الاتحاد

ألوان

عدنان الباجة جي: تعلمت من «زايد» الكثير

 الشيخ زايد يستمع للباجة جي في حضور أحد الضيوف (الاتحاد)

الشيخ زايد يستمع للباجة جي في حضور أحد الضيوف (الاتحاد)

أحمد السعداوي (أبوظبي)

رحلة طويلة من العمل الشاق والجهد الدؤوب بدأها معالي الدكتور عدنان الباجة جي وزير خارجية العراق الأسبق، منذ عشرات السنين، متنقلاً في عالم الدبلوماسية وشؤون الحكم وصناعة القرار، توجت مؤخراً بحصوله على «جائزة أبوظبي»، لما قدمه من إسهامات لافتة إلى دولة الإمارات، خاصة في إمارة أبوظبي، منذ مجيئه إلى البلاد عام 1969، ليشهد أهم مراحل التأسيس وظهور دولة الإمارات إلى الوجود في الثاني من ديسمبر 1971، ويستأنف بعدها مسيرة العطاء والمشاركة في رحلة النهضة والعمران، التي بدأتها أبوظبي منذ أربعة عقود، ولا تزال تمضي فيها بنجاح يشهد له القاصي والداني، بفضل المخلصين الذين لم يألوا جهداً في تقديم أفضل ما لديهم عبر سنوات العمر، فكان حقاً لهم الفوز بهذا التكريم الكبير، ممثلاً في الحصول على «جائزة أبوظبي» التي تقدم سنوياً إلى الشخصيات المتميزة التي قدمت أعمالاً جليلة لمجتمع أبوظبي.

الاهتمام بالفرد
وعبر الباجة جي (93 سنة)، عن اعتزازه وشعوره بالفخر لحصوله على هذه الجائزة، كونها تجسد عمق العلاقة التي تربطه بدولة الإمارات، خاصة إمارة أبوظبي وأولي الأمر فيها، الذين قدموا الكثير لرفعة ونهضة أبناء الإمارات في كل المجالات، مؤكداً أن الاهتمام بأهل العلم وذوي الخبرات في أبوظبي، يوازي الاهتمام نفسه الذي توليه الدولة بكل المجالات، وقال «كان المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، يهتم بشكل لافت بالعلم، ومن أهم إنجازاته مشهد العلم والمعرفة في ربوع هذه البلاد، وهذه النهضة العمرانية والحضارية التي يلاحظها الجميع نتيجة إعلاء قيمة العلم والمعرفة في المجتمع، وهو ما يُحسب للقائد المؤسس، طيب الله ثراه، الذي وضع كل تركيزه واهتمامه على الفرد المواطن، حيث كان هدفه الأكبر توفير العيش الكريم والرخاء لكل مواطن ومقيم في الدولة، وهو ما نجح فيه بشهادة الجميع، فجميعنا يرى هذه الإنجازات الكبرى، وحين جئت إلى أبوظبي قبل 46 سنة، لم يكن هناك غير شارع واحد فقط يربط المدينة بالمطار، وكانت الرمال تنتشر في كل مكان، ولم يكن هناك كورنيش بالمعنى المعروف في ذلك الوقت، ولكن بعزيمة الرجال وصواب الرؤية استطاع الشيخ زايد، طيب الله ثراه، وضع أساس هذا الصرح الضخم، وهو ما سار على نهجه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، الذي كرّس المكانة الكبيرة لدولة الإمارات إقليمياً وعالمياً.

أهم المحطات
ويسرد الباجة جي، الذي شغل منصب وزير خارجية العراق في فترة ما قبل قيام الاتحاد في الإمارات، أهم المحطات التي مر بها منذ قدومه إلى الإمارات، موضحاً أنه أتى إلى أبوظبي في زيارة خاصة سنة 1969، بناء على اقتراح وتشجيع من أحد المسؤولين في دولة الكويت، حيث التقى فيها الشيخ زايد، طيب الله ثراه، وكان اهتمامه الأول حينها إخراج اتحاد دولة الإمارات إلى النور.
أما الموضوع الآخر الذي كان محور اهتمامه أيضاً، فهو إقامة نظام حكومي عصري قائم على تقسيم المسؤوليات يختلف تماماً عن النظام الذي كان سائداً، وطلب منه بالمشاركة مع معالي أحمد خليفة السويدي ممثل صاحب السمو رئيس الدولة، رئيس الديوان آنذاك، أن يعمل على تأسيس نظام حكومي جديد في أبوظبي، فقام بوضعه بمعاونة بعض الإخوة من العراق، ولا يزال قانون تنظيم الجهاز الحكومي هذا سارياً حتى الآن، مع وجود تعديلات طفيفة، وبموجب القانون يؤلف مجلس وزراء وعدة وزارات، وتكون الإدارات مقسمة حسب المسؤوليات. وكلفه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، أن يكون عضواً في مجلس الوزراء، وبالفعل تم تعيينه وزير دولة في أول وزارة بأبوظبي.

الشؤون الخارجية
وأشار الباجة جي إلى أن أولى المهام وقتها كان التركيز على الشؤون الخارجية للحصول على أكبر قسط من التأييد لفكرة الاتحاد، فأوفده الشيخ زايد إلى القاهرة لملاقاة الرئيس المصري الراحل أنور السادات، وأخبره عن الخطوات التي جرت في طريق إنشاء الاتحاد وإقامة الدستور، ووجد التأييد الكامل لقيام هذا الاتحاد والتجربة الفريدة في العالم العربي. ثم أرسله الشيخ زايد ليرأس أول وفد للأمم المتحدة، وهناك عمل على تذليل بعض العقبات والمشاكل أمام الانضمام للمؤسسة الدولية، وكانت الخشية من استعمال إحدى الدول الكبرى لحق الفيتو ورفض طلب الانضمام للأمم المتحدة، ولكن بفضل الله تذللت هذه العقبات، وكان له الشرف برفع أول علم إماراتي في الأمم المتحدة يوم صدور قرار الأمم المتحدة في 9 ديسمبر 1971، وقبول دولة الإمارات العربية المتحدة عضواً كامل العضوية في المنظمة.

وفود وزيارات
ولفت إلى أن العضوية تكون بقرار من الجمعية العامة بتوصية من مجلس الأمن وأعضاء الدول الخمس دائمة العضوية، وفي هذا العام احتلت الصين موقعها بين الدول الخمس للمرة الأولى، ولم نكن متأكدين من موقفها، فأوضحت لهم أن الإمارات لن تنضم إلى أي أحلاف، وستنضم في أقرب فرصة لعدم الانحياز، وسنعامل الجميع على قدر المساواة، وبالطبع كان من مصلحة الصين إقامة علاقة قوية مع هذه الدولة الفتية التي تستطيع أن تزود الصين بالكميات التي تطلبها من البترول. ومن ضمن المهام التي أسندت إليه المتعلقة بالشؤون الخارجية، الإسهام في وضع أسس تنظيم وزارة الخارجية وتمثيل الإمارات في الخارج، وترأس عدة وفود، منها وفد 1972 إلى دول عدم الانحياز، وعضوية كثير من وفود القمم التي كان يشارك فيها الشيخ زايد، طيب الله ثراه، سواء القمة العربية، وقمة عدم الانحياز، اجتماع دول الأوبك، كما رافق القائد المؤسس في عدة زيارات رسمية منها: الهند وباكستان وفرنسا وتونس ومصر. مرحلة أخرى مهمة خلال مسيرة الباجة جي على أرض أبوظبي، استمرت 22 عاماً من 1971 إلى 1993، كان خلالها عضواً في المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي، وأثناء وجوده في المجلس التنفيذي أصبح عضو مجلس إدارة عدة هيئات منها شركة أدنوك، أديا «جهاز أبوظبي للاستثمار حالياً»، صندوق التنمية العربي، وخلال الـ22 عاماً ساهم كعضو في المجلس التنفيذي في النهضة العمرانية الهائلة التي بدأها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وأكملها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله.
ويقول الباجة جي: «أعتبر مساهمتي متواضعة، مقارنة بالجهد الجبار الذي قام به الشيخ زايد، طيب الله ثراه، وصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، ومن حسن حظي الإسهام في هذا الإنجاز، وإرساء وخلق قاعدة قوية لإنشاء دولة متحضرة توفر الأمان والرخاء للمواطنين وللوافدين، ويطيب لي أن أفخر أن هذه البلاد، صارت بجهود القيادة الرشيدة، مركزاً عالمياً واقتصادياً وثقافياً لها وضعها المتميز على مستوى العالم».
وبالحديث عن بيئة العمل داخل المستويات العليا في الدولة، وكيف أسهمت هذه البيئة في جعل دولة الإمارات واحدة من الدول المشهود لها بالرقي والتقدم في المنطقة والعالم، أكد معاليه أن الشيخ زايد كان دائماً يستشير، ويناقش، ويأخذ بالرأي الآخر، ويفسح المجال للجميع، خاصة أعضاء المجلس التنفيذي والقريبين منه، وكان منفتحاً لآراء الآخرين، ولم يفرض أبداً رأيه على أحد، وبالأخير يلخص ما يدور في هذه الاجتماعات، ويتخذ القرار المناسب في القضايا المطروحة، وهذا يعني أن بيئة العمل تلك كانت محفزة لأقصى درجة على الإبداع والوصول إلى مستويات عليا من النجاح، وهو ما لا تخطئه أي عين.
وحول المدى الذي تمثله جائزة أبوظبي كحافز لكل مجتهد على بذل المزيد من الجهد في عمله، ودفعه لمزيد من العطاء، أورد أن الجائزة ستبقى حافزاً لمزيد من العطاء والجهد، منوهاً بأنه فوجئ بنبأ حصوله على الجائزة، لكونه يرى أنه أدى الواجب المطلوب منه، ولذلك يعتز بالجائزة إلى أقصى درجة، ويشعر براحة كبيرة أن سمحت له الظروف أن يسهم في هذا الإنجاز الضخم الذي أرسى قواعده الشيخ زايد، طيب الله ثراه.

مؤلفات متنوعة
ويتطرق عدنان الباجة جي إلى المؤلفات التي قدمها، موضحاً أن أول مؤلفاته كان كتاب «مُزاحم الباجة جي.. سيرة ذاتية» وصدر بالإنجليزية عن والده الراحل مُزاحم الباجة جي، الذي تولى رئاسة الوزراء في العراق مرات عدة، والكتاب الثاني هو «صوت العراق في الأمم المتحدة»، ويتناول عمله سفيراً ومندوباً دائماً للعراق في الأمم المتحدة في الفترة السابقة على قدومه إلى أبوظبي، والتي اكتسب خلالها خبرة كبيرة في قضايا متنوعة بالأمم المتحدة، منها مكافحة الاستعمار، وغيرها.
ومن مؤلفاته أيضاً سيرة ذاتية نشرت في مايو 2013 تحت اسم «في عين الإعصار»، أما آخر ما كتبه فهو ذات الكتاب باللغة الإنجليزية، ولكن بصيغة أخرى، وصدر في ديسمبر عام 2013.
وعن الأشخاص الذين أثروا في تكوينه، أورد أن الوالد كان له تأثير كبير على تكوينه، حيث اهتم كثيراً بتعليمه، وكان يحاول أن يشركه في الحياة العلمية والثقافية، ويشجعه على أن يقرأ كثيراً، وحاول أن يحفزه على حب الشعر، ولكن لم يكن لديه ميول له على الإطلاق. ويتابع الباجة جي «المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وبُعد رؤيته ونفاذ بصيرته التي جعلت من دولة الإمارات واحدة من أنجح التجارب الوحدوية في العصر الحديث، كان من الشخصيات التي تعلمت منها الكثير، كذلك التقيت أثناء عملي في الأمم المتحدة بشخصيات أثرت في، منهم داج همرشولد، الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة، وكثير من الشخصيات التي كانت تكافح من أجل الاستقلال في المستعمرات.

النجاح والمال
وحول هواياته، قال إنها تتمثل في الاستماع إلى الموسيقى الكلاسيكية الغربية، والأغنيات المصرية القديمة لأم كلثوم وعبد الوهاب وسيد درويش، مشيراً إلى أنه كان يتابع الفرق الفنية المسرحية المصرية، حين تقوم بزيارة بغداد عندما كان طفلاً، ومنها فرقة رمسيس التي كان أبطالها يوسف وهبي وفاطمة رشدي.
وبالنسبة للنجاح في حياته، يرى أن العمل هو الأساس، وعلى الإنسان أن يعمل في شيء يستسيغه حتى يكون لديه الإمكانات ليتقنه، وبالتالي النجاح فيه، وعن رؤيته للمال، يرى أنه وسيلة لتوفير الراحة والعيش الكريم، وإذا زاد المال على حاجته يستخدمه في مساعدة الآخرين.

التواصل مع الآخرين
يؤكد الباجة جي أنه شخص اجتماعي إلى حد كبير، ويحب التواصل مع الآخرين والجلوس إليهم والتحدث في كل الموضوعات، ولكن الآن وبعد رحيل الزوجة والتقدم في العمر، يشعر بنوع من الوحدة لا يقلل منها إلا الزيارات المتكررة له من قبل بناته الثلاث وأحفاده الأربعة، مشيراً إلى أن طبيعته أتاحت له السفر لكثير من البلدان، غير أن أكثر المدن التي تعلق بها بعد بغداد، التي يعتبرها معشوقته، أبوظبي بوصفها درة مدن الخليج، لما تتسم به من تخطيط على أرقى مستوى، وانتشار المساحات الخضراء بها بشكل لا يتكرر بين مدن المنطقة، أما مدينة الإسكندرية في مصر، فهي المدينة التي احتضنت سنوات دراسته الثانوية في «فيكتوريا كوليدج»، ثم عمله في أول منصب دبلوماسي، قنصل العراق في الإسكندرية عامي 1949 و1950، حيث كان كل شيء في الإسكندرية يلمع: (شوارعها، مطاعمها، فنادقها)، وهناك بيروت، وباريس بسحرها الخاص، ولندن، وجنيف، فكل من هذه المدن لها طابعها الخاص الذي يجعلها لا تفارق أي شخص عمل بها لفترة من عمره.

الأسرة هي الحياة
فيما يتعلق بالجانب الآخر لشخصية معالي الدكتور عدنان الباجة جي، يقول إن الأسرة بالنسبة له هي الحياة، والمجتمع في الأصل قائم على الأسرة، أما عن الحب، فيعتبر نفسه محظوظا أنه تزوج الإنسانة التي أحبها، ورافقته طوال 69 عاماً إلى أن توفاها الله قبل أشهر عدة.

اقرأ أيضا