ثقافة

الاتحاد

الإشهار.. أن تتورّط في الرغبات

الغلاف

الغلاف

محمد نجيم (الرباط)

في طبعة جميلة وترجمة دقيقة، صدر مؤخرا عن دار ضفاف ومنشورات الاختلاف ودار الأمان في الرباط، الترجمة العربية لكتاب «الإشهار والصورة» لمؤلفه الباحث والسوسيولوجي الفرنسي دافيد فيكتروف (1914-1979) المعروف باهتمامه الكبير والواسع بالجانب السيكولوجي في التواصل والإشهار.

ويرى مترجم الكتاب الدكتور سعيد بنكراد، أن هذا العمل القيم يبحث في ذاكرتي الإشهار البعيدة والقريبة: أصوله الأولى وتاريخه في الحاضر ورهاناته في السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة، إلا أن اهتمامه سينصب أساساً على الدور الذي تقوم به الصورة ضمن آلياته في الإقناع والحث على الشراء، مُؤكدا أنه لا يمكن للإشْهاريُّ، في تصوره، وفي تصور كل الفاعلين الجدد في هذا الميدان، أن يقول أي شيء من دون الاستعانة بالنافذة البصرية وقدرتها على استثارة الحسي من خلال الحسي ذاته، بعيدا عن عقلانية المفاهيم وسلطتها في التحديد المسبق للأحاسيس، فكل إحساس هو في الأصل نسخة من نفسه قبل أن يستوطن اللفظ الذي يُجْلي مضمونه، «فلا وجود لمعادل لفظي لإحساس ملون»، كما يقول بول فاليري. وهذا ما تؤكده طبيعة الوصلات التي تعج بها الشوارع وتبثها القنوات التليفزيونية وتنشرها المجلات المكتوبة. فلم يعد اللفظ يلعب سوى دور بسيط في عملية إثارة انتباه المستهلك المحتمل إلى منتج موضوع للبيع.

وهو ما يعني أن الإشهاري لا يصب مضامين جاهزة في صورة خرساء، بل يُضمن سيرورة التمثيل البصري واللفظي كتلة هائلة من الانفعالات هي أصل الرغبة وأصل الحاجات وهي السبيل إلى تلبيتها أيضا. وكان بذلك يرد على كل الذين شككوا في قدرة الصورة على قول شيء آخر غير استنساخ موضوعات تعرضها على العين بشكل محايد.
فالإشهار في تصورهم هو لفظ في المقام الأول، إنه يمدح ويعدد مزايا المنتج وفضائله على الذات الفردية والجماعية استنادا إلى تعليقات «تشرح» سياق الشراء ودواعي الاستهلاك، وتلك وسيلتها في الإقناع والاقتناء.
بعبارة أخرى، إن الصورة للإيضاح فقط، أما المضمون الحقيقي للوصلة فمودع في الإرسالية اللسانية، إذ من خلالها وحدها يستطيع المتلقي معرفة ما تود الوصلة قوله. وهو الموقف التي عُرفت به مجموعة من الكتابات التواصلية الكلاسيكية في الإشهار ومنها كتابات لاسويل وداغمار، وذاك أيضا كان موقف بعض دعاة الإشهار المرجعي في الثمانينيات من القرن الماضي.
وفي صيغة أخرى، إن الصورة «ظاهرة سلبية لارتباطها بالحواس»، إنها تحتل مرتبة ثانية في علاقتها باللفظ. واللغة وحدها تمتلك القدرة على التجريد وتسمية مناطق النفس والوجود والفصل بينها.
فنحن، حسب هذا التصور، لا ندرك مضمون الصورة إلا إذا قمنا بتحويله إلى وجه مفهومي مجرد، هو ما تحتفظ به الذاكرة والقابل وحده للتداول. والحاصل أن المستهلك لا يتوقف عند الصورة إلا من أجل «قراءة» ما يقوله النص اللفظي في الوصلة بشكل صريح.
إننا في جميع الحالات، في الإشهار وخارجه، يضيف الدكتور بنكراد، نستهلك قيما ومواقف ولحظات وجودية. فلأننا لا نكتفي باستهلاك مواد تلبي حاجة مباشرة، فإن «الإشهار يدلنا على ما يجب أن نستهلكه من خلال هذه المواد». هناك فيما هو أبعد من السلوك النفعي رغبات أخرى لا يمكن أن تشبعها سوى صور مفتوحة على الحلم والشعر والاستيهامات.
لقد قدم لنا هذا الكتاب معرفة هامة لا تخص صناعة الوصلة، ولا تتعلق بكيفية إنتاج صور «جيدة»، ولكنها تعلمنا كيف نقرأ الصور التي يمطرنا بها الإشهار يوميا. لقد فعل ذلك من خلال بحثه في طرق الإقناع وكل الوسائل التي يستعملها من أجل «توريطنا» في شراء لا نستطيع رده.
وفعل ذلك من خلال التفصيل في ما يمكن أن تقدمه البلاغة لدراسة الصورة الإشهارية محيلا على مقترحات جاك دوران في هذا المجال، وفعل ذلك أيضا وهو يتحدث عن مجهودات السيميائيين ومقترحاتهم في دراسة الصورة عامة، والصورة الإشهارية خاصة.
وقدم في هذا الشأن عرضا مفصلًا عن أعمال جورج بينينو، أحد الرواد الأوائل للتحليل السميولوجي، خاصة كتابه «ذكاء الإشهار»، من دون أن يغفل الحديث عن رولان بارث، وهو أحد مؤسسي الخطاب السميولوجي حول الإشهار.
وعن قضية الوظائف التي يقوم بها الإشهار في المجتمع وهي قضية مركزية في نظر السوسيولوجي، يرى الدكتور بنكراد أن الإشهار يقوم، بالإضافة إلى وظيفته الظاهرة، وهي من طبيعة اقتصادية ومحدودة، عكس ما يود الإشهاريون إقناعنا به، بوظائف أخرى خفية، ولكن لا حدود لتبعاتها على مستوى الذهنية الجماعية.
فقد يمكننا العمل الذي بين يدي القارئ، وهو ينصب على الصورة - وهي نمط تعبيري مفضل عند الإشهار المعاصر- من تأكيد هذه الفرضية وضبطها في الوقت ذاته. فإذا كان من الممكن استنباط فكرة عامة من هذه الدراسة، فإنها ستكون هي الوعي بالطبيعة المعقدة للصورة، كما تُستعمل في الإشهار. إن الصورة ليست مجرد أداة للتسويق، إنها شيء آخر أيضا. إنها لعب وحلم وشعر أحياناً. وهكذا، فإن الإشهار على الرغم من أنه ظاهرة غامضة ومعقدة، ويُنظر إليه غالبا باعتباره غازيا و«ملوثا»، فإنه يشكل مع ذلك نمطا من أنماط التسلية، وهو نمط تافه بكل تأكيد، ولكنه ليس بلا قيمة كما يعتقد البعض.

اقرأ أيضا

«نيويورك أبوظبي» يقدم «لنعيد تواصلنا»