الاتحاد

دنيا

القلعة في عمّان·· التاريخ إذا حكى

القصر الأموي

القصر الأموي

هنا لا يتراخى شيء، ولا يموت شيء، والذين رحلوا أو الذين ينتظروا الرحيل كتبوا ذكرياتهم المسافرة إلى محطات الزمن من دون أن تنقضي تحت وطأة الانتظار·
لم يدّعوا ولم ينطلقوا من فراغ ولم يتفلسفوا عندما قالوا إن الأردن متحف بلا أسوار، بل كانوا واثقين، إذ أينما تصل معاول بعثات التنقيب تكتشف تراثاً وحضارة سابقة تدلّ على أن الحياة كانت هنا منذ ملايين السنين، وربما يكون المدفون تحت التراب والحجارة أعظم وأهم- بالنسبة إلى حقب تاريخية بذاتها- مما تمّ اكتشافه·
فالأردن غنيّ بمخلفات العصر الحجري القديم، تلك الفترة التي انتهت قبل 10 آلاف عام تقريباً بظهور أولى القرى الزراعية، مثل أريحا في فلسطين· ونتيجة لفحص النظائر المشعة في منطقة الأزرق شرق عمان، يُمكن القول إن استيطان الانسان لأجزاء كبيرة مما يُسمّى جغرافياً ببادية الشام كان حقيقة واقعة قبل 250 ألف عام مضت، فالمناخ الذي كان سائداً معظم العصرين الحجري القديم المبكر والمتوسط كان أكثر رطوبة منه الآن، ما ساعد على وجود الكثير من الثدييات الضخمة المنقرضة؛ كالفيلة ووحيد القرن والخيول والمواشي والخنازير التي كان يصطادها الإنسان الأول·
هنا يتحدث التاريخ
إن الذين عاشوا في هذه الأرض؛ تركوا وراءهم بصماتهم وتاريخم وأدواتهم وعبادتهم كما كانوا يرونها·· وهؤلاء لا يستجدون تذكرهم أو ذكراهم، بل يُلحّون علينا بأنهم كانوا هنا حيث صنعوا التاريخ والحضارة بأدواتهم البسيطة وعقولهم التي سيطر عليها الإبداع·
ففي وسط عمان التي كانت تُسمّى لاحقاً ''ربة عمون'' العاصمة القديمة للدولة العامونية؛ وتحديداً في جبل القلعة، يتحدّث التاريخ منذ آلاف السنين لغة من عمّروا هذه الأرض بحجارتهم ونقوشهم وتماثيلهم وطقوسهم وأدوات أكلهم وشربهم وأساليب تخزين مياههم وطرق معمارهم وحتى دفن موتاهم·
وفي الموقع الذي يرتفع 135 متراً عن سطح البحر، تنتشر الآثار التي تُمثل مختلف العصور فوق مساحة من الأرض على شكل زاوية مثلثة تضمّ برجاً وكنيسة بيزنطية وهيكل هرقل الذي يتوسّط الساحة المقدسة ولم يبقَ منه إلا الأساسات وبعض الأعمدة المبتورة وقصر يقوم إلى الشمال من الهيكل وبركة سرّية لتخزين المياه·
حوار الحضارات
يستطيع الزائرون، وهم كثر خاصة من الأجانب، مشاهدة فضاء رحب مفتوح على جميع الاتجاهات؛ وعمان القديمة ''ربة عمون'' ببيوتها وأزقتها وشوارعها، وفي جبل القلعة تتحاور الحضارات بلغاتها وتتجاور برموزها ووشوشاتها، فالمنظر رائع وجميل ولا يحسّ بمعانيه وخلجاته إلا من يمرّ بالتجربة، إذ إن السكون الذي يعمّ المكان يسمح بالاستماع إلى حديثهم·
والزائر يشعر بعظمة أولئك الذين خلفوا وراءهم حضارة لا تموت ولا تندثر على الإطلاق، حيث شعرت بوشوشة من وشوشاتهم وسمعت شيئاً من حكاياتهم تفوح في المكان مفادها أن ''الحياة كانت هنا وستبقى''·
هناك تمجيد لأهرامات مصر، وهي تستحقّ ذلك فعلاً، لكن عظمة جبل القلعة- بحجارته وهيكله وغرفه وآباره وقصره وصالاته وزخرفتها التي تفوق الوصف- تُحاكي الأهرامات؛ ذاك الرمز من الحضارة الفرعونية القديمة، إذ إن السؤال الذي ما زال يبحث عن إجابة هو: كيف استطاع من صنعوا هذه الحضارة في الأردن أن يصعدوا بحجارة لا يقل وزن الواحد منها عن نصف طن إلى قمة الجبل؟!
دار الامارة
وفي جبل القلعة، توجد دار الإمارة التي يُطلق عليها القصر الأموي، والتي شُيّدت في القرن الثامن الميلادي فوق أساسات بيزنطية، وهي تضمّ قاعات متعددة الأغراض للثقافة والمسرح والموسيقى والمعارض تُزيّن جدرانها الزخارف الإسلامية المنحوتة على الصخر الطري، فيما تعلو البناء أنصاف قباب، ولها مدخلان: شمالي وجنوبي·
ويوجد في الأردن، وفق ما تقوله دائرة الآثار العامة، 13 موقعاً أموياً تضم قصراً ومسجداً ومنشآت مائية تميزت بطابعها العسكري أو الدفاعي، ومن أشهرها القصور الصحراوية·
متحف
ونظراً إلى أهمية المكان، أقامت وزارة السياحة الأردنية سنة 1951 متحفاً على جبل القلعة، على شكل الصليب اليوناني، يضمُ 2500 قطعة أثرية تُمثل مختلف العصور- من مليون سنة وحتى العصر الاسلامي- حسبما قالت مديرته عايدة نغوي·
بقي القول إن الوصول إلى جبل القلعة ميسر للغاية، ولا يحتاج إلى أي جهد، فبعض السياح الأجانب يصلونه بالحافلات السياحية، وبعضهم يتّجه إليه سيراً على الأقدام برفقة خرائط تدلّ على المكان أحياناً، في حين يقرأ جميعهم التاريخ برسم دخول لا يُذكر·
وأيّاً كان الزائر، فهناك رسالة واضحة إليه من الذين سبقونا مفادها: ''نحن ملح هذه الأرض وصانعو تاريخها، فهل تُحافظون على ما أورثناكم إياه''؟

اقرأ أيضا