الاتحاد

دنيا

أمّا بعد

عرف عن العرب فصاحتهم وبلاغتهم، في نثرهم وشعرهم، ولأنهم أهل فصاحة، عَرَفوا بسليقتهم أن القرآن الكريم ليس من قول البشر، فقدّروا وذابوا وتذوّبوا وتذوّقوا الكلام المعجز لخالقهم، فكانت معجزة القرآن الكريم في البلاغة التي برعوا فيها.
ولا تذكر البلاغة دون ذكر قس بن ساعدة الذي يضرب فيه المثل بها فيقال «أَبْلَغُ مِنْ قُسٍّ»
قُسُّ بن ساعدة بن حُذَافة بن زُهَير بن إياد بن نِزَار، الإيادي، وكان من حكماء العرب، وأعقل من سُمِع به منهم.
وهو أول من كَتَب «من فلان إلى فلان» وأوَل من أقرَّ بالبعث من غير علم، وأول من قال «أما بعد» وأوَل من قال «البيِّنة على مَنْ ادَّعَى واليمينُ عَلَى من أنكر». وقد عُمِّر مائةً وثمانين سنة، قال الأعشى:
وأبْلَغُ من قُسِّ وأجْرَى مِــنَ الــذي بِذِي الغيـل مِنْ خفَّانَ أَصْبَحَ خَادِرَا
وأخبر عامر بن شراحيل الشعبي عن عبد الله بن عباس أن وَفْدَ بكر بن وائل قَدِمُوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما فَرَغ من حوائجهم قال: هل فيكم أحد يعرف قُسَّ بن ساعدة الإيادي ؟ قالوا: كلنا نعرفه، قال: فما فَعَلَ ؟ قالوا: هلَكَ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كأني به على جَمَل أحمر بعُكَاظ قائماً يقول:
أيها الناس: اجْتَمِعُوا واسْتَمِعُوا وَعُوا، كل مَنْ عاش مات، وكل مَنْ مات فَاتَ، وكل ما هو آتٍ آت. إن في السماء لَخَبراً، وإن في الأرض لَعِبَراً، مِهَاد مَوْضُوع، وَسَقْف مَرْفوع.
ليلٌ داجٍ، وسماء ذاتُ أبراج، وأرضٌ ذات فجاج. أقسَمَ قُسٌّ حقاً لئن كان في الأرض رِضاً ليكونَنَّ بعده سخط، وإن للّه عَزَّتْ قُدْرته ديناً هو أَحبُّ إليه من دينكم الذي أنتم عليه.
ما لي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون؟ أَرضُوا فأقاموا، أو تُرِكُوا فناموا؟ ثم أنشد أبو بكر شعراً حَفِظه له، وهو قوله:
فـــي الذَّاهِبيـــــــنَ الأوَلِيــــــــنَ مِـــنَ الْقُــــرُونِ لَنَــــــا بَصَائِــــرْ
لَمَّـــا رَأَيْــــتُ مَــــوَارِدا لِلْمــــَوْتِ لَيْـــــــسَ لَـهَـــــــا مَصَـــــــــادِرْ
وَرَأَيْــــتُ قَوْمــــــــــي نَحْوَهَــــــا سَـــــعى الأصَاغِـــــــرُ وَالأَكَابِــــرْ
لا يِرْجِــــــع الْماضــــــــــيَ إِلَـــيَّ وَلا مِـــنَ الْبَاقِــــــــــينَ غَابــــــِرْ
أَيْقَنْــــــــتُ أَنـــــي لا مَحَالَــــــة حَيْثــــُ صَـــــارَ الْقَـــــوْمُ صَائِــــرْ
البَلاغةُ لغة الفَصاحةُ، والبَلْغُ والبِلْغُ: البَلِيغُ من الرجال.
ورجل بَلِيغٌ وبِلْغٌ: حسَنُ الكلام فَصِيحُه يبلغ بعبارة لسانه كُنْهَ ما في قلبه، والجمعُ بُلَغاءُ، وقد بَلُغَ، بالضم، بَلاغةً أي صار بَلِيغاً، وقولٌ بَلِيغٌ: بالِغٌ وقد بَلُغَ.
«بلغ» الباء واللام والغين أصل واحد وهو الوصول إلى الشيء. تقول بَلَغْتُ المكانَ، إذا وَصَلْتَ إليه.
وقد تُسَمّى المُشارَفَةُ بُلوغاً بحقّ المقاربة. قال الله تعالى:#»فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ» الطلاق 2.
ومن هذا الباب قولهم هو أحْمَقُ بِلْغٌ وبَلْغٌ، أي أنّه مع حماقته يبلغ ما يريده.
والبُلْغَة ما يُتَبَلَّغُ به من عَيْش، كأنّه يُرادُ أنّه يبلُغُ رُتْبَةَ المُكْثِرِ إذا رَضِيَ وقَنَع، وكذلك البَلاغَة التي يُمْدَحُ بها الفَصِيحُ اللّسان، لأنّه يبلُغُ بها ما يريده، ولي في هذا بلاغٌ أي كِفاية.
ابن زيدون:
ســَقْياً لعَهْــدِكَ، وَالأيَّامُ تُقْبِلُنــي وَجــــهَ السّرُورِ بهِ، جَذلانَ، مُقتَبِلا
إذِ الزّمـــانُ بليــغٌ في مســـاعدتي، يُهْدِي إليّ، تَفَارِيـقَ المُنَى، جُمَـــلا
إنْ كانَ لي أمــلٌ، إلاّ رضــاكَ، فـلا بلّغْتُ، يا أملـي، من دَهـرِيَ الأمَلا

إسماعيل ديب

اقرأ أيضا