الاتحاد

تقارير

سياسة أوباما ضد تقاليد «المؤسسة»

في حملته الرئاسية عام 2007، شن السيناتور باراك أوباما هجوماً على مؤسسة السياسة الخارجية الأميركية التي ألقى عليها باللائمة في إلقاء البلاد في مستنقع العراق. وأعلن حينها أن «التفكير التقليدي في واشنطن اتبع طريقة للترويج لقصص لها معنى سياسي حتى ولو لم يكن لها معنى عملي.. أنا لا أخوض السباق على منصب الرئيس كي أتكيف مع التفكير التقليدي في واشنطن بل لأتحداه».
ومنذ ذاك الحين، تعلم الرئيس أوباما مدى صعوبة التغلب على التفكير التقليدي الذي هيمن على سياستنا الخارجية لعقود. وحاول أوباما إدخال نهج واقعي يعترف بحدود القوة الأميركية ويلتزم بعدم ارتكاب الحماقات.
لكن رئاسته تميزت بتوترات غير هينة بين الفلسفة التي تبناها في مسار حملته الانتخابية، وهي الفلسفة التي أدت إلى إنجازات مثل التوصل إلى اتفاق نووي مع إيران وتجديد العلاقات مع كوبا، وبين وجهة نظر المؤسسة التي ساهمت في الوقوع في أخطاء بما في ذلك التدخل العسكري في ليبيا وزيادة التوترات مع روسيا.
ويرجع هذا في جانب منه إلى أن أوباما لم يحط نفسه في وقت مبكر- فيما عدا استثناءات قليلة- بمستشارين ملتزمين بإعادة توجيه محورية للسياسة الخارجية الأميركية. بل جنح بدلا من هذا إلى الاعتماد في الأساس على المتمسكين بالسائد التقليدي.
وبعد أن أوشكت رئاسته على الانتهاء، هناك علامات تشير إلى أن أوباما «الحقيقي» قد يبرز كاستثناء حقيقي في السياسة الأميركية وهو استثناء أتمنى لو أننا شاهدنا جانبا أكبر منه في السنوات السبع الماضية وهو ظاهرة الرئيس المناهض للمؤسسة.
ونشرت مجلة «أتلانتيك» في عددها لشهر أبريل تحليلاً مطولاً لسياسة أوباما الخارجية يتردد فيه انتقادات الرئيس التي جاءت في سلسلة مقابلات مع الصحفي «جيفري جولدبيرج» قبل ما يقرب من عقد. فقد أشار أوباما إلى أن «هناك دليل تشغيل في واشنطن يفترض أن يتبعه الرؤساء. إنه دليل مؤسسة السياسة الخارجية. وهو يصف الاستجابات على أحداث مختلفة وهذه الاستجابات تميل إلى أن تكون عسكرية، لكن هذا الدليل يمكن أيضاً أن يكون فخاً يقود إلى قرارات سيئة».
ودار جانب كبير من التحليل حول قرار أوباما بعدم مهاجمة سوريا عام 2013 رغم وجود أدلة على استخدام الحكومة السورية للأسلحة الكيماوية ضد الشعب مما يعتبر تخطياً للخط الأحمر الذي حدده الرئيس من قبل.
ووفقا لوجهة نظر المؤسسة، فإن تقاعس أوباما عن الوفاء بتهديده يشير إلى الضعف ويضر بمصداقية الولايات المتحدة. ورغم أن الرئيس السوري بشار الأسد سلم في نهاية المطاف مخزوناته من الأسلحة الكيماوية في صفقة توسطت فيها روسيا ظل عدد من شخصيات المؤسسة السياسية يصرون على أن أوباما كان يجب أن يخوض الحرب. و«إدمان المصداقية» هذا كما وصفه البعض، جعل من بين منتقدي أوباما في هذا الموضوع أعضاء سابقون من فريقه للأمن القومي بما في ذلك خليفته المحتملة هيلاري كلينتون. وجاء في التحليل أنه بعد قرار أوباما بعدم قصف سوريا، صرحت كلينتون سرا قائلة «إذا كنت قلت إنك ستضرب لابد أن تضرب. لا خيار».
وجاء في التحليل أيضاً «أوباما يعتقد بصفة عامة أن مؤسسة السياسة الخارجية الأميركية التي يزدريها سراً تتعلق بشكل مرضي بالمصداقية وخاصة ذاك النوع من المصداقية الذي يُشترى بالقوة». وذكرت تقارير أن الرئيس أبلغ معاونيه أن «إسقاط قنابل على شخص ما لإثبات أنه مستعد لإسقاط القنابل عليه هو أسوأ سبب لاستخدام القوة». ورغم أن أوباما لم يرفض صراحة وجهة النظر الراسخة لدى المؤسسة ومفادها أن الولايات المتحدة «أمة لا يمكن الاستغناء عنها»، لكنه عبر عن خيبة أمله من «المستفيدين مجانا» أو الدول التي تتوقع أن تقوم الولايات المتحدة بدور الشرطي في العالم دون مساهمة «بقسط عادل» من جانبهم.
ومن بين ما يهيمن على السباق الرئاسي فكرة الغضب من «المؤسسة» والمقصود بها مؤسسات مثل الكونجرس ووول ستريت. ورغم أن هناك بالطبع هجوم على الصفوة السياسية والاقتصادية لكن المركب العسكري الصناعي ومؤسسة السياسة الخارجية بحاجة بالمثل إلى إصلاح. وما نحتاجه اليوم حقا- وهو ما يستطيع أوباما تقديمه في عامة الأخيرة في السلطة- هو تحد جاد وصميم لمؤسسة السياسة الخارجية التي أصابت بلادنا بالفشل لفترة طويلة للغاية.

* ناشرة ورئيسة تحرير مجلة «نيشان»
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا