الملحق الثقافي

الاتحاد

جائزة البردة.. إشراقَةُ سلامٍ

قانون واحد...
طرائق مختلفة...
تلك هي البنية التي تتحكم في علم الخط العربي، إذ يتعدد “النص” شكلاً ويثبت مضموناً، حيث لا تغيير في تجاور الحروف والأفعال والأسماء في النص، وما يراد منه أن يكون التنويع طريقة لتقديم هذا الفن وفق بناء جديد يسحر الناظر في تشكله ومعالجته للتراكيب الغريبة.

ذلك ما تعارف عليه علماء العربية وفنانو الخط العربي، منذ نشأته إلى اليوم، فالتجويد لديهم ينحصر في كيفية تقديم النص، وفق مجموعة من المعايير، أهمها شكل الخط وانحناءاته، وأشكال الحلية التي تحيط به، والفواصل الفارغة بين الجمل في نص الحلية، وترك فراغات كافية للزخارف، واستخدام الأحبار ذات الجودة العالية والألوان وطبيعة تلاؤمها مع الموضوعة التي تعني “النص”، هذا بالإضافة إلى الأساليب المتعددة التي يلجأ إليها الفنان لزيادة رونق النص وجماليات تشكله. يأتي ذلك في “الحلية” الشريفة” التي يحدد نوع خطها مجانسة مع جمالية مضمونها.
أما في الخط، إذا كان شعراً أو نثراً، فللنص تشكلاته التي يريدها الفنان بعيداً عن روح التعظيم الذي نراه في الحلية الشريفة.
ويجاور ذلك فن ثالث هو “اللوحة الحروفية” التي يجوز فيها استخدام ما يرتئي الفنان من نوع الخط ومكوناته وانحناءاته، بعد أن يتفق على نص معين يراد منه أن يكون هو معيار التجويد، وهنا يلعب الفنان على قدر عالٍ من البراعة بين تشكل النص في البنية الحروفية ومعناه في الإطار المضموني، وسوف نتحدث عن هذا من خلال “لوحات حروفية” طابقت بين المبنى والمعنى.
قادني إلى قراءة هذه الأنماط الثلاثة من الخط العربي ما شاهدته من أعمال للفنانين الفائزين بجوائز البردة التي تنظمها وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع التي أعلنت عن نتائجها الأسبوع الماضي، حيث تعرض الآن في قاعات المركز الثقافي التابع للوزارة في المسرح الوطني بأبوظبي.

الحلية الشريفة
ثلاثة أقسام تضم عدداً غير قليل من أعمال نادرة، قدمها فنانون من كل العالم الإسلامي كله، حيث جمعت التجويد والابتكار والاتباع، ضم القسم الأول 5 أعمال بخط الثلث العادي والجلي للحلية الشريفة فاز في جائزتها الثانية العراقي زياد المهندي والثالثة للعراقي محفوظ ذنون يونس العبيدي والرابعة للباكستاني غلام مرتضى، بينما قدمت جائزتان في خط الثلث للإيراني مراهاد شيرخاني والسوري محمد بحسيتي... وحجبت الجائزة الأولى.
خط الفنانون الخمسة- بعد حجب الجائزة الأولى- نصاً نثرياً جاء فيه: “عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلَيٍّ، قَالَ: سَأَلْتُ خَالِي هِنْدَ بْنَ أَبِي هَالَةَ، وَكَانَ وَصَّافًا عَنْ حِلْيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ ِ وَسَلَّمَ، وَأَنَا أَشْتَهِي أَنْ تَصِفَ لِي مِنْهَا شَيَئًا أَتَعَلَّقُ بِهِ، فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخْمًا مُفَخَّمًا، يَتَلأْلأُ وَجْهُهُ تَلأْلُؤَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، أَطْولَ مِنَ الْمَرْبُوعِ، وَأَقْصَرَ مِنَ الْمُشَذَّبِ، عَظِيمَ الْهَامَةِ، رَجِلَ الشَّعْرِ، إِنِ انْفَرَقَتْ عَقِيقَتُهُ فَرَقَها، وِإِلا فَلا يُجَاوِزُ شَعْرُهُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ إِذَا هُوَ وَفَّرَهُ، أَزْهَرَ اللَّوْنِ، وَاسِعَ الْجَبِينِ، أَزَجَّ الْحَوَاجِبِ، سَوَابِغَ فِي غَيْرِ قَرْنٍ، بَيْنَهُمَا عِرْقٌ يُدِرُّهُ الْغَضَبُ، أَقْنَى الْعِرْنِينِ، لَهُ نُورٌ يَعْلُوهُ يَحْسَبُهُ مَنْ لَمْ يَتَأَمَّلْهُ أَشَمَّ، كث ّاللِّحْيَةِ، سَهْلَ الْخَدَّيْنِ، ضَلِيعَ الْفَمِ، مُفَلَّجَ الأَسْنَانِ، دَقِيقَ الْمَسْرَبَةِ، كَأَنَّ عُنُقَهُ جِيدُ دُمْيَةٍ فِي صَفَاءِ الْفِضَّةِ، مُعْتَدِلَ الْخَلْقِ، بَادِنًا مُتَمَاسِكًا، سَواءَ الْبَطْنِ وَالصَّدْرِ، عَرِيضَ الصَّدْرِ، بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبِينِ، ضَخْمَ الْكَرَادِيسِ، أَنْوَرَ الْمُتَجَرَّدِ، مَوْصُولَ مَا بَيْنَ اللُّبَّةِ وَالسُّرَّةِ بِشَعْرٍ يَجْرِي كَالْخَطِّ، عَارِيَ الثَّدْيَيْنِ وَالْبَطْنِ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ، أَشْعَرَ الذِّارَعيَنِ وَالْمَنْكِبَيْنِ، وَأَعَالِي الصَّدْرِ، طَويلَ الزَّنْدَيْنِ، رَحْبَ الرَّاحَةِ، شَثْنَ الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ، سَائِل الأَطْرَافِ، خُمْصَانَ الأَخْمَصَيْنِ، مَسِيحَ الْقَدَمَيْنِ، يَنْبُو عَنْهُمَا الْمَاءُ، إِذَا زَالَ زَالَ قلْعًا، يَخْطُو تَكَفُّؤًا وَيَمْشِي هَوْنًا، ذَرِيعَ الْمِشْيَةِ إِذَا مشْى كَأَنَّمِا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ، وَإِذَا الْتَفَتَ الْتَفْتَ جَمْعًا، خَافِضَ الطَّرْفِ، نَظَرُهُ إِلَى الأَرْضِ أَطْوَلُ مِنْ نَظَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ، جُلُّ نَظَرِهِ الْمُلاحَظَةُ، يَسُوقُ أَصْحَابَهُ، يَبْدُرُ منْ لَقِيَ بِالسَّلامِ”.

طرائق بنائية
اشتغل الفنانون هذا النص بطرائق بنائية مختلفة، وهو مزين بآيات قرآنية والبسملة وأسماء وصفات الرسول الأعظم وأسماء الخلفاء الراشدين، وتوخي في اختيار الآية أن يكون موضوعها عن الرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم.
جاء في حلية “زياد المهندس”، قوله تعالى: (والنجم إذ هوى* ما ضل صاحبكم وما غوى* وما ينطق عن الهوى)، مخطوطة تحت قوس جاء فيه: (إنه من سليمان وأنه بسم الله الرحمن الرحيم)، أما الإطار العام الذي يخص النص النثري “صفات الرسول”، فهو أشبه بالوعاء، حيث خط المهندس قوله تعالى: (إنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى * وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى).
وقد استخدم الفنان ثلاث صفات للرسول الكريم مع اسمه الكريم “محمد، أحمد، حامد، محمود”، وقد وزعها خارج وداخل الوعاء بتوازن وتقابل بين محمد وأحمد في داخل الوعاء وحامد ومحمود خارج الوعاء من أسفله، وحمل الوعاء تكملة النص القرآني: (مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى)”.

المشربية التقليدية
ونسأل ونحن نشاهد لوحة الحلية الشريفة التي خطها زياد المهندس ما الغرابة فيها؟ فنقول:
لو نظرنا إلى الحلية الشريفة، لوجدنا أن الفنان خط النص النثري، وهو ما نقل عن صفات الرسول على شكل “مشربية” فوهتها عريضة من الأعلى وعنقها مخصر من الوسط وبطنها منتفخة من الأسفل واستكمل النص برمته في إنجاز المشربية التقليدية الإسلامية، ووضعها داخل وعاء كوني وختمها بقوله: “كتبه زياد المهندس سنة 1433 هجرية”.
وفي الحلية الشريفة التي قدمها العراقي محفوظ ذنون يونس العبيدي نجد تنويعاً مختلفاً، إذ كتب في أعلى اللوحة “بسم الله الرحمن الرحيم” كبيرة واختتمتها بــ”وبه نستعين” صغيرة.
وجاء العبيدي على النص النثري فقسمه إلى 3 أقسام: كتلة وسطية في قلب اللوحة دائرية الشكل وكتلتان مقوستان في الأعلى 3 أسطر وفي الأسفل 3 أسطر، وهاتان الكتلتان مقوستان إلى الخارج وبطناهما إلى الداخل، ووزع 4 صفات قرآنية عن الرسول، وهي: “لا إله إلا الله وحده” و”محمد رسول الله وعبده” و”الملك الحق المبين” و”صادق الوعد الأمين”، وأسندت اللوحة كلها على نص قرآني كريم: (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً وبشر المؤمنين)، وبالتأكيد إذا أردنا أن نقارن بين هذين العملين الرائعين كونهما حازا الجائزتين الثانية والثالثة لقلنا بحق إن البنية الشكلية للوحة زياد المهندس استقت من التراث الدلالة الأيقونية البارعة، أي أنه قدم نصاً مكتوباً بعناية وجمالية أخاذة متضمناً لوحة لشكل أيقوني، أي أن المبنى قد تطابق مع المعنى فاستحق أن يتقدم على النص الآخر للعبيدي.

الدائرة الكونية
قدم العبيدي الدائرة الكونية وفي وسطها “نعمة الله” وكأنه أراد أن يتمثل تسبيح الأرض ككتلة دائرية لنعمة الله، وهذا بتقديري سبق أن طرق في أنظمة وتشكلات الحلية الشريفة، أما نص زياد المهندس فهو يمازج بين روح الكتابة مع روح الأيقونة، إذ يحيلنا الشكل تأويلا إلى قوله تعالى: (الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح، المصباح في زجاجة، الزجاجة كأنها كوكب دري).
في الحلية الشريفة التي رسمها الباكستاني غلام مرتضى لا نجد جديداً، بل لم يحافظ على فواصل التشبيه في النص النثري “صفات الرسول”، حيث استخدم 3 أنظمة للخط الأول نظام الخط الثلث العريض والثاني الأقل سماكة والثالث الأرق “وهو ما تضمن الصفات”، أما العريض فاتخذ نصوصاً جزئية، وهي: أولاً (وإنك لعلى خلق عظيم) في مركز النص النثري وعلى شكل دائرة، وثانياً الاسم والصفات “محمد وأحمد وحامد ومحمود”، وثالثاً: (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً ولكن أكثر الناس لا يعلمون).
أما النص الثالث والأرق، فقد اقتطع من صفات النص النثري وهو: “عَارِيَ الثَّدْيَيْنِ وَالْبَطْنِ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ، أَشْعَرَ الذِّارَعيَنِ وَالْمَنْكِبَيْنِ، وَأَعَالِي الصَّدْرِ، طَويلَ الزَّنْدَيْنِ، رَحْبَ الرَّاحَةِ”.
والحقيقة لا أعرف لماذا اختار غلام مرتضى هذا المقطع الوصفي من النص النثري دون غيره ليجود فيه ويغاير في حجم خطه جميع كلمات النص.

مستوى الشكل
أعتقد أن حلية غلام مرتضى لم تأتِ بجديد على مستوى الشكل، بل أقول إن السوري محمد بحسيتي كانت أكثر تجويداً بالأدلة التالية:
أولاً: بالرغم من انه رفع “بسم الله الرحمن الرحيم” بشكل تقليدي في الأعلى، غير أنه احتوى نص وصف الرسول الكريم بكلمة واحدة وهي: “النبي” صلى الله عليه وسلم، في مد حرف الياء التي أصبحت كالصحن للصفات.
ثانياً: قابل أسماء الخلفاء الراشدين حول كلمة النبي “أبوبكر وعمر” في الأعلى و”عثمان وعلي” في الأسفل وكتب: “وإنك لعلى خلق عظيم” بين الصفات، وكلها تشكّلت على نظام دائري متبعة كلمة واحدة وهي: “النبي” صلى الله عليه وسلم، خارج الياء وداخلها واختتم الصفات كلها بأن رفعها على خاتمة النص بثلاثة أسطر.
وثالثاً: لم يكتف بحسيتي بذلك بل أخذ من صفات الرسول قطعتين وجعلهما في طرفي حليته الشريفة تقابل أحداهما الأخرى.
إن حلية “محمد بحسيتي” فيها براعة التأمل والشكل الذي يغاير - إلا إذا أريد التمازج الحروفي وهذا ما لا نريد الخوض فيه - أما إذا أريد تقديم النص في بنية شكلية مغايرة فأعتقد أن بحسيتي قد نجح في ذلك أكثر من غلام مرتضى الذي فاز بالجائزة الرابعة.
حسناً ماذا قدم الإيراني فرهاد شيرخاني الذي فاز بالجائزة التقديرية؟
لقد قدم هذا الخطاط شكلاً مستطيلاً على نظام الأركان الأربعة، وهي “حبيب الله” و”صفي الله” في الأعلى و”سيد الأمة” و”نبي الرحمة” في الأسفل خارج زوايا المستطيل الأربعة، أما في الداخل فقد كتب “محمد، أحمد، حامد، محمود” وكل ذلك يحيط بالنص النثري وهو “صفات الرسول”، أما طرفا الحلية الجانبيان الطويلان وما يمكن تشبيههما بطرفي الستارة، فقد كتب بالتقابل هذا النص القرآني: (يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً)، وما يقابله في الجهة الثانية: (إن الله وملائكته يصلون على النبي، يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليماً).

المبنى والمعنى
أعتقد أن جماليات تلك الآثار الإبداعية قد تجلت في المغزى من توخي الأشكال التي رسمت بها؛ ولهذا فإننا لا بد أن نجد تبريراً لتوخي هذا الشكل دون غيره ونسأل هل يقدم معنى مطابقاً لمبناه، ذلك ما نجح به زياد المهندس ببراعة حقاً واقتنص محمد بحسيتي بحركته الجميلة “النبي”، حيث احتوت ياؤه النص النثري بمغايرة عن السائد والمألوف. في خط النستعليق “فئة الخط العربي” اختير نص شعري للإمام البوصيري وهو على أجزاء أربعة يحتوي كل جزء أربعة أبيات من القصيدة البوصيرية في مدح الرسول الكريم التي كان مطلعها:
“أمــن تذكيــر جيـران بــذي ســلم
مزجت دمعاً جـرى من مقلـة بدمِ”


والأجزاء المختارة هي:

1
مُحَمَّدٌ سَـيِّدُ الكَوْنَيْن وَالثَّقَلَيِــنِ
وَالفَريقَيْنِ مِنْ عُرْبٍ وَمِنْ عَجَـــمِ
نَبِيُّنَـا الآمِرُ النَّــاهِي فَلا أَحَــدٌ
أَبَـرُّ في قَــوْلِ لا مِنْـهُ وَلا نَعَـمِ

هُوَ الحَبيبُ الَّــذي تُرْجَى شَـفاعَتُهُ
لِكُــلِّ هَوْلٍ مِنَ الأَهْـوالِ مُقْتَحَمِ
دَعَـا إِلى اللهِ فَالمُسْـتَمْسِـكُونَ بِـهِ
مُسْتَمْسِـكُونَ بِحَبْـلٍ غَيْرِ مُنْفَصِـم
ِ
2
فــاقَ النَّبيِّينَ في خَلْـقٍ وَفي خُلُـقٍ
وَلَمْ يُـدَانُوهُ في عِلْــمٍ وَلا كَـرَمِ
وكُــلُّهُم مِنْ رَسـولِ اللهِ مُلْتَمِـسٌ
غَرْفاً مِنَ البَحْرِ أَوْ رَشْفاً مِنَ الدِّيَـمِ
أَكْــرِمْ بِخَلْـقِ نَبِيٍّ زانَــهُ خُلُـقٌ
بِالحُسْـنِ مُشْـتَمِلٌ بِالبِشْـرِ مُتَّسِـمِ
كَالزَّهْرِ في تَرَفٍ وَالبَـدْرِ في شَـرَفٍ
وَالبَحْرِ في كَــرَمٍ وَالـدَّهْرِ في هِمَمِ

3
جاءَتْ لِــدَعْوَتِهِ الأَشْـجارُ سـاجِدَةً
تَمْشـي إِلَيْهِ عَلى سـاقٍ بِــلا قَدَمِ
كَــأَنَّمَا سَـطَرَتْ سَـطْراً لِمَا كَتَبَتْ
فُرُوعُهَـا مِنْ بَـدِيعِ الخَطِّ في اللَّـقَمِ
يـا خَيْرَ مَنْ يَمَّمَ العـافُونَ سـاحَتَهُ
سَعيــاً وَفَوْقَ مُتُونِ الأَيْنُقِ الرُّسُـمِ
ومَنْ هُــوَ الآيَـةُ الكُبْرَى لمِعتَبِـرٍ
وَمَن هُـوَ النِّعْمَــةُ العُظْمَى لِمُغْتَنِمِ

4
سَرَيْتَ مِنْ حَـرَمٍ لَيْــلاً إِلى حَرَمِ
كَما سَـرَى البَدْرُ في داجٍ مِنَ الظُّلَمِ
وَبِتَّ تَرْقَى إِلى أَنْ نِلْـتَ مَنْزِلَــةً
مِنْ قابِ قَوْسَـيْنِ لَمْ تُدْرَكْ وَلَمْ تُـرَمِ
فَحُزْتَ كُــلَّ فَخَارٍ غَيْرَ مُشْـتَرَكٍ
وَجُزْتَ كُــلَّ مَقَــامٍ غَيْرَ مُزْدَحَمِ
وَجَـلَّ مِقْـدَارُ مـا وُلِّيتَ مِنْ رُتَبٍ
وَعَزَّ إِدْراكُ مــا أُولِيتَ مِنْ نِعَــمِ
وفاز بجوائزها الإيرانيون حبيب رمضانيور وعسكر محمدي تبار ومحمود رهبران وآميد بناكرار وعباس علي تيمور، أما التقديرية ففاز بها الإيرانيون محمد رضا بجند وأحمد أحمدي ومصطفى عابديني وعلي طوفاني.

مقياس واحد
كان مقياس الأعمال جميعها 35*50 سم مقسمة إلى قسمين الأول يميناً يضم بيتين على شكل جليب، والقسم الثاني يساراً ويضم بيتين أيضاً وعلى شكل سطري أفقي “دفتري”، وقد كتب على كل قطعة اسم الشاعر في الأعلى وهو “الإمام البوصيري”، وذيلت كل قطعة بتوقيع الخطاط وقد روعي أن تكون الأحبار أصلية وذات جودة عالية والورق مقهر.
اختار الخطاطون جميعهم الأبيات الأربعة:
“سريت من حرم ليلاً إلى حرم
كما سرى البدر في داج من الظلم”
“فحزت كل فخار غير مشترك
وجزت كل مقام غير مزدحم”
وهم ثمانية فنانين، أما الفنان التاسع وهو “مصطفى عابديني”، فهو الوحيد الذي غاير الاختيار فتوخى خط المقطع:
“محمد سيد الكونين والثقلين
والفريقين من عرب ومن عجم”
“هو الحبيب الذي ترجى شفاعته
لكل هول من الأهوال مقتحم”
وربما يقودنا هذا إلى القول إن مصطفى عابديني قد حاز التغاير في شيئين وهما:
أولاً: إنه الوحيد الذي جعل أرضية لوحته خضراء دون غيرها من اللوحات. ثانياً: إنه الوحيد الذي اختار أبياتاً غير الأبيات التي اختارها الفنانون الآخرون وهذا بالطبع يقودنا إلى قراءة حركة الأحرف لديه - ما دام النص مختلفاً - ومدى انسيابيتها، إذ كان نصه مليئاً بحرفي الياء والنون “الكونين، الثقلين، الفريقين”، وبحرف السين الذي تكرر خمس مرات، والهاء الذي تكرر 3 مرات.

الحروفية العربية
ونقف عند لوحات الحروفية العربية التي حجبت جائزتها الأولى والثانية وفاز في الثالثة العراقي علاء إسماعيل والثالث مكرر السوداني عبدالقادر المبارك والمركز الرابع تقاسمه العراقي ضياء الجزائري والإيراني محمد بناتي، بينما فاز الفنانون الإماراتي محمد مندي ومن مصر حسام أحمد عبدالوهاب وخليفة السليمي ومن إيران محمد رضا بثيري وعلي رضا كريم بور بالمركز الخامس.
كان النص هو البيت الشعري من بردة البوصيري:
وقيل كل نبي عند رتبته
ويا محمد هذا العرش فاستلمِ
وكان الفنان حراً في اختيار نوعية التصميم والمقاسات والمواد والألوان على الجمفاص، وكذلك اختيار الخط التقليدي بأنواعه المختلفة وبقية الخطوط المبتكرة كجزء مكمل للوحة وليس أساسياً لها.
في لوحة علاء إسماعيل، تداخل حروفي بارع وتناغم لوني يمزج بين التجريد والخط، أي أنه قدم لوحة تشكيلية اعتمدت الحروفية العربية، مستخدماً اللون الرصاصي بتدرجاته في بناء الشكل، كما أنه قدم نموذجاً واحداً للشدة بوصفها حركة فوق حرف اللام من “كلّ” وقدم لها نموذجاً آخر على حرف الياء من “نبي”، ولم يقدمها ثالثاً ولو قدمها في حركة ثالثة لقلنا لا توجد غير هاتين الحركتين في البيت الشعري، فمن أين أتت الشدة الثالثة؟
وبحق هذا انتباه بارع من الفنان نفسه الذي حسب حساباً دقيقاً لشكل عمله حتى لو كان عملاً تجريدياً.

الفلسفة التجريدية
اشتغل عبدالقادر المبارك، على الفلسفة التجريدية ذاتها في تناول البيت الشعري، غير أنه استخدم الألوان الفاقعة، وهذا بتقديري قد غيب الحروفية، إذ نرى أن اللوحة قد تنازعها “التجريد” و”الحروفية”، وغلب الأول ولم يظهر الثاني، وهذه حسنة حقاً؛ لأن الفنان أراد أن يحول اللوحة إلى فن وليس تقليداً اتباعياً.
وإذا أردت أن أتكلم هنا عن كل اللوحات، فهذا يستغرق مقالة بكاملها، ولهذا سأعرج على عملين يبدوان أكثر اقتراباً للحروفية منه للوحة وهما: عمل محمد مندي والآخر لعلي رضا كريم بور.
قدم محمد مندي البيت الشعري متداخلاً في شطريه وكلماته، طالعاً من سماء زرقاء على بساط أخضر ببياض مازج اللونين”الأزرق والأخضر”، فكانت لوحته مبهجة.
أما كريم بور، فقدم شجرة خضراء طالعة باتجاه السماء وخط جذعها الذي يوصل ورق أغصانها بجذورها النابتة في الأرض باسم “محمد”، أي أن الفنان كان يريد تقديم دلالة في المعنى من أن اسم الرسول الكريم “محمد” قد أوصل الشجرة المباركة من أعلى السماء إلى أسفل الأرض؛ وهو تعبير عن الرتبة ووصول الرسول العرش/ كرتبة أعلى بالأرض/ كجذر للإسلام، تعبيراً عن قول البوصيري “ويا محمد هذا العرش فاستلمِ”، إذ رفع الحرفان “الميم والحاء” أغصان الشجرة المباركة وامتد حرف الميم الثاني ليكون ساقاً وجذعاً قوياً موصلاً السماء بالأرض، أما الدال فكانت رسوخ الشجرة في باطن الجذور الممتدة في أرض حمراء متوهجة.

جماليات الزخرفة
هناك جانب مهم من جائزة البردة، حيث يشكل علامة بارزة في قيمة المكتوب، نجده في قسم الزخرفة والذي فاز فيه: الأول من إيران “محسن أقاميري”، والثاني من تركيا نهال تزكان، والثالث من إيران أيضاً، وهو حسين تنابني، وفاز بالجائزة الرابعة مناصفة سيد محمد حسيني وزينب رهتما سرميلي من إيران، والخامسة ذهبت إلى الإيرانية فاطمة مرادي، والخامسة مكرر إلى عسكر مرادي.
في زخرفة محسن أقاميري هدوء الهالة وجمالية القفلة الخارجية للدائرة وتجانس لوني بين الدوائر على أرضية صفراء، وفي زخرفة نهال تزكان تناظر العناصر وطغيان الأزرق مع الثقافات بارعة وانهمارات شجرية رقيقة وبشفافية عالية، ويقترب حسين تنابني من أقاميري في قفلة دائرته ومن نهال تزكان في الأزرق القاشاني المضلع الذي يحيط بالهالة، حيث نجد القفل لديهما واحداً بالأزرق المضلع والمدبب غير أن تنابني ربط القفل بدائرة متكاملة بعقد داخلية. وقدمت زينب رهتما سرميلي مبنى زخرفياً مغايراً اعتمدت فيه نظام المربع الذي يؤطر الدائرة بثقافاتها الست، وقدمت فاطمة مرادي وعسكر مرادي كتلاً متساوية تعتمد على بؤرة مشعة في نظام جميل للزخرفة الإسلامية.

اقرأ أيضا