافيا المحاضرة كم تطرقنا إليها قبل قليل تقريباً متشابهة في مجتمعات العالم، رغم أنني أحسب بأنها شكل غربي حديث دخل مع أشكال المسرحة الأخرى إلى مجتمعات تقليدية لم تكن تعرف عادة أو تقليد الذهاب للاستماع لأحدهم وهو يتكلم في مبنى عام وبتوقيت محدد، وبالطبع فإنه دخل للمراكز الثقافية العربية الرئيسية قبل عقود من دخوله وانتشاره في مجتمع كان ما يزال تقليدياً جداً حتى السبعينات من القرن الماضي كمجتمعنا.
المحاضرة أيضاً خرجت من جلباب المؤسسة الأكاديمية، إذ لطالما رغب جمهور أوسع في السماع للأساتذة، لقد كانت حركة لخروج الدرس من الحرم الجامعي وانتشاره في الوسط الاجتماعي، وهي من هنا حركة مدينية، فقادة الحراك الأهلي أرادوا تعميق أسئلتهم عبر فتح هذا الفضاء الخليط من المجتمع إلى الجامعة ومن الجامعة إلى المجتمع، هذا بالطبع إضافة إلى ما يوفره هذا الفضاء من تحقق تعبيري.
ويظهر لي أن المحاضرة في الغرب كانت تُخلِّق في ذلك الفضاء فهماً أفضل، أو ينبغي عليه أن يكون أفضل للنفس والعالم والمجتمع، في حين يمكن القول بأنها في المجتمعات التقليدية التبست دوماً بالخطبة، تماماً كما التبس شكل أدبي جديد كالقصة القصيرة بالحكاية.
أما المحاضرة التي سعى إليها العباسي والتي حققها فلقد كانت وليدة في الإمارات، فهو القادم من البحرين حيث ثمة حراكاً ثقافياً مندغماً دوماً بحراك سياسي أراد في منطقة ناشئة ثقافياً أو بمعنى أصح، جديدة على الأشكال الثقافية الحديثة (محاضرة، أمسية، مسرح، سينما، معرض تشكيلي) أن يُفعِّل، أو يساهم في تفعيل هذه الأنشطة، إن ما كان يحبطه أكثر مما كان يشجعه، هكذا كان يشعر، فالجامعة كانت وقتها جديدة، بل إن خريجي الجامعات المحليين كانوا قلة، وكان أقل منهم ما يمكن تسميتهم بقادة الرأي من باحثين أو ناشطين سياسيين أو اجتماعيين أو كتّاب.
إن اعتماد “محاضرة” العباسي على الزوار تقف في وجهه دوماً الإمكانات المالية المتوافرة وقتها لمثل هكذا مناشط، ولهذا كان العثور على “محاضر” عربي مقيم من النعم التي كان يتلقاها مسعى العباسي.
ما الذي كان يريده العباسي إذن من كل ذلك النشاط الذي أبداه؟
كان يريد بدءاً محاضرة حادة، يقترحها أحد الفاعلين في المجتمع المدني، وتتناول قضايا المجتمع والناس والحاضر، ويسودها الاختلاف وتتحلى بالجرأة.
وكان يريد أن يحضر في هذا النشاط متكلماً ومستمعاً الفرد المحلي، فمشاركته هي تعبير عن وجوده، وغيابه يعني محوه وانمحائه، وكان يريد أن ينتشر مثل هذا النشاط، وأن تنقله وسائل الإعلام حتى يصل إلى كل بيت، وأي أحد.
إن هذه القائمة المفترضة من قبلي لما كان يريده العباسي تمكنني من تحديد: ما الذي تحقق من أحلامه أو ما أظنها أحلامه وما الذي انتكس؟ فالمحاضرة ومنذ مساعي العباسي المريرة انتشرت انتشاراً غير طبيعي وعمّت كل شيء، وغدت من أسهل المناشط التي يُمكن أن تقيمها أية مؤسسة صغيرة أو كبيرة، إذ يكفي أن تصطاد ثرثاراً وتعرف مقدماً معتمداً وتضع طاولة وميكروفوناً وكؤوس ماء ومزهرية حتى تحدث المحاضرة.
كذلك تنوعت المحاضرة، فصارت تعقد المؤتمرات التي هي مجموع محاضرات، ومن هذه المؤتمرات ما هو تخصصي، أو أغلبها، وتطورت المحاضرة، إذ أُدخلت عليها الوسائط الإلكترونية الحديثة، فصارت أقل أستاذية وأكثر متعة وتنويعاً، وصار المتحدثون فيها من كل العالم، وقد يحدث ويكونوا من أهم الأشخاص في المعرفة والتفكير والعلوم وقد يكونوا من أردئهم بلا فرز ممكن، بل أن المحاضرة أضحت عموداً من أعمدة السياحة الرئيسية من حيث صناعة المؤتمرات، أو هكذا يسمونها على ما أظن.
هل كان ذلك سيبهج العباسي أم لا؟ لا أدري، ولكني شبه متأكد من أنه لن يبتهج لادعاء المؤسسة الثقافية بأنها المنتج الرئيسي للثقافة بكل تمظهراتها، ومنها المحاضرة، فهذا الادعاء والعمل عليه وتكريسه لا ترتكبه إلا أجهزة الأنظمة الأكثر شمولية، أنظمة الديكتاتورية واستنساخ وعبادة القائد الملهم، وامتلاك الحقيقة، ففي المجتمعات الديمقراطية تقوم مؤسسة كهذه فحسب، بتوفير البنى التحتية للفعل الثقافي من مسارح وقاعات، كما قد تدعم هذا النشاط الثقافي أو ذاك، ولكنها لا تنتجه، فالفعل الثقافي تنتجه حيوية المجتمع المدني وفعالياته، وهو يسمى فعلاً ثقافياً لذلك.
كما لن يبتهج العباسي، بظني، من تقزم دور المؤسسات الأهلية التي صارت تقيم الكثير من المحاضرات حقاً، إلا أنها أنشطة تقام من قبيل الواجب، وهي متكلسة، تحضرها دوماً وتقيمها مجموعة صغيرة من محبي الظهور والعاطلين عن الحياة، والوصوليين.
أما عن وجود العنصر المحلي وتحققه ومشاركته الحقيقية فقد صارت أكثر انمحاء، فالجامعة التي صارت عدة جامعات لم تنتج إلا قلة من أصحاب الرأي، النشطين، وسواء كانت المحاضرة تنظمها مؤسسة رسمية مدعومة أو أهلية فإنها تشهد انحساراً واضحاً للحاضرين رغم البوفيهات والرسائل النصية وغيرها، فغير البلادة التي تشوب هذه المحاضرات، فإن افتقادها للحرارة تلك التي ينتجها الاختلاف والجرأة وتخطي خطوط حرية الرأي الحمراء جعلها منشط غير ذي شأن، حتى أن الكثير من المؤسسات الثقافية الرسمية الكبيرة قد قللت من شكلها القديم الآن، فلقد تحولت، وليسمح لي العباسي بهذا القول، إلى عادة فولكلورية.
في حين أن الإعلام الذي راهن عليه العباسي لنقل ما كان يمكن أن يسميه الواقع، اكتفى بنقل منجزات المؤسسة الثقافية الرسمية وتكريسها كمنتج للفعل الثقافي، ومثل هذا الميل جعل الإعلام أجوفاً ليس بمستطاعه إثارة الأسئلة، ولا خلق تراكم ثقافي هو مشغول بملاحقة منجزات المؤسسة الثقافية الرسمية اليومية والتي لا تتوقف، هل هذه حركة ثقافية؟ هل يمكن حقاً تسميتها بذلك؟
ما هي الحركة الثقافية؟ هل حقاً ما يحدث وما يسميه الإعلام، هو حقاً حركة ثقافية؟
لن أقول إجابة، ولكن فقدان هذا الحراك للحرارة، للسؤال، للتأثر والتأثير، للفعل والتغيير في المجتمع، لحضور تكوينات المجتمع الأهلي وأسئلة المحلي كما أسئلة العالمي تجعلني مترددا في أن أسميه كذلك.
وفي الأخير، ليست هذه الورقة إلا تحية للبحريني عبد الله العباسي، حياً أو ميتاً، على الجلبة التي أحدثها في هذا الساحل ذات يوم.

كان من المفروض أن تُلقى هذه الورقة في ندوة عن “الثقافة في الإمارات خلال أربعين عاماً” على هامش معرض الشارقة الأخير للكتاب، إلا أن الكاتب لم يتمكن من المشاركة.


a.thani@live.com

اقرأ أيضا