الاتحاد

الملحق الثقافي

الشرق مهد المسرح

يحدد هيغل الجمال صفة للروح والوعي بسبب الطابع التأملي الذاتي وتماثل تمام الأجزاء والكل كنتيجة منطقية لوجهة النظر المثالية. ويؤكد أن علم الجمال يتجسد بشكل حسي موضوعي في إطلاق حرية الإبداع والمعرفة في مكونات الحياة الإنسانية، الاجتماعية والسياسية والروحية. كما يذهب هيغل إلى أن الجمال الفني من حيث انه فكرة يغدو سهل التعريف، ويضيف تبعاً لذلك “أن الجمال لا يمكن ان يقتصر على مفهومه العام وحده، بل يستلزم أيضاً، توضيحات وتخصيصات، ولا مناص له بالتالي من الخروج من دائرته الذاتية ليدخل في التعيين الواقعي”. (هيغل - فكرة الجمال- ترجمة جورج طرابيشي- دار الطليعة بيروت).
بينما يتم توسيع النظر لجوانب الجمال بالنسبة لوجهة النظر المادية بإعطائها طابعاً تاريخياً وإكسابها مضموناً اجتماعياً، حيث “الجميل إنتاج للممارسة الاجتماعية التاريخية” أي تحويل الجانب الحسي إلى ممارسة “السيادة” على الأشياء وذلك بمنح اللذة الروحية والمتعة الجمالية دوراً معرفيا، وفق ما جاء في الموسوعة الفلسفية السوفيتية، ترجمة سمير كرم.
يعترف الدكتور كمال عيد في كتابه “علم الجمال المسرحي” بصعوبة معرفة البدايات التاريخية لعلم الجمال على المستوى النظري، متجاوزاً ذلك إلى البحث في تحديد ماهية التفكير الجمالي، لكون تلك المبادئ تُعتبر المصدر الأساس للكثير من المبادئ والقيم الإنسانية الأخرى، ولكون علم الجمال معني بالوصف والتغير بالنسبة للظواهر الفنية تم “قياس” التجربة الجمالية بالاستعانة بعلم النفس وعلم التاريخ وعلم الاجتماع وعلوم أخرى متشابكة في مناهجها ومدلولاتها مع الجمال.
إن أصل كلمة “الجمالية” في اليونانية القديمة يعني “وعي الذات الاستبطاني” أو “الإدراك بالترابط” ومصطلح الجمالية (AESTHETICISM) يصبح أكثر تعقيدا و صعوبة في البحث عن دلالته ففي حوالي (388-310ق. م) وفي اليونان القديمة افتتحت مدرسة لـ “تقليد” الجماليات، ليصمت بعد ذلك علم الجمال، حتى منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، حيث يبرز الألماني بومجارتن وكتابه “تأملات” والذي هو مجموعة محاضرات ألقاها على طلبة جامعة فرانكفورت في ألمانيا, محدداً فيها ولأول مرة اصطلاح (AESTHETIC) كدلالة على فلسفة الجمال مستفيداً من نظام التطبيق الحسابي في الموسيقى, ومحاولاً الارتفاع بالقيمة الفلسفية في علم الجمال، أسوة بما كان مُتبعاً في علمي المنطق والأخلاق. وقد قاده ذلك إلى البحث في متطلبات الفن حيث يتساوى “الشعر والتمثيل” بالظهور عن طريق “القول” والموسيقى والأوبرا “عن طريق الاستماع” والمشاهد البصرية في “الفنون التشكيلية” ولغرض اعتماد قبول العمل الفني إيجابياً، يقتضي وجود حلقة اتصال حسية بين “المرسل والمستقبل”. ثم تضيء الأنثروبولوجيا الوصفية وعلم الآثار الدلالات الجمالية، حيث بدايات المحاكاة والتقليد خلال العصر الحجري في المغارات والكهوف، وتقود الشواهد العينية إلى الاهتمام بنشاط العمل الواقعي في الفعل بشكل تصويري عندما يتم تقليد الأحداث الواقعية ذاتها. وبهذا فإن الأدب الدرامي بدا حدثاً وأن فن التمثيل بدأ صامتاً، بلا حوار ومعتمداً على حركات اليدين والقدمين والحواس الأخرى، وعبر هذا وذاك، تكونت الظاهرة الاجتماعية الأولى في فن التمثيل، والتي تسمى “مسرحية الحياة” بعناصرها الثلاثة، “قبل وأثناء وبعد” العمل.
إن المسرح الحديث يعود إلى “المفهوم القديم” من حيث اعتبار النص والممثل والجمهور في الدرجة المثالية، وهو المعادل الموضوعي لما عرف في المسرح القديم “الدور، الحدث، الجمهور”، استناداً إلى ذلك يقدم د. كمال عيد وجهة نظره في تاريخ المسرح حيث يعارض البحوث العالمية والمحلية الكثيرة والتي تقرر: أن الأصل في المسرح والمسرحية أنهما قد خرجا من المسرح اليوناني القديم ومن عبادة وطقوس آلهة اليونان القدامى. ويرى، مع قلة من الباحثين في تاريخ المسرح من الأجانب والعرب، أن التجربة المسرحية الأولى هي تجربة وادي النيل، بعد أن تم فك رموز الكتابة الهيروغليفية، وقد أطلق على بعض رموزها لفظة (حوارات درامية) حيث “يمكننا أن نقول بوجود ما يسمى بالفرقة المسرحية المتجولة الفنية”، ويتأكد هذا الاستنتاج بوجود شخصيات مسرحية مثل ايزيس، اوزيوس، موراس، ضمن الأسطورة الفرعونية المعروفة “أسطورة ايزيس”.
أما التجربة المسرحية الثانية فقد انبثقت في بلاد ما بين النهرين (MEZOPOTAMIA) وفي مدينة آشور تحديداً، وعبر الدراسات الآركيولوجية الحديثة تم العثور على ألواح وأرقام طينية تحتوي على نصوص تتضمن حوارات (درامية)، ومنها المسرحية المعروفة باسم (الموت والبعث) وغيرها من علامات توضح توفر الشكل الطقوسي المسرحي في بلاد ما بين النهرين خلال القرنين السابع والثالث قبل الميلاد. وثمة لوح عثر عليه خلال التنقيب الآثاري، في بلاد ما بين النهرين، ويعرف باسم (طريق وزيارة الإلهة عشتار إلى الجحيم) وكذلك العمل المسرحي الدرامي المسمى “شعائر ميثراس” وكانت حينها تقدم بالأقنعة التي يرتديها الممثلون، كجزء لازم، من متطلبات العمل المسرحي. ويضاف إلى ذلك النص البابلي المعروف بـ “التشاؤم” والذي عده الباحث والمؤرخ الألماني ا .هوفر- هلزيرج كأول تمثيلية (مرحة) في تاريخ المسرح العالمي، أي ما يعادل الآن المسرحية الكوميدية. وهذا النص الدرامي البابلي الغريب المعروف باسم “حوار التشاؤم” تسري فيه روح المرح والعبث والسخرية وهو حوار بين السيد والعبد ويعد من أقدم النصوص الدرامية في تأريـخ الأدب المسرحي العالمي” حسب ما جاء في كتاب الدكتور عبد الغفار مكاوي “جذور الاستبداد: قراءة في أدب قديم”. إضافة إلى علامات أخرى تصل إلينا من عهد الإسكندر الأكبر(323-356 ق.م) زمن احتلاله لآسيا الصغرى ووجود شواهد مسرحية في أماكن أخرى, في العالم متفرقة هنا وهناك. كان يجري فيها التمثيل المسرحي وقتذاك، وقبل ما هو مدون من تاريخ مختص بالمسرح اليوناني القديم.
أما عن جماليات الفن العربي فإنه يؤكد أن المسرح العربي “حديث التاريخ ولا تظهر كثيراً في محاولاته القديمة أو الجديدة علامات وإشارات جمالية حقيقية”. ومن تنقيبه في تاريخ المسرح العربي يلاحظ ثمة علامات وإشارات جمالية تتحدد في مقامات بديع الزمان الهمذاني وبخلاء الجاحظ وكتاب النمر والثعلب لسهيل بن هارون، وحلقات الذكر ومجالس السماع الصوفية، والاحتفالات الجماهيرية الشعبية مثل احتفالات المولد النبوي الشريف وحادثة عاشوراء أو ما يسمى بـ”واقعة الطف”والحكايات والسير الشعبية وغير ذلك.
عند الحديث عن علم الجمال التمثيلي ينطلق د. عيد من (الموديل) النموذج، إلى الاستمرارية الإبداعية، مؤشراً على ذلك بترسيمة للمثال الفني. والآن وبعد مرور فترة من الزمن على صدور كتاب الدكتور “كمال عيد” أحيطت (أطروحاته في كتابة تاريخ جديد للمسرح في العالم) بالصمت التام، وتم تجاهلها وحتى دون مناقشتها، دحضاً أو تعميقاً، تأييداً أو رفضاً، من قبل المعنيين، والمتخصصين، في أمر المسرح وتاريخه. واعتقد أن ذلك يعود إلى عوامل ومسببات كثيرة، أهمها هو أن القناعة بها أو وترسيخها والعمل على وفقها بعد تأصيلها علمياً، سيقود إلى إهمال أو تصحيح آلاف الصفحات والمشاريع والمفاهيم والنتائج والأعمال المسرحية والتي وثّقت أسبقية اليونان تاريخياً في العمل المسرحي، وبالتالي فإن الكثير من الأعمال والألقاب ستصبح عديمة الجدوى، ما لم تعدل على وفق ذلك. ويشترك كذلك في هذا، النظرة الدونية الاستشراقية والتي ترى أن المركزية الغربية وأطروحتها تملك حق الثبات واحتكار الحقيقة، وكل استنتاجها بمثابة المسلمات، التي لا يرقى لها الشك ولا يمكن تجاوزها أو الإضافة لها. وكذلك ضعف، لا بل ندرة العمل الآركيولوجي، والبحث الآثاري المعتمد على الكشوفات العلمية الحديثة، وذلك يعود إلى غياب الاستقرار الاجتماعي - السياسي في منطقة الشرق عموماً والمنطقة العربية خصوصاً. ومع ذلك تبقى أفكار وأطروحات واجتهادات د.كمال عيد، في تصحيح تاريخ المسرح العالمي، بحاجة إلى المزيد من الشواهد المتنوعة، والبحوث الدقيقة المتخصصة في حقول التنقيبات والمكتشفات الآثارية، ودراساتها العلمية المتعلقة بهذا الشأن، بعيداً عن الرغبات الشخصية، والتوجهات الفكرية المنحازة.

اقرأ أيضا