الاتحاد

تقارير

المدرسون اليابانيون... ومعركة ترديد النشيد!

اعتادت "ساوا كاوامورا"، المُدرسة اليابانية بإحدى المدارس الثانوية الذهاب إلى عملها كل صباح وابتسامة عريضة ترتسم على وجهها، ولكن في السنوات الأخيرة باتت هذه المدرسة الهادئة أقل حماسة لممارسة عملها وأكثر توجساً من دخول الفصل والاستمرار في مهنتها، والسبب هو ما تعرضت له في عام 2004 عندما رفضت هذه المدرسة النحيفة ذات الخمسين عاماً الوقوف وترديد كلمات السلام الوطني أثناء عزفه، فما كان من رؤسائها إلا أن وجهوا لها إنذاراً رسميّاً لتحديها للتعليمات، كما وُبخت على عدم امتثالها للأوامر. وتخشى المدرسة من أن يؤثر الإنذار الذي سيُحتفظ به في سجلها على فرص الترقي، أو حتى إعادة التعاقد معها مستقبلاً. وتقول المدرسة موضحة ما جرى: "إن عزف النشيد الوطني في المدارس الثانوية لا يتم إلا مرتين في السنة خلال الحفلات والمناسبات الرسمية، ونحن كمدرسين ملزمون بترديد الكلمات والوقوف".
وترجع التعليمات المشددة بإرغام المدرسين على عزف وترديد السلام الوطني إلى حاكم طوكيو، "شينتارو إيشيهارا"، المعروف بتوجهه القومي القوي إذ أصدر توجيهاته في عام 2003 إلى جميع المدرسين في المدارس الحكومية بالعاصمة وباقي المؤسسات التعليمية بالوقوف احتراماً للسلام الوطني، ومعاقبة كل من يمتنع عن ذلك بتحذيره رسميّاً وتوبيخه على أن يحُتفظ بذلك في سجله الرسمي.
وعقاباً على ما قامت به المدرسة "كاوامورا" واتساقاً، مع تعليمات حاكم طوكيو، تعرضت إلى مجموعة من المضايقات حيث تم الحد من أنشطتها التفاعلية مع الطلبة وتم إبعادها أيضاً عن جميع الاحتفالات المدرسية والمناسبات العامة، بل ولأكثر من عشرين عاماً قضتها في القسم حُرمت بموجب التوجيهات الجديدة من حضور احتفال تخرج طلبتها وعُزلت تماماً عن أية أنشطة أخرى. وقد عبرت عن إحساسها قائلة: "الحقيقة أنني لا أكن أية مشاعر سلبية تجاه السلام الوطني، إن الأمر يتعلق بفرض نمط معين من السلوك لا أتقبله، وهو ما لا يُفترض أن يحدث في نظام ديمقراطي".
ولا يبدو أن المدرسين سيقفون مكتوفي الأيدي إزاء هذا التضييق حيث تجمع العشرات منهم يوم السبت الماضي في وسط العاصمة طوكيو محتجين على الحكومة وعلى المجلس التعليمي الذي يفرض عليهم سلوكيات معينة بغض النظر عن رأيهم فيها. كما أن أكثر من 400 مدرس قرروا رفع دعوى قضائية لدى المحكمة العليا ضد ما يعتبرونه طقوساً وطنية مفروضة عليهم.
وفي هذا الإطار يقول "بونيا كاتو"، المحامي الذي ينوب عن المدرسين المتضررين: "على رغم انتشار عزف السلام الوطني في جميع مدارس البلاد، إلا أنه لا أحد يفرض على المدرسين ترديده إلا في طوكيو حيث يتم إنزال عقوبات قاسية على المخالفين، وهو ما نود تغييره"، وهذه العقوبات تبدأ من توجيه الإنذارات وتتصاعد إلى الخصم من الرواتب والتعليق عن العمل وقد تصل حتى إلى إنهاء الخدمات.
ولكن بالإضافة إلى العاصمة طوكيو سارت أيضاً بعض البلديات الأخرى على نفس المنوال المتشدد مع المدرسين غير المنصاعين للأوامر مثل مدن هيروشيما وأوساكا وكانجاوا، ويشرح "كيجو كومامورا"، أستاذ القانون بجامعة "كيو" هذا التحفظ الذي يبديه المدرسون وامتناعهم عن الانخراط في طقوس وطنية مثل ترديد السلام الوطني على أنه يرجع إلى "ما يرمز إليه علم اليابان والسلام الوطني من ماضٍ وتاريخ عسكريين، كما يحيل بالنسبة للعديد من الناس إلى الولاء الأعمى للإمبراطور"، ولذا يعتقد أستاذ القانون أن إرغام المدرسين على عزف السلام الوطني "ينتهك حرية التفكير".
والحقيقة أن النشيد الوطني في اليابان، الذي يتألف من خمس جمل، هو تمجيد للإمبراطور، بحيث يقول الجزء الأول منه "ليستمر عهدك لألف، بل لثمانية آلاف جيل".
وفي الوقت الحالي تعرض على محاكم اليابان سواء الابتدائية أو المحكمة العليا العشرات من الدعاوى القضائية التي رفعها المدرسون مشككين في دستورية التعليمات التي تفرض عليهم الوقوف وترديد كلمات السلام الوطني، مطالبين في الوقت نفسه بإسقاط جميع العقوبات المفروضة على زملائهم. ولكن إلى حد الآن يبدو أن المحاكم اليابانية منحازة كليّاً إلى صف السلطات الرسمية والمجالس التعليمية، ولا يعتقد خبراء القانون أن المدرسين سيحصلون على حكم لصالحهم، وهو ما تشير إليه المدرسة "كومامورا" قائلة: "تجادل المحكمة بأن عملية الإجبار على الوقوف وترديد النشيد الوطني لا تنكر في حد ذاتها حرية الفرد في تبني ما يريد من أفكار".
ويضيف في هذا السياق "هيروشي نيشيهارا"، أستاذ القانون بجامعة "واسيدا" والمستشار القانوني السابق للمدرسين المتضررين: "في اليابان هناك ثقافة سائدة مؤداها أنه يتعين دائماً إطاعة الأوامر القادمة من أعلى".
ولكن مع ذلك يرى الخبراء بصيصاً من الأمل يفرض على المدرسين الاستمرار في معركتهم، ففي عام 1996 أصدرت المحكمة العليا حكماً لصالح أحد الطلبة من جماعة "شهود يهوه" مانحة إياه حق الحرية الدينية في مدرسته الثانوية، حيث جاء في حيثيات القرار أنه "لا يجوز فرض ممارسة على شخص تتعارض مع معتقداته الدينية"، وهو ما يفتح آفاقاً جديدة للمدرسين في اليابان.


يوريكو ناناجو
طوكيو
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «إم. سي. تي. إنترناشيونال»

اقرأ أيضا