الاتحاد

رب لا تكلني لغيرك طرفة عين

رأيت رجلا في آخر أيامه يدفعه أجنبي على كرسيه المتحرك وحيدا بلا أبناء· يسير في الممرات وقد أصابه المرض وأعياه، وهذا الذي يدفعه يلهو بهاتفه، وينظر شمالا ويمينا للنساء والناس غير عابئ بهذا الذي كفل له معاشه·
ليست بمرة أو مرتين التي شاهدت فيها مثل هذا المنظر الذي هز كياني· فهذا الرجل مضى شبابه وما عاد له في الحياة سوى مطلب الراحة والرحمة، فأين ولت تلك الرحمة؟
في مشهد آخر، وهو وللأسف حدث أيضا في المستشفى، امرأة تتكئ على الحائط لتتابع طريقها بعد أن هزها المرض والتعب فعجزت عن الوقوف بمفردها· لقد خشيت أن تلفظ أنفاسها أمامي من شدة المرض والوحدة فأين أبناؤها أو أحفادها أو أصحابها! هل هي وحيدة في هذه الدنيا؟ وإذا لم يكن لديها أبناء أليس لها أصحاب أو جيران؟
قال سيدنا زكريا عليه السلام، وقد حرم الولد و امرأته عاقر، وقد كبر في السن ''رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين'' فما الذي أراده سيدنا زكريا من هذا الدعاء ولماذا أراد أن يكون له ولد!
ولماذا نحن في حاجة لأن يكون لنا أبناء! هل لأننا نكره الوحدة أم لأننا نخشى أن نفارق الحياة دون أن نذكر أو أن نترك وراءنا من يدعو لنا، أم لأننا حين يصيبنا الوهن والمرض نبحث بين الوجوه عن أقرب الناس لنا فلا نبحث إلا عن أبنائنا لنتكئ عليهم، أم لكل ما سبق!
وما هو الأقسى والأشد إيلاماً؟! هل هو حين نكون أفرادا أم فُرادى بلا أبناء أو أصحاب، أم حين نخلف وراءنا أبناء وأحفادا لا خير فيهم! كيف احرص طوال حياتي على ألا اترك أبنائي بلا معين أو صدر حان وحين أحتاج إليهم لا أجدهم؟ لماذا لم تشغلني هموم الحياة ومتطلباتها عن إرضاعهم أو إطعامهم أو علاجهم، وحين غافلني المرض وعجزت قدماي عن حملي عجزوا هم أيضا عن حملي!
هل أصبحنا (أبناء، وأحفادا، وأصحابا وحتى جيران) حجرا تكسرت على أطرافه كل المشاعر والعلاقات الإنسانية؟!
رب لا تكلنــي لغــــيرك طرفـــة عين، ولا تحملــــنا ما لا طاقة لنا به!

ضبابة سعيد الرميثي - العين

اقرأ أيضا