الاتحاد

دنيا

«صلاح الدين» ملحمة تاريخية تستعيد أمجاد العرب

أدهش العرض الفني التاريخي «صلاح الدين» قبل عدة أيام الجمهور العريض على مسرح مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، باعثاً فيهم روح التفاؤل باستعادة القدس عاصمة فلسطين العربية من الاحتلال الإسرائيلي الغاشم، نظراً لما حمله العرض من مضمون إنساني مقاوم للظلم، فضلاً عن البراعة في الشكل الفني المتقن.
ويستلهم عرض «صلاح الدين» فكرته من عصر الناصر صلاح الدين الأيوبي الذي حرر القدس من الغزاة الإفرنجة قبل نحو ثمانية قرون، عندما تولى مقاليد السلطة في دمشق ومصر..
وبعد عدة أعوام من ولايته، فتحت الجيوش العربية بيت المقدس تحت قيادته، حيث يتيح العرض فسحة المقارنة بين أحوال العرب وأحوال الفرنجة في تلك الفترة، لتظهر من خلال الأحداث شخصية صلاح الدين، السلطان والإنسان والقائد والمحارب وصاحب الدولة، ويرصد ملامح من فعل الطرفين في أوقات السلم والحرب لإظهار الفرق بين صاحب الحق والمعتدى عليه، بين المتمسك بمثل الفكر والأخلاق ومن استغنى عنهما للمصلحة، بين الهمجي والإنسان.
نجوم قطر وسورية
يأتي العرض ضمن احتفالية الدوحة عاصمة للثقافة العربية 2010، وشارك فيه ممثلون نجوم من قطر وسوريا، بالإضافة إلى فرقة إنانا السورية للمسرح الراقص، وكان العرض قد قدم لأول مرة احتفاء بالقدس عاصمة الثقافة العربية 2009 بالتعاون بين وزارة الثقافة والفنون والتراث ووزارة الثقافة السورية، وساهم فيه كل من ياسر أيوبي «سيناريو» ومحمد هباش «ألحان وتوزيع» وعلي الرواحي «أشعار» وألبينا بيلوفا «تصميم الرقصات» وفيكتوريا الطنجي «أزياء» ومعد الراهب «ديكور وإكسسوار» ومحمد قجة «مراجعة تاريخية» وسهيل جبري «إضاءة». فيما شارك فيه من الممثلين: عبد الحكيم قطيفان «صلاح الدين»، وعلي ميرزه محمود «القاضي الفاضل»، ونوار بلبل «الأمير رينو»، وحسام الشاه «الملك غابي»، وعادل علي «البطريرك هرقل»، وغسان عزب «الأمير ريموند»، ورامز الأسود «الامير باليان»، وعبير شمس الدين «عصمة الدين خاتون»، علماً بأن الفيلم السينمائي في العمل من إخراج نبيل المالح والعرض المسرحي الراقص من إخراج جهاد مفلح.
ملحمة تاريخية وفنية
يقوم عرض «صلاح الدين» على مجموعة من اللوحات المسرحية الراقصة والتي تضافرت مع المشاهد السينمائية والغناء والموسيقى التعبيرية، لتفضي بمجموعها إلى بناء عمل ملحمي تاريخي فني متكامل يقول كلمته الهادفة. ففي المشهد الختامي للعمل وبعد استعادة القدس من أيدي الصليبيين.
حاول المخرج المزج بين الحدث في حدّ ذاته وواقع العرب الحديث، كما مزج المشاهد التاريخية بحدث الانتصار بالدبكة الفلسطينية فرحاً وبهجة بما تحقق من الفارس صلاح الدين بتحريره بيت المقدس، وكانت اللوحات والأغاني والموسيقى فسيفساء من العمل الإبداعي المتكامل الذي ينتفض له الجسد، متفاعلاً متماهياً مع تلك اللحظات التاريخية التي لم يذق العرب من حينها طعماً مماثلاً من الانتصار والعزة والكرامة.
وتبدو هنا قوة العمل كملحمة تاريخية وفنية، تشدّ المشاهد وتدغدغ لديه روح الانتماء والعزة، كما تذكر بمناقب الرجل الذي كان له الفضل في ذلك الحدث العظيم ألا وهو تحرير القدس، مذكرة بأخلاقه وقيمه التي استمدها من الإسلام ومن القرآن الكريم وسيرة النبي المصطفى. وقد كان مشهد العفو عن الفرنجة، والسماح بخروجهم من المدينة دون إكراههم بشروط مذلة، مشهداً إنسانياً عظيماً ربما لم يتكرر في التاريخ، كما يظهر العمل تأثر بعض أولئك الفرنجة بأخلاق الرجل الذي بقدر ما كان صلباً وشديداً في الحق كان مسارعاً للعفو والمغفرة، وهكذا تكلم أحدهم بأنه سيخبر ملوك أوروبا الذين يعدون لحملة كبيرة على القدس بأنهم سيواجهون رجلاً شديداً مهيباً قوياً ماكراً، ولكنه أيضاً رحيم وصاحب أخلاق عالية ومبادئ قل أن تجد مثلها.
كما اتجه المخرج في آخر مشاهد العمل نحو فتح آفاق على الحاضر، بتذكير المشاهد باحتلال فلسطين والقدس من قبل الصهاينة منذ 1984، وكان مشهد اللاجئين العرب المطرودين من أرضهم، كافياً لنتذكر صلاح الدين الأيوبي، الذي يحتاجه عصرنا وعرب اليوم ربما أكثر من ذي قبل، كما كانت صيحة أولئك اللاجئين، التي جاءت في شكل أغنية حزينة، تتحسر على زمن بدون صلاح الدين، تحلم بعودته، بزمنه، بذلك اليوم الذي تتحرر فيه القدس مرة ثانية.
قلوب الناس
ورغم عدم التجاء المخرج إلى الاعتماد كثيراً على النص، وهو اختيار صائب، فقد حقق العمل الملحمي غرضه، ووصل إلى قلوب الناس كما وصلت الرسالة، اعتماداً على لوحات جميلة أدتها فرقة إنانة السورية بكل إبداع، وعلى مشاهد سينمائية أحسن استغلالها، وأداء مميز للممثلين، ومؤثرات موسيقية قوية، وأغان عربية تناسب الملحمة وما تحمله من رسائل وقيم.

اقرأ أيضا