صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

روسو.. الأكثر حضوراً

عن جان جاك روسو (28 يونيو -حزيران 1712) الذي تحتفل كلّ من سويسرا وفرنسا بمرور 300 على ميلاده، كتب عالم الأنثروبولوجيا الشّهير كلود ليفي شتراوس يقول: «روسو معلمنا، روسو أخونا الذي لم نعترف له بالجميل كما ينبغي. إنه مؤسس علوم الإنسان». ويعتقد كلود ليفي شتراوس صاحب كتاب: «المدارات الحزينة» الذي يعدّ من أشهر المؤلفات في الأنثربولوجيا المعاصرة أن روسو هو الأقرب إلى العلوم الإنسانيّة الحديثة من كلّ فلاسفة الأنوار.


حسّونة مصباحي

في كتابه: «دراسة في منشأ اللغات» يستشهد كلود ليفي شتراوس بفكرته الشهيرة التي تلخّص منهجه الفلسفي، والتي فيها يقول: «عندما نريد أن ندرس النّاس، فإنه يتحتّم علينا أن ننظر بالقرب من أنفسنا، لكن إذا ما نحن أردنا أن ندرس الإنسان، فإنه يتوجّب علينا أن نطلق نظرنا بعيداً. ولا بدّ في البداية من أن نتأمّل الفوارق لكي نكتشف الخاصّيّات».

نظرة ثاقبة
ويرى أغلب فلاسفة الفترة الرّاهنة أن جان جاك روسو يتميّز عن فلاسفة الأنوار، وعن فولتير بالخصوص، بنظرة ثاقبة للقضايا المعاصرة وللتّقلّبات التي يشهدها عالم اليوم. فقد اعتقد فولتير أن التّقدم العلمي يمكن أن يحقّق للإنسان السّعادة على الأرض، ويمنحه القدرة على أن يكون سيّد نفسه، متحرّراً بذلك من كلّ العوائق التي تكبّل طاقاته. لذلك كتب يقول: «كلّ شيء يصلح للبذخ ولملذّات هذا العالم. آه! يا لهذا القرن الجميل، قرن الحديد!.
أمّا روسّو فقد شكّك في قدرة العلم على القضاء على شقاء الإنسان في العالم بل ذهب إلى حدّ التّأكيد على أنه، أي العلم، يمكن أن يسبّب له كوارث ومتاعب أشدّ وأقسى من تلك التي عرفها من قبل. وهذا ما أثبته الواقع. فالحروب المّدمّرة التي تقتل الملايين مثلما كانت الحال في الحربين الكونيّتين، وتّلوّث الأنهار والمحيطات، والمخاطر التي تهدّد الطّبيعة راهناً، وكلّ هذا متأتّ أساساً من التّقدم العلمي والتّكنولوجي. لذا فإن حماة الطبيعة الذين فرضوا وجودهم اليوم خصوصاً في البلدان المتقدّمة ينظرون إلى روسو بإكبار شديد، ويعتبرون أفكاره مؤسّسة لأفكارهم، ومحرّضة على نضالاتهم. وأمام الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسيّة الخطيرة والتّقلّبات التي يشهدها العالم راهناً، يرى فلاسفة اليوم أن روسو ربما تنبأ بها، وبها انشغل، وعنها كتب كتابه الشهير: «العقد الاجتماعي»، والذي أكّد فيه ضرورة الأخذ بعين الاعتبار مشاغل المواطنين، وهمومهم، والإنصات إلى مطالبهم، وتمكينهم من المساهمة المباشرة في إدارة شؤونهم وشؤون دولتهم. لذلك فإن ّالعودة إلى أفكاره وأطروحاته التي بلورها وعمّقها في مختلف مؤلفاته هي اليوم ضروريّة لفهم العوائق التي تواجهها الدّيمقراطيّة في الوقت الرّاهن، وتصاعد احتجاجات الشّعوب الفقيرة والغنيّة على حدّ السّواء ضدّ أساليب الحكم، وضدّ تزايد الأزمات الاقتصادية التي تهددّ معيشتها اليوميّة.
وفيما كان فلاسفة الأنوار يرون في التّحكم للعقل وحده أساس تقدّم العالم وتحرّر الإنسان، كان روسو يقول وكأنه يتهكم عليهم: «أنا قلبي». ومثلما يقول روجيه -دروا، كان القلب بالنّسبة له «المكان الذي منه يتحدّث إلينا مباشرة صوت الطّبيعة، هناك حيث يمكننا أن نسمع الكلمة الواضحة والنقيّة للمشاعر العفويّة والفوريّة». لذلك فإنه، أي روسو، كان يعيب على الفلاسفة الآخرين الاهتمام بمشكلات وقضايا غامضة وتجريديّة، بعيدة عن مشاغل الأفراد والجماعات. وهو يقول إنّ الفلسفة بالنـسبة لهؤلاء هي طريقة للظّهور والبروز وليس للكشف عن ذواتهم الحقيقيّة. أما الفلسفة عنده فوسيلة لفهم ذاته، والتوّغل في أعماقها، لإدراك وجوده وحقيقته في الكون. ولعلّ ذلك يعود إلى أنه اكتشف مبكّراً، وهو يعيش تقلّبات العالم وعواصفه الهوجاء، أنه لن يتمكّن من أن يعيش بحسب رغبات قلبه وشهواته. لذلك لم يبحث عن السّعادة بين البشر بل أطلق خياله بعيداً جداً ليعثر على المكان الذي يخوّل له العيش هادئاً ومطمئنّاً.

فلاسفة مدّعون
وفي «هواجس المنفرد بنفسه» كتب يقول: «لقد رأيت الكثير من الفلاسفة الذي يتفلسفون بطريقة أكثر مرونة منّي، غير أن فلسفتهم كانت غريبة عن حياتهم. وراغبين في أن يكونوا عالمين أكثر من غيرهم، هم يدرسون الكون لكي يعرفوا كيف هو مرتّب ومنسّق. وكما لو أنهم يدرسون آلة مّا شاهدوها لمجرّد الفضول فقط، وهم يدرسون الطبيعة البشريّة لكي يستطيعوا أن يتحدّثوا عنها بمهارة وبراعة، وليس للتعرّف إلى أنفسهم. وهم يعملون لتثقيف الآخرين وليس لإضاءة ما بداخلهم».
ومعرّفا بفلسفة روسو كتب ب0غرويتسن يقول :«إنّ فلسفة روسو هي النّتيجة المعقّدة للتّجارب الحياتيّة0ولكي يحكم على فكرة مّا، هو يقدّر قيمتها بحسب الحقائق الدّاخليّة التي يكشفها له وعيه. طموح روحه يستبق الفكرة. طموح ملتبس نحو شيء مثالي وتجاه سعادة إليها يشعر القلب بالظّمأ من دون أن يتمكّن من ماهيتها، وتجاه حالة هو يشعر بالحاجة إليها غير أنه لا يمتلك القدرة على تحقيقها بين البشر. وقلقا هو يقارن ما هو موجود بما سيكون، ويتساءل لمعرفة طبيعته ومصيره، ويبحث عن الفكرة لكي يسقرّ، ولكي يمنح حياته نهاية».
وينتمي جان جاك روسو المولود عام 1712 في جنيف إلى عائلة متوسّطة الحال من المذهب الكالفيني. وقد عاش طفولة صعبة، إذ توفّيت والدته وهو صغير. وعند بلوغه العاشرة من عمره، أهمله والده فتكفّل عمّه برعايته. وفي سنوات الشباب أخذ يتنقّل من مكان إلى آخر، متجوّلاً في الطبيعة، وملتقياً شخصيّات فكريّة ودينيّة سوف يستفيد منها فيما بعد في مسيرته الفكريّة. وفي فترة التّكوين هذه، تعرّف إلى السّيّدة فارانس التي ستهتمّ بتربيته، وستساعده على تجاوز العديد من العقبات المادّيّة منها والمعنويّة. كما أنها أقنعته باعتناق الكاثوليكيّة.. وعلى مشارف سنّ الثلاثين، فتن روسو بالموسيقى، وشرع يكتب مقالات ودراسات عميقة عنها. وفي باريس تعرّف إلى ديدروا الذي كان منشغلاً بإعداد «الإنسيكلوبيديا»، فتوطّدت العلاقة بينها. كما أنه عاشر خادمته التي تدعى «تيريز لوفيسير» التي أنجبت منه خمسة أطفال سوف يضطرّ لإهمالهم، متعلّلاً بعدم القدرة على التّكفّل بشؤونهم. وبسبب ذلك تعرّض لانتقادات شديدة وجارحة من قبل العديد من الفلاسفة والمثقفين. وقد حظي روسو بشهرة واسعة بعد أن نشر عام 1750 كتابه الذي حمل عنوان : «خطاب حول العلوم والفنون». والعنصر الأساسيّ الذي ركّز عليه في هذا الكتاب هو أن الإنسان يولد طيّباً وسعيداً، غير أن المجتمع سرعان ما يفسده، ويجعله كائناً شقيّاً.. وسيحظى كتابه الآخر: «العقد الاجتماعي» بالشهرة نفسها التي حظي بها كتابه السّابق الذّكر. أمّا في كتابه «إميل أو الّتربية» فقد اهتمّ بمسائل تتّصل بتربية الناشئة والشبيبة. ولمّا اشتدّ الضّيق السياسيّ عليه، لجأ روسو الى لندن عام 1762، وفيها ارتبط بعلاقة صداقة مع الفيلسوف البريطانيّ دافيد هيوم. غير أن العلاقة سرعان ما فسدت بين الفيلسوفين. وقد خاض روسو معارك فكريّة طاحنه ضدّ فولتير الذي كان يسخر من أفكاره، ومن نظريّاته في مجالات متعدّدة ومختلفة. وقبل وفاته عام 1778، وهو في السادسة والستين من عمره، أصدر روسو كتابن مهمّين هما: «الاعترافات»، و «هواجس المتنزّه المنفرد بنفسه»، وفيهما تطرّق بأسلوب شاعريّ رائع إلى خفايا حياته، ومسيرته الفكريّة والفلسفيّة.