الاتحاد

دنيا

عبدالله السعدي يحوِّل بيت الطفولة إلى مشروع فني


خورفكان - إبراهيم الملا:
على عادة الفلاسفة (الرواقيين) الذين يزيحون فائض الجسد بالتفكُّر والانشداه، ومثل المشّائين الكبار الذين يقودون هياجهم الناعم في كل درب وينزهون حوّاسهم اليقظة أينما ذهبوا، يعود عبد الله السعدي إلى منزله كل يوم وهو مٌحمل بكنوز تتباهى في بصيرته وبصحبته قطيع من ضباب وخرافات ملونة! هذا الدخول الذهبي لـ عبد الله سيحوّل البيت حتماً إلى ملكوت شعري وإلى قاعدة مُثلى لقنص الغرابة واصطياد الكائنات الحلمية المجنحّة· إن هذا المفهوم الاختراقي قد يرد خارج نطاق البداهة والمتعارف عليه عندما يكون البيت في لحظة ما قادراً على إعادة تفسير الطبيعة واعادة تدوير المعرفة بالاشياء لدرجة يتعذّر فيها الإحالة على أي قطع أو حسم أو يقين خصوصاً اذا تعلق الأمر مع منزل متهادٍ ورجراج وكأنه غيمة!
إن الصداقة التي يمنحها حجر البيت كهبة صامتة أو خلاص يرشح بمحبة كونية، هي الصداقة القصوى التي يمكن أن ينالها المرء في العيش وسط جدران لا تحجز، بل تشفّ وتنفذ وترتوي بأنفاس الساكنين· وفي تجوالات عبدالله الكثيرة نوع من الهواية البدائية المتمثلة في الجمع والالتقاط والنظر إلى العالم بغريزة المكتشف لما حوله ولما ينعكس في الذات· فالذي يمشي في الطبيعة هو الذي يمشي في نفسه أيضاً، وما تلتقطه اليد في الطريق قد يزول، أما لُقى البصيرة فتظل باقية وساخرة من الفناء، يحاول عبدالله أن يغرس بصمة الخلود في كل ما يلتقطه، لذلك فهو يحنِّط النباتات والحشرات الصغيرة ويحتفظ بها في اوانٍ زجاجية وعلب مقفلة وفي أرشيفات مُدوّنة ومرقشة، كما أنه يحتفظ بعظام وجماجم الحيوانات كي ينّزهها من كل دنس بشري ومن كل استغلال إنساني، لا يريد عبدالله للحيوانات والطيور أن تتحول إلى خادمة لأية منفعة أرضية أو دنيوية، بل عليها أن تكون ناجية من كل صفة قد تحيلها إلى ضعف وخنوع وإذعان· يردد عبدالله دائماً: (كل الحيوانات الداجنة مُهانة، ولا تستعيد كرامتها إلاّ بعد موتها، واحتفاظي بهذه الجماجم هو تطهير لحياة كاملة من الذلّ والقسوة والاستعباد البشري)!
في منطقة (مدحاء) القريبة من خورفكان يمكن للمرء أن يستند على الظلال من شدة كثافتها وتشابكها، فالجبال المحيطة بهذه المنطقة تبدو مثل مصدّات هائلة لسهام الظهيرة وللعبور القلق للشمس قبل وبعد ذلك· في محفل الظلال هذا يمكن ملاحظة منزل عبدالله السعدي المكّتنز بالتواضع والدعة وهو مستلق في بطن الوادي وبإنحدار هادىء كي يستقبل الشوارد المائية بهيامها النازل والمنجذب لكل ما هو خفيض وغائر· إختار عبدالله أن يحوّل منزل الطفولة هذا إلى متحف فنّي وإلى مستودع للذكريات· إنه حنان الأرض ما يجعل هذا المكان موئلاً للجمال المهمل والغرابة الُميتَّمة· فعندما تدخل الباحة لاول وهلة تشعر وكأنك محاط بهالة من براءات منسية، كأن البيت مشمول بورع داكن، وكأن الظل نفسه صار شجرة! كل شيء هنا ينطق بصمت سائل، والنباتات يرويها وَجْدّ كتوم، وتزهر فيها أجراس منحنية من خجل واستحياء·
كان الوقت حينها ذاهباً في القيلولة وكانت النسائم رطبة وفائضة مثل صلوات معرشة أو فوانيس تتدلى من ليل وشيك، وتنشر عتمتها بجلاء طاهر ومبثوث في النوم الفسيح للباحة· شعرت وقتها أن فكرة المأوى كحماية غير موجودة في هذا المنزل ولكنها هنا لاستجلاب الرؤى المستحيلة التي يهبها فضاء المكان مع انقلابات الضوء وتوافد الرياح المُروَّضة بين الجبال· هذا الاحساس لا يمكن التوفرّ عليه في منزل يعادي أي انفتاح على انفعالات الطبيعة· فالبيوت المقفلة والمصابة بالربو هي البيوت الفقيرة الأثر والتي لا تمنح زائريها سوى الاذى والبهتان·
يكشف منزل عبدالله السعدي أيضاً عن رحابة وتودّد لكل ما يقع في منطق الريبة والفرادة الضارية، فعند اكتشافك لخطواتك الاولى في المكان يفاجئك قبر صغير ومُعتنى به جيداً من حيث الشاهد الصخري المغروس فيه والشبيه بذيل طائر متحجِّر، كما أن الزهور المحيطة بهذا القبر الدائري تشي بكمية هائلة من العطف والتبجيل لهذا الغائب العزيز· تسأل عبدالله عن سر هذه المقبرة الفاتنة، فيجيبك بأنه لطاووس جميل فقده ذات يوم ولم يشأ ان يذهب هذا الجمال دون ضريح يستحقه ويليق به، إن العاطفة الآسرة التي يحتفظ بها عبدالله تجاه الحيوانات والطيور هي شكل من أشكال التآلف الغابوي السحيق والمُفتقد، فهو مازال مسكوناً بذلك العصر الذهبي للتاريخ ولفراديسه التي دمرتها شهوة المنفعة والخرائب اللامعة للمجتمعات الحديثة·
تثبيت الزمن
تخلو أعمال عبدالله السعدي من أي قصد تزييني أو أي إدعاء مُحتمل، لانها أعمال لا تنتمي للفن المتحفي وعروضه الاحتفالية، بقدر انتمائها للاندفاع المتمهل في العالم، لا يمكن حبس الروح القلقة في إطار! كما لا يمكن احتواء المغامرة الوجودية الشرسة في قاعة عرض، هناك اشياء لا يمكن قياسها سوى بمجسّات الرؤيا· وعندما يحتفظ عبدالله مثلاً برسائل أمه المتمثلة في الخِرق والاقمشة الملونة وبعض الأدوات اليومية، فإنه يحتفظ ايضاً بشيفرات دلالية وإنسانية هائلة، وهذه الرموز البسيطة التي تتركها الأم لابنها أثناء غيابها، هي رموز تدحض كل تقنيات التكنولوجيا الشائعة والبائسة في هذه الأزمنة الجديدة· وعندما تتواصل الأم مع ابنها الغائب من خلال حقل دلالي مشّع ومليء بالقول والاشارة والتلميع فإنها في ذات الوقت تحاكي أمهر المشتغلين في حقل الاتصالات الحديثة· يأتي عبدالله كي يجمع هذه الاشارات والرسائل في مكان واحد كي يثّبت الشوارد الزمنية، وكي يصنع أيقونة من مشاعر لا تفنى!
ومن الاشياء التي لا تغفلها العين داخل وخارج هذا المنزل المحتشد بولادات مفاجئة سيارة (الجيب) القديمة المطلية بألوان وأشكال الجبال المحيطة والتي يريد عبدالله أن يحوِّلها لمعرض فني متنقل، وهناك أيضاً الدراجة الهوائية المعلقة في سقف الُمحترف وكأنها تجسيد لذاكرة عالية من غبار الدروب وحجارة المنحدرات وهواء البلدان الغريبة التي مرّت بها، وكأنها أيضاً في حال نهم متواصل لاختراق ما لم يُكتشف بعد، أما الطاولة الحجرية المتروكة لعزلتها في صحن الدار، فتبدو وكأنها في انتظار ضيوف صامتين وغير مرئيين، ضيوف من زمن عاطل ومنسيِّ، إن احتفاء عبدالله بالحجر شبيه باحتفائه الجوّاني بالسكوت وبركام الاحاديث المؤجلة، فهذا المنزل المنذور للإصغاء لابد وأن يكون صاحبه ميّالاً هو الآخر للايجاز والنحت في القول كمبدأ وأصل·
عبدالله القليل الكلام يعيد اكتشاف النطق من خلال تدوينه لمذكراته اليومية ومن خلال الشغل اليدوي واقحام الجسد في مغامرة الفن وبداهة وحضور جامح· وعندما تنظر لاصابع عبدالله السعدي ستكتشف أكثر قيمة هذا الهوس الحجري الذي يتمّلكه من خلال خاتمه المقتطع من صخرة ملوّنة في أعالي الجبال، الخاتم نفسه مربوط بالاصبع بواسطة أسلاك صغيرة وبشكل ارتجالي وخالٍ من القصد والدقّة· سيكون هذا الخاتم إذن بمثابة التميمة أو التعويذة الحامية من أذى الكائنات الجبلية الغامضة ومن سكان الليل ومخلوقاته الهائمة في الظلمات· وسيكون الأمر شبيهاً بما تفعله الامهات في صحارى العالم عندما يضعن حليبهن في أوعية ويهبنها للعقارب السامة، والتي لن تجرؤ بعد ذلك على لدغ أطفالهن الرضــع وهم نيام!
واليوم عندما تطير أعمال عبدالله السعدي إلى أقصى قارات العالم في أميركا الجنوبية وعندما تُستدعى إلى أعرق البيناليهات الدولية في البرازيل والارجنتين وبلا ضجيج وتطبيل وبهرجة، فإن المسألة بحاجة لوقفة أمام معنى وعمق مثل هذه التجارب الشخصية بأفقها الإنساني الرحب القادر على مزج خصوصية المكان بسحره وتأثيره مع كل التقاطعات الاثنوغرافية لمناطق تبعد آلاف الاميال وتقع في آخر الاصقاع التي يمكن أن يتخيلها المرء·
إن التجربة الذاتية العارمة التي ظلّلها عبدالله بروحه وبدروب وجبال وحكايات (مدحاء) و(خورفكان) ستتقاطع بلاشك مع تجربة رجل وحيد مازال يقود دهشته وسط جبال الأنديز! إنها خديعة العتبة: ···· فعندما تطأ منزل عبدالله السعدي فأنت موجود أيضاً في آخر بقاع الأرض!

اقرأ أيضا