الاتحاد

الملحق الثقافي

الفقيه الفضائي...

الفقيه الفضائي وتحولاته من المنبر إلى الشاشة، ومن بين أيدي أهل العلم فقط والعلماء إلى الجمهور عبر الاجتهاد، والدعوة إلى جعل هذا الخطاب الفقهي معرفياً تفاعلياً وحيوياً وهذا ما يمكن أن يخرج الخطاب الفقهي من ظرفيته وثقافيته، وكون الفقه هو ثقافة أصيلة في الرأي والاختلاف والتأويل مما يذكر بعبارة إيكو حول التأويل كفعل حر لا يخضع إلى أي ضوابط أو حدود بل يتطور خارج قوانين انسجام الخطاب.
كل هذا وغيره من الأطروحات يقدمها الناقد السعودي عبد الله الغذامي في كتابه الجديد “الفقيه الفضائي – تحولات الخطاب الديني من المنبر إلى الشاشة” في سياق إبراز لحظة اشتغال العقل النقدي على مشكلات فكرية. ولعل المتابعين لمشروع الغذامي النقدي يستطيعون أن يعرفوا أي دراسة جديدة يقدمها في هذا الكتاب، فعلى الرغم من صلتها بمشروعه النقد الثقافي وقراءة الأنساق الثقافية ومراجعتها إلا أنه يطرق بابا فكريا جديدا على ما عرف به من اهتمامه بالأدبي والثقافي.

فتح الذرائع
الكتاب يدعو الفقيه إلى أن يساير ويعايش زمنه في سرعته وبنفس ديناميكيته، فهو الفقيه الذي يقدم مادته اليوم عبر المواقع الإلكترونية والوسائط المتعددة وشاشات التلفزيون، ويرى أن مسوغ ذلك ومشروعيته - كما جاء في أجزاء متفرقة من الكتاب - يعود إلى مثل مقولة أبي حنيفة: “كلامنا هذا رأي فمن جاءنا بخير منه تركنا ما عندنا إلى ما عنده”.. تلك المقولة التي نستسقي منها الرحابة في تقبل الرأي والاجتهاد مما يجعل الفقه عملية مشتركة تفاعلية متغيرة، ذلك الرأي والاجتهاد الذي بات مفروضا في ظل وجود اختلاف بيّن وشاسع على مدار الأزمنة. وهو ما يشير إليه الغذامي بمقولة فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي حين قال إن “درجة الاختلاف في الفقه تبلغ تسعاً وتسعين في المائة”.
وينفتح باب الاجتهاد كما يرى على كل وجوهه مثلما تأتي المقولة (فتح الذرائع) كمقابل للمقولة السائدة (سد الذرائع)، وهذا كله ينقلنا إلى سؤال جوهري يطرحه الغذامي ثم يتكرر أثناء قراءة الكتاب كسؤال إشكالي وجدلي وهو: هل الفتوى هي رأي (في) الدين أم رأي الدين؟ وهل الفتوى مشروع قيادي للتغيير أم هي مشروع لتثبيت الحال كما هي عليه بدعوى فساد الزمان وفساد النيات وسد باب الذرائع؟ إنها حالة من التخوف عاشتها الثقافة الدينية الإسلامية خصوصا في التعامل مع الُمثبت وحركته وتغيراته وظروفه الجديدة؛ خصوصا في ظل وجود من يتصدى لأي تغيير أو تجديد بزعم التفسيد أو التخريب للمفاهيم الفقهية أو غيرها مما يكّون أسس الإسلام ومنطلقاته، حيث بات الخوف من كلمة تغيير ومن كلمات أخرى مشابهة له امتداد للتخوف من الوسائل الجديدة والتقنيات الحديثة، لكن الغذامي يجد في بحثه ومن كتب التراث الديني ما يفتح النوافذ على مصراعيها مع ابن القيم والإمام الشاطبي وأبي حنيفة ومرورا بمن هم في العصر الحديث كسلمان العودة ويوسف القرضاوي وغيرهما ممن يقدمون برامج تلفزيونية، وكيف أثرت هذه التجارب الفقهية في مفاهيم الناس واستطاعت أن تساير زمنهم واهتمامهم بوصفها صيغة ثقافية جديدة تطرح الدين من منظور مختلف.
ويستعرض الكتاب كيف أن الفقيه الفضائي صار لزاما عليه أن يدخل المعركة مسلحا بالفكر والثقافة والاحتكاك المباشر بكل مقوماتها، وصولا إلى اجتهاد العامي ووجوبه في رأي الغذامي مستدلا برأي الإمام الشاطبي بوجوب الاجتهاد على العامي مثلما هو واجب على الفقيه العالم، وذلك لأن آراء الفقهاء بالنسبة إلى العوام هي مثل الأدلة بالنسبة إلى الفقيه.

حجب الفتوى
وفي فصل تحت عنوان “حجب الفتوى” وإمعانا في فكرة الاجتهاد وفتح الفتوى على نوافذ متعددة وآراء متسعة يقول:”إن الإشكال في حجب الفتوى أو تقنينها أو حصرها بمرجعية محددة هو أن هذا سيقف نقيضا لكل ما مر في الفصول السابقة..”، ويقصد به فكرة الفقيه الفضائي وتعاطيه مع التفاعلي والاجتهاد وفتح الذرائع ونظرية المقاصد.. ثم إن تقنين الفتوى وحجبها لا يتفق مع فكرة الاجتهاد وانطلاقها بل هو قيد لها. ويضرب لهذا أمثلة كثيرة ثم يتوقف بنا عند فتوى بيع الملابس النسائية الجاهزة وكيف أن امرأة أوروبية وقفت ذات يوم وقالت: إن بلدانكم هي الوحيدة التي يسمح للرجال فيها ببيع ملابس النساء الخاصة. ويقول بعدها: “في كل مرة نفرض فيها رأيا فقهيا فإننا نحجب رأيا فقهيا آخر أو جملة آراء، ثم يضيف: “وإذا قلنا إن عصرنا هذا لا يشبه أي عصر سابق في الماضي فمعنى هذا أننا نحتاج إلى فقه يتعامل مع ظروف وشروط ومتغيرات هذا العصر كما هي قاعدة ابن القيّم الأصولية..”.
ولعل هذه الإشكاليات هي ما دعاه لكتابة فصل تالٍ تحت عنوان “الوسطية” يطرح خلاله أسئلة شائكة حول هذا المفهوم وأحداث مهمة تدل على درجات متباينة في استيعابه وتقبله أو الأخذ به؛ بدءاً بسؤال يطرحه حول أزمة الثقافة الإسلامية في مسائل الغلو والتطرف والوسط، وصولا إلى ما يسميه حتمية التغيير، ثم يقرأ في فصل تحت عنوان الاختلاف السالب (فقه الصورة) أشكالا مختلفة من تغير الخطاب ومفاهيمه وانتقال تصوراته من المباشر والتقريري إلى العصري والديناميكي وعبر مواقف شخصية وتجارب مشاهدة في تجربته مع الآخر الغربي، ومن خلال ذلك يطرح قضية الوسطية والتطرف لدى المستشرق وكيف كان الخطاب الإسلامي مؤثرا بشكل سلبي أو إيجابي من خلال تمظهرات كثيرة ليس بدءا بما يفعله السياح ولا بالتصورات المرسومة لدينا نحن عن ذلك الآخر.
ويكون الغذامي قد أكمل الصورة مع فصل “الاختلاف الساخن وليس الخلاف” تلك الكلمة التي لا تنفك تكرر نفسها بصور شتى يطرحها حكماء الثقافتين السنية والشيعية الذين يحاولون أن يؤسسوا خطا فكريا وسطيا يؤسس لمنهجية وسطية فكرية وسلوكية، وهي فرع عن خطاب الفقيه الفضائي، وتأخذ كما يرى الغذامي صيغا ثلاثاً هي: التقارب والتعايش والمواطنة وكيف لعبت الصورة الفضائية لعبتها في إلهاب الخطاب وتسخينه باستمرار. كل هذا يتصل بالفخ النسقي الذي يقرأه من خلال ما طرحه الشيخ محمد مهدي شمس الدين ونظرية المواطنة.
في الفصل الأخير الذي حمل عنوان “فضاء الحكمة” يعود الغذامي مرة أخرى مع الجدل والطرح المثير من بوابة الفكر هذه المرة وعبر ثيمة الفقيه وعالمه الفضائي الجديد والرحب.

الكتاب: الفقيه الفضائي – تحولات الخطاب الديني من المنبر إلى الشاشة
المؤلف: عبد الله الغذامي
الناشر: المركز الثقافي العربي

اقرأ أيضا