الاتحاد

الملحق الثقافي

الفلسفة.. استراتيجية لتكريس الانفصال

هل يمكن للفلسفة أن تكون أداة لِلْحِوار؟ وهل تكْمن وظيفة الفلسفة في لمّ الشتات وتحقيق الوئام؟ وهل مَرْمَى الحوار الفلسفي هو البحث عن نقاط الالتقاء، وهل حقا أن غاية كل حوار هي رفع سوء التفاهم وتوحيد الأفكار؟ أو على الأقل تحقيق الحدّ الأدنى من الإجماع؟
بهذه الأسئلة وبغيرها ينطلق الفيلسوف والمفكر المغربي عبدالسلام بنعبد ليشَيّد هرم كتابه الجديد الصادر مؤخراً عن دار توبقال تحت عنوان “الفلسفة أداة الحوار” الذي يؤكد على أننا لسنا في حاجة إلى كبير عناء وطول تحليل كي نتبين ونبين كيف تكون الفلسفة أداة للحوار، فلو نحن سلمنا بأن الفلسفة تحتكم إلى العقل السليم الذي هو “أعدل الأشياء قسمة بين الناس”، لخلصنا إلى القول مباشرة وبلا تردد إنها أنجع الأدوات لخلق الحوار ورفع سوء التفاهم وتوحيد الأفكار ولم الشتات وتكريس الائتلاف.

الأيدلوجيا تجمع والفلسفة تفرق
ويدعو بعبد العالي القارئ العربي للالتفات إلى تاريخ الفلسفة ليتبيَّن أن الفلاسفة لم يكونوا عبر التاريخ دعاة وئام ولا مصدر تصالح، فضلاً على أن كثيراً من النصوص الفلسفية لاتزال إلى اليوم مثار تأويلات متضاربة وجدالات لامتناهية. مضيفاً إلى ذلك ما يمكن أن ندعوه الطبيعة الانفصالية للتفكير الفلسفي. فمقابل الدعوات الإيديولوجية التي تقوم على إغفال التناقضات وخلق الوفاق، فإن الفلسفة كما نعلم، استراتيجية تسعى إلى الكشف عن الاختلاف فيما وراء الائتلاف، وعن التعدد فيما وراء الوحدة. الإيديولوجية تجمع وتوحد، أماالفلسفة فهي تشتت وتفرق. إنها استراتيجية لتكريس الانفصال، وسعي وراء احداث الفجوات فيما يبدو متصلاً، وخلق الفراغ فيما يبدو ممتلئاً، وزرع الشك فيما يبدو بدهياً، وتوليد” البارادوكس” فيما يعمل “دوكسا”.
يستنتج بعبد العالي من ذلك أن منهج الفلاسفة ومنطق خطابهم لا يتوخيان خلق التفاهم بقدر ما يستهدفان إذكاء روح النقد وخلق سوء التفاهم أو إبرازه على الأقل. ربما يكفينا أن نتوقف قليلاً عند مجرى الحوار الفلسفي ذاته لتبين كل ذلك، ولنتذكر بهذا الصدد المناخ الذي يطبع المحاورات الأفلاطونية في مختلف مراحلها حيث نتبين، أنه كلما تقدم الحوار فإن شعوراً بالعجز أمام “شيء ما” يجعل الحوار يتبعثر، بل إنه قد يوقفه ويؤزمه. رغم ذلك فإن ما ينبغي الإلحاح عليه هو أن النقاط التي يتعثر عندها الحوار، ويحار عندها الفكر غالبا ما تكون هي بالضبط نقاط الالتقاء: أي النقاط التي تساوي جهل الجاهلين بمعرفة العارفين. فكأن المسافة بين المتحاورين تزداد قرباً كلما ازداد بعدهم، لا عن بعضهم بعضاً، بل عن ذواتهم. كل متحاور يزداد قرباً من الآخر كلما ازداد بعداً عن نفسه. ذلك أن النقاط التي يتبلور عندها التعثر و”يتوقف” الحوار، أو على الأقل يتأزم، لا تفرق بين المتحاورين، وإنما بين الفكر وبداهاته، بين الفكر ومسبقاته، أو لنقل بين الفكر وبين نفسه وهو يسعى للانفصال عنها.
فكأن الالتقاء بين أطراف الحوار-حسب المؤلف - لا يتم إلا عند نقاط افتراق، وكأن الاتصال بينها لا يتم عند نقاط انفصال: نقاط التأزم والتأزيم التي يتحرر عندها الفكر من يقينياته ويتخفف من “حقائقه”. إنها النقاط التي يغدو عندها أطراف الحوار “في الهم سواء”، وليس أي هم، بل الهم الفكري “الذي تتحول فيه الأشياء التي تبدو معروفة إلى أشياء تكون أهلاً للمساءلة” على حد تعبير هايدغر. إن الفلسفة حسب بنعبد العالي، من حيث إنها مقاومة تعمل ضد كل ما من شأنه أن يكرس التطابق والوفاق والائتلاف والتقليد، تأكيد بأن كل تفاهم مفترض يخفي من ورائه سوء تفاهم أصلي. على هذا النحو فإن الحوار الفلسفي لا يرمي إلى أن يحقق الحد الأدنى من التفاهم، وإنما يهدف، على العكس من ذلك، إلى أن يبين أن ما يقدم كنقاط التقاط قد يكون نقاط انفصال، وما يعتبر تفاهما قد ينطوي على سوء تفاهم. إلا أنه ليس بالضرورة سوء تفاهم بين الأطراف المتحاورة، بل إنه قد يكون أساس سوء تفاهم الفكر مع نفسه، سوء تفاهم ذاتي.
بناء على ذلك، يقول بنعبد العالي “ربما ينبغي بهذا الصدد إعادة النظر في مفهوم الحوار ذاته. فليس الحوار مجرد تبادل الكلام بين أكثر من طرف بغية التوصل إلى حد أدنى من التراضي. إنه بالأولى سعي وراء السير على الدرب نفسه. لا يعني ذلك آتباع درب خُطِّطَ من قبل وما على الأطراف إلا انتهاجه، وإنما مساهمة أكثر من طرف في شق دروب الفكر، مساهمته في إبداع الأسئلة، وتوليد المفارقات. لعل هذا هو ما يعنيه بوفري عندما يعطي لرباعيته عنوان: حوارات مع هايدغر. بناء على ذلك فإن كان ولا بد إذن من الحديث عن التراضي كمرمى للحوار، فإنه التراضي حول الأسئلة، التراضي حول شق السبل وفتح الآفاق، لا التراضي لا حول ما يطمئن ويرضي، بل التراضي حول ما لا يطمئن وما لايرضي.

شيطان ديكارت
لا عجب إذن أن يسود الفكر المعاصر ما يدعى “فلسفات الوجس “، تلك الفلسفات التي تنطلق من سوء نية أصلية وتفترض ليس شيطان ديكارت فحسب، ولا مكر التاريخ الهيغلي وحده، ولا خبث العلامات الذي يتحدث عنه فوكو، وإنما خبثاً أنطولوجياً يشمل كل الكائن.
وعلى رغم ذلك فإن الفلسفات سيئة الظن لا تعمل على التفرقة بين المتحاورين، وإنما تقرب فيما بينهم بأن تجعل كلا منهم يبتعد عن نفسه، ويخرج عن عزلته. لنقل إذن إنها تضع التوحد محل الانعزال.
باقترابه من هايدغر يجد بنعبد العالي ان ما يميّز هذا الأخير في معرض حديثه كما يدعوه “العمل الفلسفي” يميز بين العزلة وبين التوحد. يقول: “غالبا ما يندهش أهل المدينة من انعزالي الطويل الرتيب في الجبال مع الفلاحين.
إلا أن هذا ليس انعزالا، وانما هي الوحدة. ففي المدن الكبيرة يستطيع المرء بسهولة ان يكون منعزلاً اكثر من أي مكان آخر، لكنه لايستطيع أبداً أن يكون فيها وحيداً. ذلك أن للوحدة القدرة الأصلية على عدم عزلنا، بل إنها، على العكس من ذلك، ترمي وجودنا بأكمله في الحوار الواسع مع جوهر الأشياء كلها”.
يأتي هذا التقابل في النص المذكور ضمن تقابلات عدة لعل أهمها التقابل بين الريف والمدينة، أي بين فضاء تسوده علاقات حميمة يغلفها الصمت، وفضاء يسوده انعزال مغلف بعلاقات سطحية “تغمرها ثرثرة المتأدبين الكاذبة”، يمكن للمرء أن يصبح فيه “مشهورا في وقت قصير بواسطة الصحف والمجلات”، معروفا لدى الجميع تربطه علاقات بالكل من غير أن تربطه بأحد.
يفتضح هذا التقابل عندما تعلو موضة “الإقامة في الريف” ويهب أهل المدينة نحو الأرياف فينظرون إليها ويعاملونها كما لو كانت امتداداً “للأماكن التي يتسلون فيها في مدنهم الكبرى”، كما لو كانت امتدادا لـ “مناطقهم الخضراء” أي لكائن “يدخل في مخطط استهلاكي، كائن من صنع التقنية”.
وهكذا يغدو التقابل المذكور تقابلا بين عالمين: عالم تسوده التقنية مع ما تفرضه من علائق بين البشر فيما بينهم، وبينهم وبين الكائن، وآخر يريد أن ينفلت من ذلك العالم ويتجاوزه. قد يبدو كلام هايدغر للوهلة الأولى منطويا على تناقضات. فهو، على عكس ما نتوقع، يربط الشهرة والثرثرة والإعلام بالانعزال، مثلما يربط الصمت والتوحد بالحوار.
ويرتفع هذا الشعور بالتناقض إذا علمنا أن هايدغر يريد بالضبط أن يفضح التواصل الكاذب الذي تفرضه الثقافة التنميطية التي تسود عالمنا المعاصر، تلك الثقافة التي تسهم في ذيوعها وسائل الإعلام التي تكتفي، كما يقول دولوز، بوضع الاستفسارات بدل طرح الأسئلة، وتعمل على خلق اجماع مفتعل بتوحيد الأذواق والآراء والعواطف والقيم، إنه يريد إذن أن يفضح هذا التواصل الكاذب ليكشف أن وراءه عزلة حقيقية تغلفها “ثرثرة المتأدبين الكاذبة”، ويقابلها بما يدعوه توحدا “يرمي وجودنا بأكمله في الحوار الواسع مع جوهر الأشياء كلها”.
لذلك سرعان ما يتخذ التقابل المذكور شكلا آخر، ويغدو تقابلاً بين فضاء يقابل فيه الفكر العمل، وآخر تغدو فيه الفلسفة “عملا فلسفيا” لا يتحدد بفضاء التقنية وشرائطها وإنما “ينتظم سيره في حدث المنظر الطبيعي” و”يجد فيه الانتماء المباشر إلى عالم الفلاحين جذوره”.
تلك هي مهمة الفلسفة إذن، إنها تنقلنا من الانعزال نحو التوحد، ومن الاتصال الموهوم الذي تفرضه اليوم وسائل الاتصال، نحو التواصل الحق، فتأخذنا من فضاءات “التمدن” بما يسودها من حوار زائف وانسجام قطيعي وعزلة حقيقية “نرتبط فيها بالجميع من غير أن نرتبط بأحد”، إلى فضاءات تدفعنا لأن نعيش التفرد الأصيل وندخل في الحوار الواسع لا مع بعضنا البعض فحسب، وإنما مع “جوهر الأشياء كلها” كي نتجاوز عصر التقنية الذي يحدد علائقنا فيما بيننا وعلاقتنا بالوجود.
وقبل أن يناقش بنعبد العالي إشكالية الفلسفة كأداة للحوار أو العكس، ولج عالم الفيلسوف الألماني نيتشه حيث استهل كتابه بأفكار نيتشويه عن السبل السليمة لبلوغ الحكمة وينقل لنا من كتاب الفيلسوف الألماني الشهير “هذا هو الإنسان”: “أن نغمض أعيننا عن كثير من الأشياء، ونمتنع عن سماعها، ونحول بينها وبين أن تجيء إلينا، تلك هي أولى الوصايا لبلوغ الحكمة، وهي أولى الطرق لكي نثبت أننا لسنا مجرد صدفة وجواز، وإنما أننا ضرورة. الكلمة التي تستخدم عادة للدلالة على غريزة الدفاع هذه هي كلمة “الذوق”. وهي لا تحثنا فحسب على ألا نقول “لا” حينما تكون الـ “نعم” علامة على ترفّع، وإنما ألا تقول “لا” في أقل الأحوال الممكنة. فلنبتعد ولننفصل عما يُرغمنا أن نكرر اللاءات دون هوادة. وهذا هو عين العقل: ذلك أن تبذير القوى الدفاعية، مهما كانت ضعيفة، حينما يغدو هو القاعدة المتّبعة، يؤدي إلى فقر مدقع شامل. إن جهودنا العظمى تتألف من تكرار الجهود الصغرى. واتخاذ الموقف الدفاعي والترقب الدائم يشكلان، لا محالة، تبذيرا حقيقياً وتبديداً للجهود. حينما نجعل الحالة العابرة للموقف الدفاعي تتمدد، فإننا نضعف من قوانا بكل سهولة إلى حد أن نغدو عاجزين عن كل دفاع.
ويرى بنعبد العالي أن هناك إجراء آخر حكيماً يتعلق بأسلوب الدفاع، ويقتضي ألا نرد الفعل إلا أقل ما يمكن، وأن نبتعد عن المواقف والظروف التي من شأنها أن تجبرنا على التخلي عن قدرتنا على المبادرة، والتنازل عن حريتنا، كي نغدو مجرد استجابة ورد فعل. خذ، على سبيل المقارنة، علائقنا بالكتب. إن العالم الذي لا يعمل في الحقيقة إلا على أن “يزحزح” الكتب عن أماكنها، ينتهي بأن يفقد فقداناً كلياً القدرة على التفكير الشخصي.
إنه لا يعمل على الاستجابة لمنبه ولفكرة اطلع عليها، وينتهي به الأمر بأن يكتفي برد الفعل. يضيع العالم كل جهوده إثباتاً ونفياً، تأكيداً ومعارضة. إنه يبذر جهوده في انتقاد ما أعمل فيه الفكر من قبل، أما هو فلا يعود في حاجة إلى تفكير. إن غريزته الدفاعية قد انهارت وإلا لما لجأ إلى الكتب. هذا العالم علامة على تدهور وانحطاط. لقد رأيتها وقد انهارت وتدهورت بمجرد أن بلغت الثلاثين من العمر، وذلك بفعل القراءة، فتحولت إلى مجود أعواد ثقاب يلزم حكها كي تُولّد شرارات و “أفكارا”.
وبعد مناقشة موضوع “الفلسفة كأداة للحوار، تقرأ في الكتاب الذي جاء في 84 صفحة من الحجم المتوسط مقالات عميقة كتبها بنعبد العالي بتقنية الكتابة الشذرية التي برع فيها وهي مقالات، يقارب فيها إشكاليات فلسفية واجتماعية.

خبث انطولوجي

لا عجب أن يسود الفكر المعاصر ما يدعى «فلسفات الوجس» تلك التي تنطلق من سوء نية أصلية وتفترض ليس شيطان ديكارت فحسب ولا مكر التاريخ الهيغلي وحده ولاخبث العلامات الذي يتحدث عنه فوكو، وإنما تفترض خبثاً أنطولوجياً يشمل كل الكائن.


الكتاب : الفلسفة أداة للحوار
المؤلف: عبد السلام بنعبد العالي
الناشر : دار توبقال للنشر

اقرأ أيضا