الاتحاد

تقارير

العراق: تحديات ما بعد الانتخابات

فيما كان المسؤولون في الإدارة الأميركية يحاولون على مدى الأسابيع الأخيرة التكهن بالصعوبات التي قد تعترض الانتخابات العراقية التي جرت يوم أمس الأول الأحد أدرك كثيرون منهم، بنوع من الارتياح، أنه لا نفوذ لهم للتحكم في الأحداث والسيطرة على مجرياتها، فمن خلال الاجتماعات اليومية التي كان يعقدها المسؤولون الأميركيون بوتيرة لقاءين في اليوم لتدارس الوضع العراقي قبيل الانتخابات سعى هؤلاء المسؤولون في واشنطن إلى معرفة السيناريوهات المحتملة في بلاد الرافدين وذلك بطلب المشورة من السفير الأميركي في بغداد والقائد العسكري سواء تعلق الأمر باحتمال اندلاع أعمال عنف، أو بتزوير الانتخابات، أو حتى بضعف المشاركة ما قد ينال من مصداقية العملية الانتخابية برمتها. ويمتد التخوف أيضاً إلى مرحلة ما بعد الانتخابات مع احتمال تسبب الصراع السياسي بين الفاعلين العراقيين في تأخر تشكيل الحكومة الجديدة وخلق فراغ سياسي قد تستغله بعض الدول الإقليمية لإثارة المزيد من المشاكل.
لكن فيما وراء هذا التحرك النشط في واشنطن يعرف المسؤولون أن عملية التنافس الانتخابي وتداعياتها اللاحقة تبقى في النهاية في أيدي العراقيين وحدهم. ويبدو أن الأميركيين أنفسهم وبعد سبع سنوات تقريباً على تولي الجيش الأميركي المهام الأمنية في العراق يبدون راضين عن دورهم الجديد وتراجع مستوى تدخلهم في شؤون العراق الداخلية استعداداً للانسحاب الكامل وترك البلد لأهله.
وبتعهده بخفض عدد الجنود الأميركيين في العراق الذين يبلغ عديدهم حالياً مئة ألف عسكري إلى النصف مع نهاية الصيف القادم يكون الرئيس أوباما قد قطع الطريق أمام أي استمرار للانخراط الأميركي في العراق، أو حتى تبرير ذلك التدخل بالتهديدات المحيطة بمستقبله، وفي هذا السياق كان مستشارو البيت الأبيض أكثر وضوحاً خلال استشارتهم من قبل معاوني الرئيس بتأكيدهم جميعاً على رسالتين أساسيتين، الأولى مؤداها: "لا نستطيع ولن نتدخل في أمورهم الداخلية، لأن الأمر يتعلق بهم"، والرسالة الثانية: "لا نرى ما سيدفعنا إلى تغيير خططنا السابقة القائمة على الانسحاب وإنهاء مهماتنا القتالية بحلول شهر أغسطس المقبل" حتى لو اندلع العنف الطائفي. وبالرجوع إلى الانتخابات السابقة التي شهدها العراق في عام 2005 نجد أنها جرت تحت الاحتلال الأميركي وأحاط بها العديد من الظروف غير الملائمة مثل نشوب الخلافات السياسية بين الفاعلين العراقيين والتأخير الذي استغرق خمسة أشهر قبل تشكيل الحكومة ما قاد إلى تفجر الوضع الأمني واندلاع صراع طائفي أزهقت فيه العديد من الأرواح، وهو ما دفع في النهاية إدارة بوش إلى اعتماد خطة الزيادة في عدد القوات لإيقاف التدهور الخطير في الوضع الأمني، ولإنقاذ سمعة أميركا في العراق، وهي الخطة التي كان أوباما قد عارضها بشدة وكذلك نائبه "جو بايدن"، ولكن بعد سنتين على تطبيق الخطة دخلت إدارة بوش في مفاوضات مع حكومة المالكي لسحب القوات الأميركية وإطلاق علاقة استراتيجية طويلة المدى.
وقد تم التوقيع على اتفاقية الانسحاب التي تُحدد موعد 2010 كحد أقصى لتسليم أمن المدن إلى الجيش العراقي ومغادرة كافة الجنود بحلول شهر ديسمبر 2011. وقد زاد أوباما بعد توليه الرئاسة موعداً آخر يقضي بسحب جميع القوات المقاتلة، في شهر أغسطس من السنة الجارية، ويصر "الديمقراطيون" كما "الجمهوريون" على نسبة نجاح العملية الديمقراطية في العراق إلى أنفسهم، وهو ما كان نائب الرئيس "بايدن" قد عبر عنه قائلا: "قد تكون هذه الانتخابات أحد أهم إنجازات هذه الإدارة، فنحن بصدد رؤية حكومة مستقرة في العراق تتحول إلى حكومة ذات تمثيل واسع"، ولكن نائب الرئيس السابق "تشيني"، لم يترك هذا التصريح يمر دون تعليق حيث رد قائلا: "إنه لأمر غريب، فقد كان يفترض أن تقدم الإدارة الحالية شكرها لبوش"، في إحالة إلى مسؤوليته عن خطة الزيادة التي كانت وراء استقرار الوضع الأمني في العراق، غير أن "بايدن" أشار إلى الفوضى التي أورثتها إدارة بوش لأوباما والصعوبات التي واجهتها الإدارة الحالية، فخلال الزيارات الأربع التي أداها "بايدن" إلى العراق قال نائب الرئيس: "لقد التقيت مع كل فاعل في العراق سواء من السُّنة، أو الشيعة، أو الأكراد، أو المسيحيين، وقد استطعنا تحفيزهم للانتقال من ساحة المعركة إلى الساحة السياسية"، وعلى رغم القلق الذي أبداه قائد القوات الأميركية، راي أوديرنو، من التدخل الإيراني في العراق ومن العنف الذي تحركه الدوافع السياسية، إلا أن الموقف الرئيسي للمسؤولين في البيت الأبيض يعتبر الأمر عادياً في العراق، وهو الموقف نفسه الذي أكده القائد السابق للقوات الأميركية الجنرال، ديفيد بيترايوس في لقاء تلفزيوني: "لاشك أن هناك العديد من النزاعات السياسية في العراق التي توتر الوضع وقد تؤجج العنف، لكن في النهاية هذا الوضع معتاد ولن تخرج الأمور عن السيطرة".
وحتى لو مرت استحقاقات العملية الانتخابية بسلاسة ولم تسجل حوادث كبرى سيبقى التساؤل قائماً حول ما بعد النتائج وما ينتظر العراق من تحديات تشكيل الحكومة مع عدم توقع المراقبين فوز إحدى الكتل السياسية بالأغلبية المريحة، وفي ظل الطعون التي يسمح الدستور بتقديمها قبل انعقاد جلسة البرلمان واختيار رئيس له، وحتى بعد ذلك قد يستغرق الأمر وقتاً أطول على نحو يؤخر الائتلاف الفائز في جمع ما يكفي من المقاعد البرلمانية لتشكيل الحكومة.


كارين ديونج
كاتبة أميركية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست»

اقرأ أيضا