الاتحاد

دنيا

المسؤولية الاجتماعية للشركات.. بدعة أم حقيقة؟

بدأت المسؤولية الاجتماعية للشركات والمعروفة أيضا باسم مواطَنة الشركات أو الأعمال المسؤولة المستدامة تكتسب مكانة بارزة بوصفها ممارسات إيجابية لبعض كبريات الشركات العالمية وأشهرها.. خاصة أنها كانت تتعقب فضائح تلك الشركات وذلك في الجزء الأخير من القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين.
حول معنى هذه المسؤولية وإن كانت حقيقة أم بدعة وزيفا.. تحدث جيريمي بيات المدير التنفيذي للمسؤولية البيئية في شركة الشارقة للبيئة، والتي تعمل بالتعاون مع بلدية الشارقة لخلق بيئة صحية. ومن خلال خبرته وإطلاعه كخبير بيئي وجد أن المسؤولية الاجتماعية للشركات قد أثارت كثيرا من الجدل في بداياتها، ولا يزال بعضه دائراً لغاية الآن بين معسكرين وهما معسكر يضم أولئك الذين يشعرون بأهمية المسؤولية الاجتماعية لحث المؤسسات على التطلع إلى ما هو أبعد من المكاسب المادية قصيرة الأجل والاهتمام بدور مجتمعي على نطاق أوسع، ومعسكر آخر يضم كل من يعتقد بأن المسؤولية الاجتماعية للشركات تصرفها عن علة وجودها الأساسية.؟

ماهية المسؤولية الاجتماعية
لكن الأيام التي كانت فيها الشركات تتمسك بالنظر إلى المسؤولية الاجتماعية للشركات باعتبارها بدعة أم مجرد وسيلة للظهور بمظهر الشركات ذات الوعي الاجتماعي قد ولّت وانتهت منذ فترة طويلة، وينبغي أن يكون للمسؤولية الاجتماعية للشركات مكان راسخ في خطط الأعمال وإعداد التقارير بشكل يمكنها من التحرك على نحو فعال وسريع، وذلك باللجوء إلى الإمكانات التي تتيحها الإنترنت والشبكات الاجتماعية الإلكترونية، لنشر رسائل قد تُلحق الضرر بالمؤسسات التي لا تلبي التوقعات.
يواصل جيريمي: علاوة على ذلك فإذا كانت الشركات تأخذ على عاتقها التنظيم الذاتي من خلال المسؤولية الاجتماعية للشركات فإنها ستستفيد من عدة جبهات، مع إتاحة فرص أفضل للتوظيف واستبقاء الموظفين الجيدين والتمتع بعلاقات أكثر إيجابية بين أفراد المجتمع وتعزيز الولاء للعلامة التجارية وتحسين السمعة، ولا تزال العديد من المؤسسات، لا سيما الشركات الصغيرة والمتوسطة تحاول معرفة ما تعنيه المسؤولية الاجتماعية للشركات، والكيفية التي ينبغي من خلالها إدماجها في نموذج الأعمال التجارية، وأيضا لا يزال كثير من المسؤولين يسألون أنفسهم عن ماهية المسؤولية الاجتماعية للشركات؟ وما مدى فعاليتها؟ وهل تستحق كل هذا الجهد؟

المصلحة العامة
يشرح جيريمي المسؤولية الاجتماعية للشركات فيقول إنها جزء من خطة الشركة التي تتناول مباشرة الكيفية التي ترى الشركة فيها نفسها داخل المجتمع الذي تعمل فيه وتترك أثرها عليه، وهذه النقطة الأخيرة مهمة للغاية. وفي حين أن العديد من مؤسسات القطاع العام يمكن أن ترى بوضوح كيف تفيد المجتمع فإن الشركات العاملة في القطاع الخاص تشكل أيضا جزءا مهما من النسيج الاجتماعي، ورغم أن شركات القطاع الخاص عملت لسنوات طويلة بدافع الربح أساسا، فإن زيادة الأرباح إلى حدودها القصوى لا ينبغي أن يمنع الشركات من المساهمة في فعل الخير والمضي قدما باتجاه المصلحة العامة، ويعود سبب الوجود المستمر للشركات الناجحة إلى منحها تصريحاً بمواصلة العمل من جانب أصحاب المصلحة لعملائها والمجتمعات التي تضم مكاتبها ومرافقها وعملياتها ووسائل الإعلام والمسؤولين الحكوميين، لذا فإنه يتعين على الشركات فهم أفضل لجميع جوانب هذه العلاقات من أصحاب المصلحة.

ثلاث دوائر
تركز التقارير السنوية للشركات على البيانات المالية، أما خطط الأعمال فهي تدور حول تعزيز العلامة التجارية وحصة السوق والمبيعات والأرباح، ولا يعلم الكثيرون أن المسؤولية الاجتماعية للشركات تساعد على تنظيم تلك الاهتمامات الأخرى تنظيما حسنا، وينبغي على كل شركة من الناحية المثالية وضع استراتيجية وخطة تساعد جميع العاملين فيها، من أعلى المناصب إلى أدناها، في فهم كيفية التفاعل مع المجتمع وعلى وجه التحديد إدراك منافع بناء علاقات قوية مع المجتمع.
وعن أفضل طريقة للتفكير بالمسؤولية الاجتماعية للشركات أكمل جيريمي قائلا إنها ثلاث دوائر متحدة المركز، وتبدأ بالدائرة الداخلية التي تمثل الموظفين العاملين لدي الشركة وتتطلب القوة العاملة المنتجة عاملين يتمتعون بالصحة، ولما كان معظمنا يقضي ما لا يقل عن ثلث حياته في العمل يمكن أن يستفيد أصحاب العمل، ليس فقط بتعزيز التوازن بين العمل والحياة للموظفين وإنما أيضا من خلال تنفيذ سياسة ثابتة وواضحة تتعلق بالصحة والسلامة في أماكن العمل.
الدائرة الثانية هي المجتمع وتمثل الشركات جزءا مهما وحيويا من المجتمع فهي توفر فرص العمل التي ترفع من المستوى العام للمعيشة في المجتمع، ولكن للشركات أيضا تأثير كبير على البنية التحتية الحضرية، بما في ذلك الطرق ووسائل النقل العام والمدارس والجامعات والمستشفيات وغيرها من مرافق الرعاية الصحية والفنون والثقافة والمجموعة الكاملة من وسائل الدعم والشبكات الاجتماعية التي تسهم في جعل المجتمعات أكثر حيوية وتماسكا، وأن برنامجا جيدا للمسؤولية الاجتماعية للشركات سوف يضع إطارا يحدد الكيفية التي يمكن بها للشركة أن تلقي بثقل مؤثر في القضايا والهموم المحلية، وكذلك الكيفية التي تتفاعل بها مع غيرها من المؤسسات، ومن المؤكد أن مثل هذا البرنامج سوف يشتمل على سياسة خاصة بالتبرعات الخيرية.

أما الدائرة الثالثة فهي البيئة، وهي الجزء المهم من المسؤولية الاجتماعية للشركات الذي ربما يحظى باهتمام أكبر من غيره في الواقع، وهذه هي المسألة التي يعتقد العديد من المسؤولين التنفيذيين في الشركات أنها ستحصل على معظم الاهتمام الجماهيري والسياسي على مدى السنوات الخمس المقبلة. ومن البديهي أن جميع الشركات لها تأثير على البيئة على كافة الصعد المحلية والإقليمية والعالمية. وما تفعله الشركات أو المجتمع او القطاعات الصناعية والعقارية والاستثمارية والزراعية هنا الآن في الإمارات يؤثر على الناس في الجانب الآخر من الكرة الأرضية. وسوف يكون له تأثير على أولئك الذين لم يولدوا بعد ولم يعد كافيا اليوم تلبية متطلبات التشريعات المحلية، فهناك عدد لا يحصى من الاتفاقات البيئية المحلية والدولية التي ينبغي على الشركات أن تدرجها ضمن خططها للأعمال.

الموجة الخضراء
عادة معظم المحللين ينظرون إلى القضايا البيئية بوصفها مسؤولية ملقاة على عاتق الشركات أو حتى كمصدر خطر لها، وهو الأمر الذي يجب أن يكون مفهوما، ولكن هناك طريقة أخرى للنظر في القضايا البيئية تتسم بكونها أكثر إيجابية، وبأنها تمثل قيمة محتملة للشركة، ويمكن لدراسة تحليلية للمسؤولية الاجتماعية للشركات أن تساعد في هذا الأمر إذ يمكن أن يطلق عليه الموجة الخضراء، لوضع إطار عمل للمسؤولية الاجتماعية للشركات في مجال الصحة والسلامة البيئية، فقد يؤتي ثماره ليس فقط لأنه يساعد الشركة على العمل بمزيد من الفعالية مع أصحاب المصلحة وإنما لأن تلك المسألة تتيح لكل فرد في الشركة معرفة تأثير عملياتها في سياق أوسع.
وتعمل مؤسسات رائدة على إنتاج تقارير المسؤولية الاجتماعية على أساس سنوي هنا في دولة الإمارات، وما علينا إلا أن ننظر إلى مؤسسات خاصة لها الأثر الإيجابي من خلال المبادرات ضمن المسؤولية الاجتماعية للشركات التي تطلقها وترعاها الشركات متعددة الجنسيات، ويمكننا برغم صمودنا هنا في دولة الإمارات أمام الأزمة الاقتصادية العالمية، يمكن أن نتوقع أن ذلك قد يؤدى إلى طرح أسئلة حول الثقة وارتفاع توقعات الجمهور بشأن دور قطاعات الأعمال في المجتمع، ويتوقع لتلك الشركات التي تتبع أفضل الممارسات في معالجة القضايا الاجتماعية والسياسية، وتلك التي تعمل على توسيع نطاق هذه الأنشطة وفقاً لاستراتيجيات العمل والأهداف التابعة لها، أن تجني منافع تجارية حقيقية وتخلق قيمة إضافية للمساهمين.

اقرأ أيضا