الاتحاد

الملحق الثقافي

محمود عبد الوهاب.. العابر الاستثنائي

كاتب قصة.. سارد حكايات.. باحث عن السيرة
في القصة يفترض كافة الاشتراطات، وفي السرد يتجنب الحكاية التقليدية، وفي السيرة لابد من ضرورة تاريخية لتقليب الزمن الماضي.
مبصر إلى حد الدخول في التفاصيل، أو ما وراء الخطوط الوهمية في الحكاية، لا ينتمي إلى عالم المشاكسات، بالرغم من أنه شاكس الحياة كلها، لم يضع طرفة في كتاباته، في الوقت الذي كانت مهارته في التهكم لا تُجارى. عاش برد المدن والحياة وحتى أخيراً الموت..

محمود عبدالوهاب “1929-2011” أحد جيل القصة الخمسينية العراقية، جايل فؤاد التكرلي وعبدالملك نوري وغائب طعمة فرمان ومهدي عيسى الصقر، هو أحد الخمسة الذين شكلوا جدران فن القص العراقي.
محمود عبدالوهاب، كان الأكثر اختلافاً فيما بينهم، والأقرب تصاقباً فيما بينهم لهم، يقترب من فؤاد التكرلي لعوالمهما المغربة، بعكس ما يقول محمد خضير بـ “أن شخصيات محمود عبدالوهاب تعيش حالة من الوحدة بينما شخصيات فؤاد التكرلي تعيش حالة اغتراب”.
وكي نشتغل على هذه الموضوعة لابد لنا من قراءة التقابل بين شخصية بطل محمود عبدالوهاب في “القطار الصاعد إلى بغداد” وشخصية سليمة في “العيون الخضر لفؤاد التكرلي” واغترابهما في عوالمهما المستوحدة بالرغم من أنهما يعيشان أجواء مكانية واحدة.
سألت محمود عبدالوهاب عن القصص الخمسينية التي تناولت الموضوعة ذاتها وهي “القطار” ومنها “ريح الجنوب لعبد الملك نوري” و”القطار الصاعد إلى بغداد لمحمود عبدالوهاب” و”العيون الخضر لفؤاد التكرلي” وأجابني يومها، ووثقت ذلك كتابة حين قال: “إن هذه الآلة الجديدة التي غزت عالمنا والتي أطلق عليها القطار كانت مثار دهشة، ولأننا كنا أقرب إلى المدرسة الواقعية في الكتابة وجدنا أن هذا القطار قد خلق بمساحته الضيقة عالماً متناقضاً ضم أفراداً من طبقات مختلفة تلتقي لتصارع نصنا القصصي، أي أن القصة استغلت المكان لتقتنص شخوصها في عوالمهم المتقاطعة ضمن مساحة مكانية ضيقة وكل ذلك يعود إلى بساطة أدواتنا آنذاك وإلى همومنا الاجتماعية الهادفة”.
أما اقترابه من عبدالملك نوري فهو لغرامهما بفن القصة القصيرة ومن غائب طعمة فرمان بتساؤلاتهما المعقدة، أما من مهدي عيسى الصقر فبذكرياتهما المشتركة، وعذابات مدينة البصرة التي خلَّدت ثلاثة قصاصين كبار “محمود عبدالوهاب ومهدي عيسى الصقر” حيث ارتحلا ومحمد خضير الذي لا يزال يسرد الآن حكاية مدينته التي لم تنته حد اللحظة.

مخترع أفكار
ومحمود عبدالوهاب يرقد في المستشفى وبينما أن كنا نقف معه في نزاعه الأخير مع الموت قلت لمحمد خضير تحت ظلال شجرة في الحديقة حيث بدأ برد الشتاء البصري يجففها “إن محمود عبدالوهاب كان بارعاً في التقاط موضوعاته النقدية، إنه مجترح أفكار، أما القصة فقد أتعبته، لأنه كان يريد أن تستوفي كامل غاياتها، كونه يخاف من تأويلها باتجاه يجعلها غير قصته، كان يريد أن يوجه المتلقي لكي يقرأ قصته بما يريد محمود عبدالوهاب نفسه لا بما يريد المتلقي، إنه الناقد الأكبر لقصته، الناقد الذي يريد أن يغلق كل الثقوب أمام عيني ناقد آخر”.
كان الحوار واضحاً كوني أناصر عبدالوهاب الناقد، لا القاص وكان محمد خضير يناصر عبدالوهاب القاص، وكأنه يعرف جيداً أن هذا الرجل الذي سيرتحل بعد ساعات لا يزال يسمعه بالرغم من غيبوبته وكنت أتساءل هل سيطرت قوانين النقد والمدارس النقدية التي اطلع عليها محمود عبدالوهاب بشغف وببصيرة عالية وبفهم قلّ نظيره على طريقته في تناول العالم، كنت أتساءل، من أي باب نقدي يمكن أن ندخل إلى قصة “سيرة” أو “طيور بنغالية” نشرت على الصفحة الأخيرة في الملحق الثقافي لـ “جريدة الاتحاد” أو “القطار الصاعد إلى بغداد” أقدم قصة منشورة لديه عام 1954 في مجلة الآداب البيروتية و”عابر استثنائي” و”الشباك والساحة” أو روايته “رغوة السحاب” 2001 وهو الذي كتب في النقد “دراسات نقدية في الحوار القصصي” وكتابه الشهير “ثريا النص .. مدخل لدراسة العنوان القصصي” وهو الذي - أيضاً - اجترح المصطلح النقدي واشتغل عليه إبداعياً، ومنها مصطلح الواقع النصي مثلاً، وهو مفهوم متداخل يجمع ما هو مرئي بما هو واقعي وكأنه يخلق واقعاً داخل النص من اللامرئي، بعكس الواقع الذي ينتقل إلى النص بكامل واقعيته؟

ثريات القصة
محمود عبدالوهاب كان عابراً استثنائياً للحياة، عبرها لوحده، وامتزج بها لوحده وعاش حكاياتها في طقوس متشابهة مليئة بالسحاب والهدوء البارد حيث رائحة الشتاء متعالقة مع نصوصه القصيرة بالرغم من ذلك فقد تعالى على الحياة واقتنص ثريات نصوصها المعقدة.
كان الخوف من الكتابة هاجس محمود عبدالوهاب، وشغفه بها هاجسه الثاني، يتنازعه الخوف مما يكتب والعشق لما يكتب يخاف من الكتابة حين يستخدم قلم الرصاص فهو الماحي لكل ما يكتب والعاشق لها حين يستخدم قلمه الحبر الذي يوثق ما يريد حيث لا تغيير آخر سيأتي.
كان محمود عبدالوهاب المتأمل بلا انفعالات، لم أره يوماً ينفعل إلا حين يمْسس قصته، رأي كالنار، جارح كالسكين، فهو الخائف دوماً على شخوصه الورقية، والتي من المستحيل القول فيها إنها بلا واقع، إنه واقعي عبر شخوص يعيشون لحظة الكتابة لديه يستحضرهم بقوة وحالما يكونون بين أحضان نصه الورقي يصبحون أشباحاً، إنه لم يسمهم، إلا القليل الذين كانوا يتحاورون معه داخل النص القصصي.
مما أوقع الكثيرين في الحيرة حقاً، حيرة يلخصها سؤال مهم من المؤكد أنه تبادل لكل الأذهان وهو “أين نضع محمود عبدالوهاب، في القصة مبدعاً أم في النقد مجترحاً؟ وهو ما اختلف فيه مع من يراه قاصاً أسهم في التجديد إلى حد معقول وبين من يراه ناقداً له بصيرة قلّ مثيلها ويخدم أفكاره في النقد ذلك القلق الذي يرافق الناقد في سبر أغوار نصه، البحث الدائم عن المجهول في النص المقروء، وما كتابة “ثريا النص” إلا علامة كبرى - بالرغم من صغر حجمه - على التقاطاته الذكية في الالتفات إلى أهمية العنوان باعتباره “عتبة” و”ضاما” و”إشارة” و”بنية صغرى” و”بنية افتقار” وهي الالتفاتة التي لم يذهب إليها أحد من قبل.
محمود عبدالوهاب لم يرصد حركة الزمن على المستوى الإبداعي، بل الزمن لديه يتوقف عند لحظة إرصاده مكونه القصصي بعكس ما تقوله إحدى الناقدات العراقيات التي رأت فيه راصداً عبر البطل لحركة الزمن وما كان الوصف لديه سوى حركة سردية داخلية لاقتناص مشاعر أبطاله التي تتحرك داخل ذواتهم، في زمن لا مرئي، غير محسوس، مفارق لسرده وفي الآن نفسه متشبث به.

أماكن مألوفة
ينسج محمود عبدالوهاب عوالمه في أماكن مألوفة غير معادية من “الشبابيك، القطارات، الساحات ، عبر الصور، الطيور المهاجرة أما ما هو عدائي - الأمكنة المضادة لروح الإنسان - فإنه ينفصل تماماً عنها، يبتعد كسارد لا يضطلع بمهمة السرد بل يفارق نصه ليصبح الكائن الداخلي في النص هو السارد الوحيد القادر على خطاب المتلقي.
ولكي أقرأ قراءة محمود عبدالوهاب لفنه القصصي وكيف يصفه بدقة الناقد المجترح نطلع على هذا النص حول قراءته لفنه حين يقول”أحاول أن أشكل الفعل القصصي في عملية مرئية، لا أرغب في الحكي عما يحدث في القصة، وكأنني أروي حكاية جدة، حتى ما يسمى بالاسترجاع في القصة لا أرغب فيه، إنني أزعم أنني مولع بالسينما تلقياً على صعيدي المشاهدة والقراءة”.
ويستحضرني ما جرى لي معه وهو الذي تحاورت كثيراً معه حول قصصه، حين نقلت إليه ما قال فيه الناقد العراقي الدكتور عبدالإله أحمد من أن محمود عبدالوهاب أستاذ في النقد، حصيف في القراءة النقدية والمنهجية الفاعلة، ولم يلتفت عبدالإله أحمد إلى نصوصه القصصية، وعندما نقلت إليه هذا الرأي، وجدتني أقرأ شيئا من القلق قد بدأ يساور عبدالوهاب ليلتها ومع مجيء الصباح - وكان يومها مفتشاً للغة العربية - فاجأني بأنه يريد مشاهدتي في الدرس، وتعاملنا معاً كموظفين حريصين على أن يؤديا عملهما بشكل دقيق، ولكنه وفي منتصف الدرس قاطعني وأنا أشرح موضوعاً في الأدب لطلابي الخائفين الساهمين لوجود هذا الرجل الوسيم بينهم جالسا داخل غرفة الدرس، فقال بهدوء: “ولكن أريد أن أستوضح بدقة ماذا قال عبدالإله أحمد” حينها لم يشعر الطلبة بأننا خرجنا عن النص إلى عالم الليلة الماضية، كان يخاف من عشقه لنصه، عشق لم يشاركه فيه أحد، حتى الحياة.


سيرة

ولد محمود عبد الوهاب في بغداد عام 1929 ونشأ منذ طفولته في البصرة وفيها أكمل دراسته الأولية، حصل على بكالوريوس في آداب اللغة العربية في دار المعلمين العالية عام 953 1بمرتبة الشرف، ثم التحق ببعثة دراسية إلى جامعة كمبردج عام 1961، لكنه عاد إلى العراق عام 1962 فلم يكمل دراسته، بعدها انتسب إلى جامعة عين شمس في القاهرة عام 1986 ولكنه انقطع عن الدراسة أيضاً.
عمل مدرساً للغة العربية في مدارس البصرة الثانوية، ثم اختصاصياً تربوياً لمادة اللغة العربية في مديرية تربية البصرة، ثم تقاعد عن العمل الوظيفي عام 1992.
أسهم محمود عبد الوهاب في تحرير عدد من الصفحات الثقافية لجريدة البصرة في الخمسينيات وكتب مقالات لا تحصى في الصحف العربية والعراقية.
إذ كتب أولى قصصه التي بعنوان “خاتم ذهب صغير” التي لم ينشرها في مجموعته “رائحة الشتاء” ، وله مجموعة قصصية واحدة هي “رائحة الشتاء”، عن دار الشؤون الثقافية – بغداد 1997 ، وله روايـة واحـدة منشورة هي “رغوة السحاب”عن الدار نفسها عام 2000 .

اقرأ أيضا